كيف أصبحت جزر إيران خط المواجهة الأخطر؟

كيف أصبحت جزر إيران خط المواجهة الأخطر؟

سياسة نحن والتنوّع

السبت 28 مارس 20268 دقائق للقراءة

"إذا حاول العدو شنّ عملية برية على جزر إيرانية أو أي مكان آخر على أراضينا، أو إذا سعى إلى إلحاق خسائر بإيران عبر مناورات بحرية في الخليج… وبحر عُمان، سنفتح جبهات أخرى على نحو مفاجئ"، هذا ما نقلته وكالة أنباء "تسنيم" عن مسؤول إيراني لم تسمه، في وقت سابق من هذا الشهر.

تكتسب الجزر الإيرانية أهمية متزايدة في سياق الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، على الرغم من أنها تمثّل جزءاً صغيراً من مساحة إيران إلا أن لها أهمية اقتصادية وأمنية بالغة. وبينما يعتبرها البعض ميزة عسكرية تخوّل لطهران تطويق مضيق هرمز والتحكّم في ناقلات النفط التي تمر عبره ومراقبتها، يرى فيها آخرون نقطة ضعف كبيرة إذا ما ركّزت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الضربات نحوها، ما من شأنه وقف تدفقات النفط الإيراني وشلّ الاقتصاد الإيراني وقلب الطاولة على طهران وإجبارها على فتح المضيق.

الجزر الإيرانية بالخليج سلاح ذو حدين حيث يراها البعض ميزة لتطويق مضيق هرمز، فيما يعتبرها آخرون نقطة ضعف قد تشلّ اقتصاد طهران إذا استُهدِفت. فهل هي درع طهران الحصين أم نقطة ضعفها القاتلة في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط؟

"قوس الدفاع الإيراني"

تظهر مخاوف إيران الجمّة من استهداف جزرها في نبرة التهديد التي بلغت أعلى مستوى منذ استهداف جزيرة خرج (تكتب أيضاً خارك)، منتصف الشهر الجاري، وهو حد ربما لم تصله لدى اغتيال المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي.

في 23 آذار/ مارس الجاري، نقلت وسائل إعلام رسمية عن مجلس الدفاع الإيراني تهديده بقطع طرق الملاحة في الخليج عبر "زرع ألغام بحرية" في حال وقوع هجوم على السواحل والجزر الجنوبية لإيران.

ورد في البيان: "أي محاولة لمهاجمة سواحل إيران أو جزرها ستؤدي إلى زرع أنواع مختلفة من الألغام البحرية… في جميع ممرات الخليج بما في ذلك الألغام العائمة التي يمكن إطلاقها من الساحل"، مع التنبيه إلى أنه "في هذه الحالة، سيظل الخليج بأكمله عملياً في وضع مشابه لوضع مضيق هرمز لفترة طويلة (…) ولا ينبغي نسيان فشل أكثر من مئة كاسحة ألغام في ثمانينيات القرن العشرين في إزالة عدد قليل من الألغام البحرية".

وبعد يومين فقط، حذّر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، عبر إكس، من أنه "استناداً إلى بعض التقارير الاستخباراتية، يُحضّر أعداء إيران لاحتلال إحدى الجزر الإيرانية بدعم من إحدى دول المنطقة"، مستدركاً "تُراقب قواتنا جميع تحرّكات العدو وإذا أقدموا على أي خطوة، فستُستهدف كافة البنية التحتية الحيوية لتلك الدولة الإقليمية بهجمات متواصلة لا هوادة فيها".

ووفق "سي أن أن"، وبينما تتصدّر "خرج" عناوين الأخبار والتقارير، إلا أن سبعاً من الجزر الإيرانية في الخليج يمكن اعتبارها "قوس الدفاع الإيراني"، بل وتوصف أحياناً بأنها "حاملات طائرات طهران الثابتة التي لا تغرق". وهي: أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى، وهنغام، وقشم، ولارك، وهرمز. ودلّلت على هذا، بورقة بحثية من العام 2022، وجدت أن "وجود منحنى افتراضي يربط هذه الجزر من شأنه أن يُسهم في فهم التفوق الإستراتيجي الإيراني في السيطرة على أمن مضيق هرمز".

جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى

على الرغم من أنها أصغر الجزر السبع التي أشار إليها تقرير "سي أن أن" السالف الذكر، إلا أنها غالباً ما شكّلت خط المواجهة في التوترات بين إيران ودول الخليج حيث استولت عليها القوات الإيرانية في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1971، بعد أيام من انسحاب المملكة المتحدة من الخليج وقبل توحيد دولة الإمارات.

تحتفظ إيران بأصول عسكرية وحاميات في الجزر الثلاث التي اكتسبت أهمية متزايدة خلال الحرب الراهنة إذ تُجبر ناقلات النفط الكبيرة والعملاقة على المرور من أمامها بسبب الضحالة النسبية للمياه في الخليج وقرب المسافة بين هذه الجزر، ما يسهّل على الحرس الثوري شنّ هجمات على هذه الناقلات أو زرع ألغام عائمة.

ووفق تقرير حديث لمركز صوفان، فإن السيطرة على هذه الجزر، "تتطلّب من القوات الأمريكية منع هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ والمدفعية من البر الإيراني، مما قد يورّط الولايات المتحدة في مواجهة طويلة الأمد وغير مرغوبة شعبياً على الأراضي الإيرانية، مصحوبة بتزايد الخسائر الأمريكية".

بينما تتصدّر "خرج" عناوين الأخبار والتقارير، إلا أن سبعاً من الجزر الإيرانية في الخليج يمكن اعتبارها "قوس الدفاع الإيراني" بل وتوصف أحياناً بأنها "حاملات طائرات طهران الثابتة التي لا تغرق"

جزيرة خرج… شريان الحياة للجيش والحكومة

في 14 آذار/ مارس الجاري، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها شنّت "ضربة دقيقة واسعة النطاق" على جزيرة خرج (أو خارك) الإيرانية بما يشمل "أكثر من 90 هدفاً عسكرياً"، لافتةً إلى "الحفاظ على البنية التحتية النفطية".

واحتفى ترامب آنذاك بأن الجيش الأمريكي "دمّر تماماً كل الأهداف العسكرية" على الجزيرة، مهدّداً بأن البنية التحتية للنفط ستكون الهدف التالي إذا عرقلت إيران أو أي طرف آخر المرور الحر والآمن للسفن عبر مضيق هرمز.

لاحقاً في 20 آذار/ مارس، ذكر موقع أكسيوس نقلاً عن "أربعة مصادر مطلعة" أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدرس خططاً للسيطرة على الجزيرة أو حصارها للضغط على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز. ووفق رويترز، تتعلّق الخطة بـ"نشر قوات برية لاحتلال الجزيرة"، وهي خطة "يمكن تنفيذها بسرعة لكنها ستعرض القوات الأمريكية لخطر كبير وستؤدّي إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من إنهائها"، كما ذكر محللون للوكالة.

قدّر القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، جوزيف فوتيل، في تصريحات صحافية، أن احتلال "خرج" لا يتطلّب أكثر من 800 إلى 1000 جندي فقط، لكنه لفت إلى أن الإشكالية في حاجة هؤلاء الجنود في ما بعد إلى دعم لوجستي وحماية، واصفاً فكرة احتلال الجزيرة بأنها "قرار غريب جداً".

تقع خرج على بعد 26 كيلومتراً من الساحل الإيراني، شمالي الخليج، على بعد 483 كيلومتراً تقريباً شمال غربي مضيق هرمز. وترسو عندها ناقلات النفط العملاقة للتحميل لأن مياهها عميقة دون الجزر الأخرى. وهي "واحدة من أهم أصول إيران وأكثرها حساسية" باعتبارها "شرياناً حيوياً لتمويل الحكومة والجيش"، وفق أسوشيتد برس.

تعد هذه الجزيرة "القلب النابض لصادرات النفط الإيراني، حيث يمرّ عبرها ما بين 90 إلى 95% من إجمالي الصادرات، مدعومة بقدرات تخزينية ضخمة تصل إلى نحو ثلاثين مليون برميل. كما يمنحها موقعها ميزة إستراتيجية، بفضل مياهها العميقة التي تستقبل ناقلات النفط العملاقة. لكن هذه الأهمية نفسها تجعلها نقطة حساسة، إذ إن أي استهداف أو تعطّل قد ينعكس فوراً على تدفقات النفط الإيراني"، وفق تقرير لـ"فرانس 24".

وفيما يمنح استيلاء واشنطن عليها القدرة على تعطيل تجارة الطاقة الإيرانية بشكل شبه كامل، وتالياً وضع إقتصاد طهران تحت ضغط غير مسبوق، إلا أن القوات الأمريكية على الجزيرة ستتعرض حتماً لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة وعند نجاح أي ضربات، قد ينشر النظام الإيراني مقاطع فيديو لتلك الهجمات على الإنترنت مروّجاً المشاهد المروعة لمقتل أفراد القوات الأمريكية كدعاية لتفوقه العسكري، كما حذّر رايان بروبست وكاميرون ماكميلان من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.

وفي حين قد يجبر الاستيلاء على الجزيرة إيران على إعادة فتح مضيق هرمز، ويمنح الطرف الآخر (أمريكا وإسرائيل) أفضلية محتملة في أي مفاوضات لاحقة، لا يُستبعد أن تنفّذ إيران تهديدها بزرع المزيد من الألغام لاستهداف السفن، بما في ذلك الألغام العائمة التي من شأنها أن تجعل المنطقة أكثر خطورة على الملاحة البحرية.

سبب إضافي وهو أن الاستيلاء على هذه الجزيرة تحديداً سيؤدي بالضرورة إلى انهيار اقتصادي يتطلّب سنوات وسنوات للتعافي، مما يعني الإضرار بالشعب الإيراني وبأي نظام آخر قد يعقب النظام الحالي، وهو أمر يرى محللون أنه لن يفيد واشنطن بل قد يضر مساعيها لاستبدال النظام الحالي.

على الرغم من سهولة احتلالها إلا أن محللين يحذرون من تبعات إنزال بري أمريكي في جزيرة خرج (خارك) الإيرانية خشية أن يشعل ذلك حرباً مدمرة يصعب إنهاؤها… كيف ذلك؟

جزيرة قشم… مفتاح التحكّم بمضيق هرمز

فور انتشار تغريدة قاليباف بشأن مخطط احتلال إحدى الجزر الإيرانية، تكهن البعض بأن جزيرة قشم، كبرى الجزر الإيرانية في الخليج، هي المقصودة لأهميتها الاقتصادية والإستراتيجية. لكن لا تأكيدات لذلك حتى الآن.

تقع الجزيرة قبالة سواحل بندر عباس، قرب مضيق هرمز، ويقطنها نحو 150 ألف نسمة. واتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة بقصف محطة تحلية مياه في الجزيرة، تزوّد قرابة 30 قرية بالمياه، وذلك في 8 آذار/ مارس الجاري، وهو ادعاء لم تعترف به واشنطن.

لا تبدو أي خطوة أمريكية قد تلحق الضرر بإيران مستبعدة في سياق الحرب الدائرة حالياً، لكن كل الخيارات المتعلقة بالجزر الإيرانية كما توفّر ميزةً لواشنطن فلها ضريبة لا بد منها، وفي الوقت نفسه، الميزات كلها التي تمنحها هذه الجزر لإيران، لا يُستبعد أن تتحوّل إلى ثغرات قاسمة قد تتسبّب في إلحاق الهزيمة بها.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile