"أما مِن باكٍ يبكينا؟"... عندما ظننت أنّ العالم سيتوقف لكنه لم يفعل

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 18 مارس 20267 دقائق للقراءة

في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ظننت أن العالم سيتوقف، لكنه لم يفعل.

ذلك اليوم قتل أكثر من 500 فلسطيني نازح، في قصف إسرائيلي على مستشفى المعمداني في غزة.

أذكر تماماً أنني يومها بكيت بكاءً لم أبكِه قط. أنا، ابنة الجنوب اللبناني، كانت مشاهد مجزرة المستشفى المعمداني كعاصفة اجتاحتني، ومن يومها تغير الكثير. ظننت أن العالم سيتوقف، لكنه لم يفعل.

"ليلة المجزرة"

خرج الأطباء للعالم بمؤتمر صحافي لم يكن له مثيل، ولن يكون. مجموعة أطباء وممرضين ملوثين بالدماء، يتوسطون الجثث. حاولوا يومها إلقاء الحُجة على الصامتين، والظهور من قلب المأساة، من دون "هندسة" الحدث وتمييعه. بعد هذا المؤتمر الصحافي، ظننت أن العالم سيتوقف، لكنه لم يفعل.

أنا، ابنة الجنوب اللبناني، كانت مشاهد مجزرة المستشفى المعمداني كعاصفة اجتاحتني، ومن يومها تغير الكثير. ظننت أن العالم سيتوقف، لكنه لم يفعل

كيف يمكن لإنسان أن يشاهد ذلك، ويختار الاستمرار؟

تسمّرت أمام التلفاز لأيام، انقطعت عن محيطي، بكيت بكاء المقهورين، ولم أستطع استكمال روتيني. لكنني بعد حين، فعلت.

في اليوم التالي للمجزرة، اتصل بي صديق ينصحني بتقنين مشاهدتي للأخبار ومحاولة الانفصال عن الحدث، كان يحاول إقناعي بأن "لا شأن لنا بما يحدث"، وأن "المهم أنا وأسرتي بخير". انهرت بالبكاء مجدداً. كنت أحاول الشرح بأنه لا يمكن للعالم أن يستمر، بينما نشاهد إبادة جماعية على الهواء مباشرة. كنت أحاول أن أقول أنني إنسانة، ولا يمكنني الانفصال عن هذا. أخذ الاتصال مساراً عنيفاً يومها، لا أحب أن أستذكره. كان صديقي المحامي يرى أنني كلبنانية لا شأن لي بالشأن الفلسطيني، وأن ما يحصل في فلسطين هو استحقاقهم بعد "كل شيء فعلوه في لبنان خلال الحرب الأهلية".

يؤلمني ذكر ذلك كثيراً. يؤلمني أن ثمة مدافعاً عن حقوق الإنسان، مقتنع بتعميم قاسٍ وأعمى إلى هذا الحد. كيف يمكن لشخص يفترض أنه معني بالدفاع عن الناس، أن يجرد شعباً كاملاً من إنسانيته، بجملة واحدة؟ وكم أصبحت مصطلحات عصرنا فضفاضة: العدالة، الكرامة، الحقوق، القانون الدولي…؟

في صباح اليوم التالي، بدا كل شيء "مهيناً". كيف يمكن للشوارع أن تكتظ، وللهاتف أن يرن، وللناس أن يذهبوا إلى أعمالهم، فيما كانت صور أشلاء الأطفال تملأ رأسي؟ شعرت بإهانة شديدة من استمرار التفاصيل الصغيرة، كأن الحياة نفسها ترتكب خيانة بحق ضحاياها.

ظننت يومها أن العالم سيتوقف، لكنه لم يفعل. لكن صداقتي مع هذا الرجل، انتهت.

"إجهاد التعاطف"

بعد واقعة المستشفى المعمداني، أصيب جسدي بأوجاع غريبة. دخلت في دوامة آلام لا تنتهي، ولم يسكنها أي دواء. تم تشخيصي يومها بـ الفايبروميالجيا (Fibromyalgia)، أو ما يُعرف بمتلازمة الألم العضلي الليفي، وهي حالة مرضية مزمنة تتميز بانتشار الألم في كافة أنحاء الجهاز العضلي الهيكلي، ويرافقها غالباً شعور بالإرهاق واضطرابات في النوم والذاكرة والمزاج. بحسب الطبيب، فإن هذا المرض سببه الصدمات الجسدية أو الضغوط النفسية الشديدة. في الوقت الذي ظننت فيه أن العالم سيتوقف، وهو لم يفعل، تضرر جهازي العصبي بالكامل.

لم تكن المجزرة وحدها هي الصدمة، بل ما تلاها: أن تستيقظ في اليوم التالي، فتجد الناس يتحدثون عن أمور عادية، وتجد نشرات الأخبار تنتقل من الجثث إلى الطقس، ومن الدم إلى الإعلانات، ومن الفاجعة إلى مباراة كرة قدم. هنا فهمت أن الكارثة لا تكمن فقط في القتل، بل في قابلية العالم للتكيف مع ذلك بسرعة مخيفة

التشخيص النفسي لما حصل معي كان يعرف بـ "إجهاد التعاطف" (Compassion Fatigue)، وهو حالة من الإرهاق الجسدي والنفسي والعاطفي الشديد ناتجة من التعرض المستمر والمفرط لمعاناة الآخرين أو صدماتهم. يُعرف أحياناً بـ "تكلفة الاهتمام"، حيث يستنزف الشخص قدرته على الشعور بالتعاطف وتقديم الدعم نتيجة العطاء المستمر من دون الحصول على الراحة الكافية.

المجزرة التي وُصفت بالكارثة الحقيقية، حيث تحولت ساحة المستشفى إلى بركة من الدماء وتناثرت أشلاء الشهداء في كل مكان، وكان معظمهم من النساء والأطفال، غيرت حياتي للأبد. لكن العالم لم يتوقف.

لم تكن المجزرة وحدها هي الصدمة، بل ما تلاها: أن تستيقظ في اليوم التالي، فتجد الناس يتحدثون عن أمور عادية، وتجد نشرات الأخبار تنتقل من الجثث إلى الطقس، ومن الدم إلى الإعلانات، ومن الفاجعة إلى مباراة كرة قدم. هنا فهمت أن الكارثة لا تكمن فقط في القتل، بل في قابلية العالم للتكيف مع ذلك بسرعة مخيفة.

أما أنا، فقد التقط جسدي الصدمة التي عجز دماغي عن استيعابها وتحملها، والصور الصادمة التي تلقيتها، انصبت تماماً في جهازي العصبي.

"الوحش نفسه قادم إلينا"

مناسبة كتابتي عن كل هذا بعد نحو سنتين مما حدث، فهو إحساسي بأنه كان يتعيّن على العالم أن يتوقف من أجلنا، لكنه لن يفعل.

طوال فترة حرب الإبادة على غزة، كنت أردد: "أبكي عليهم علّني أجد من يبكي عليّ إن حصل لي شيء". أما، وإني أعيش حرباً ثانية الآن في عام واحد، لا أجد لنا باكياً. نعيش تحت وطء النار، وسط صمت عربي وعالمي مؤلم. نحن اللبنانيين الذين نرفض الانصياع للوحش، أما مِن باكٍ يبكينا؟

خلال الحرب الشاملة علينا في أيلول/ سبتمبر 2024، ظننت أن العالم سيتوقف، لكنه لم يفعل. العالم الذي لم يتوقف لقتل عشرات آلاف الغزيين، لم يهزه بضع آلاف لبنانيين آخرين. واليوم، يعود ويتجدد الألم نفسه.

أكتب هذا النص عقب مجزرة أخرى ينفذها العدو. صواريخ موجهة نحو النازحين اللبنانيين على شاطئ الرملة البيضاء في بيروت. نازحون افترشوا الشاطئ لأنهم لم يجدوا ملاذاً آمناً يؤويهم، طالتهم النيران ونسفت أجسادهم. سمعنا صوت الغارات، اهتزت من حولنا جدران دار النزوح التي نسكنها، ووصلتنا الصور. أشلاء تفترش الرمال، فيما يستمر العالم.

توقعت بعد هذا الحدث أن تهتز الدنيا، أن يملأ صوت الغضب العالم، لكنه لم يفعل. مرت المجزرة التي طالت الأبرياء مرور الكرام. خبر تلفزيوني، انقطع أثره إثر خبرٍ آخر عن استهداف آخر في منطقة أخرى. وهكذا دواليك. في كل مرة تقدم فيها إسرائيل على فعلٍ شنيع ينافي الفطرة البشرية، أعتقد أن العالم سيتوقف، لكنه لا يفعل.

طوال فترة حرب الإبادة على غزة، كنت أردد: "أبكي عليهم علّني أجد من يبكي عليّ إن حصل لي شيء". أما، وإني أعيش حرباً ثانية الآن في عام واحد، لا أجد لنا باكياً. نعيش تحت وطء النار، وسط صمت عربي وعالمي مؤلم. نحن اللبنانيين الذين نرفض الانصياع للوحش، أما مِن باكٍ يبكينا؟

ما حصل معي خلال حرب غزة لم يكن غير حدس قوي بأن الوحش نفسه قادم إلينا، وبأنني لست بعيدة منهم، وإن كنت جغرافياً كذلك. أكتب هذا النص وأنا أتقيأ قلبي حزناً. كيف لكل ذلك أن يحدث، وكيف للعالم أن يصمت؟ أود لو أملأ الكون صراخاً، وأسبب ثقباً كبيراً في آذان الأصماء. أود لو أن بإمكاني إيقاف عجلة العالم عن الدوران، علّنا نلحق بركبها. تخلفنا عن ركب الحياة كثيراً، بينما تركنا وحيدين نصارع الحروب.

أصعب ما في حروبنا هو يقيننا التام أن دمنا لا يحرك أحداً، وأن موتنا يصب خارج مركز اهتمام العالم. إن موتنا ونجاتنا، نحن اللبنانيين، خبرٌ عابر، بلا شهود. لهذا كنت أردد دائماً: "أبكي عليهم علّني أجد من يبكي عليّ".

لا أدري ما كل هذا الأمل الذي ما زلت أحمله بداخلي تجاه هذا العالم. عالم نقتل فيه يومياً بسبب رغبتنا الشديدة في الحياة. أشعر أنه لا بد من وجود بصيص نور في مكانٍ ما، يضيء مكمن ألم المقهورين، يسلط عليه ضوء الاهتمام، وينصره. قد لا يتوقف العالم من أجلنا، وقد لا يبكي علينا أحد، لكنني ما زلت أكتب، لئلا أتحول إلى رقم عابر في نشرات الأخبار.



رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile