في إيران، خلال حكم الجمهورية الإسلامية، حيث تتشابك السلطة مع شبكة معقّدة من المؤسسات الدينية والأمنية، تظهر أحياناً شخصيات لا يعرفها الجمهور كثيراً، ليس خارج إيران فقط، بل تبقى غامضة أو شبه مجهولة حتى بالنسبة لكثير من الإيرانيين أنفسهم، لكنها تقف في قلب النظام السياسي، ويُعرف هؤلاء بـ"رجال الظل". أحد هذه الأسماء هو المسؤول البارز في مكتب المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، سيد علي أصغر مير حجازي.
لم يكن علي أصغر مير حجازي وزيراً ولا قائداً عسكرياً يتصدّر اسمه الأخبار، بل كان من "رجال الظل" الذين يعملون داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالقيادة العليا، حيث تُدار ملفات الأمن والسياسة بعيداً عن الإعلام.
عاد اسم علي أصغر مير حجازي إلى الواجهة بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت طهران يوم أمس 6 آذار/ مارس 2026، حيث أفادت تقارير إعلامية بأنه قُتل في الضربات التي استهدفت مخبأ خامنئي تحت الأرض، في وسط العاصمة طهران، ما أعاد الاهتمام بسيرته الطويلة داخل مؤسسات النظام الإيراني، وسلط الضوء على شخصية أمضت عقوداً في العمل داخل ما يصفه البعض بالشبكة الأمنية والسياسية المحيطة بالمرشد الأعلى أو الدائرة الضيقة المحيطة به، وهي منظومة غير رسمية من مراكز النفوذ داخل النظام الإيراني. علماً أن أنباء اغتياله لم تتأكد بعد ولم يقر أي بيان رسمي بمقتله.
من هو علي أصغر مير حجازي؟
ولد علي أصغر مير حجازي عام 1946 في مدينة همدان، غربي إيران (وفي مصادر أخرى في أصفهان، وسط إيران)، في زمن كانت البلاد تعيش فيه تحولات سياسية واجتماعية عميقة في ظل حكم الشاه محمد رضا بهلوي. ومع تصاعد المعارضة للنظام الملكي في سبعينيات القرن العشرين، انخرط العديد من الشباب الإيرانيين في النشاط السياسي والديني الذي قاد في النهاية إلى الثورة الإسلامية عام 1979.
كانت هذه الثورة نقطة تحوّل كبرى في تاريخ إيران الحديث، إذ أسقطت النظام الملكي وأقامت نظاماً سياسياً جديداً يقوم على مبدأ ولاية الفقيه بقيادة آية الله روح الله الخميني.
في الأنظمة التي تتمركز فيها السلطة حول القيادة العليا، كثيراً ما تكون هناك شخصيات أكثر نفوذاً من المسؤولين الذين يظهرون في العلن
مثل كثيرين من أبناء جيله، ارتبطت مسيرة حجازي السياسية بالمؤسسات التي نشأت بعد الثورة، فقد انخرط في العمل داخل الأجهزة الأمنية التي تشكلت لحماية النظام الجديد، وهي أجهزة لعبت دوراً محورياً في تثبيت السلطة خلال السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية.
تشير تقارير إلى أن حجازي عمل في وزارة الاستخبارات الإيرانية، إحدى أهم مؤسسات الأمن في البلاد، حيث تولى مواقع قيادية قبل انتقاله لاحقاً إلى مكتب المرشد الأعلى.
الطريق إلى الدائرة الأقرب للمرشد
في عام 1989، توفي آية الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية، وتولّى علي خامنئي (1939-2026) منصب المرشد الأعلى. كان ذلك الحدث لحظة مفصلية في تاريخ النظام الإيراني، إذ تطلّب انتقال السلطة إعادة تنظيم مراكز القوة داخل الدولة.
في تلك المرحلة، برزت أهمية مكتب المرشد الأعلى بوصفه مؤسسةً مركزية داخل النظام السياسي الإيراني؛ فالمكتب لا يقتصر على كونه جهازاً إدارياً، بل يعمل كحلقة وصل بين المرشد ومختلف مؤسسات الدولة، من الحكومة إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية.
داخل هذا المكتب، صعد علي أصغر حجازي تدريجياً ليصبح أحد أبرز المسؤولين فيه، فقد شغل منصب نائب رئيس المكتب والمسؤول عن الشؤون السياسية والأمنية، ما جعله قريباً من مركز القرار في الجمهورية الإسلامية.
مكتب المرشد… مركز السلطة الحقيقي
لفهم أهمية موقع حجازي، لا بد من النظر إلى طبيعة النظام السياسي في إيران؛ فالجمهورية الإسلامية ليست دولة تقوم فقط على المؤسسات الحكومية التقليدية مثل الحكومة والبرلمان، بل هي منظومة معقدة من الهيئات السياسية والدينية والعسكرية.
إلى جانب الحكومة المنتخبة، توجد مؤسسات نافذة مثل الحرس الثوري الإيراني، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومكتب المرشد الأعلى.
يعدّ مكتب المرشد الأعلى من أهم هذه المؤسسات، لأنه يشرف على تنسيق العلاقة بين القيادة العليا وهذه الأجهزة المختلفة، ومن خلاله تمرّ تقارير الأمن القومي، والتقييمات الاستخباراتية، والقرارات المتعلقة بالسياسة الإقليمية والعسكرية.
رجال الظل في النظام الإيراني
في الأنظمة السياسية التي تتمركز فيها السلطة حول قيادة عليا، تظهر عادة طبقة من المسؤولين الذين يعملون بعيداً عن الأضواء. هؤلاء لا يشغلون دائماً مناصب حكومية ظاهرة، لكنهم يمتلكون نفوذاً كبيراً داخل النظام.
هؤلاء المسؤولون غالباً ما يكونون مستشارين للقيادة العليا، أو ضباطاً في الأجهزة الأمنية، أو مسؤولين في مكاتب القيادة السياسية، أو وسطاء بين المؤسسات العسكرية والسياسية، وكان علي أصغر حجازي واحداً من هذه الشخصيات التي تعمل في خلفية المشهد السياسي الإيراني.
تشير تقارير إلى أن علي أصغر حجازي كان مسؤولاً عن متابعة ملفات سياسية وأمنية داخل مكتب المرشد، ما جعله حلقة وصل بين خامنئي وعدد من الأجهزة الأمنية في البلاد، إذ كان مشاركاً في مناقشة القرارات الأمنية الحساسة داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالمرشد الأعلى.
علاقته بالحرس الثوري
إلى جانب وزارة الاستخبارات، يعد الحرس الثوري الإيراني أحد أهم مراكز القوة في النظام. تأسس الحرس الثوري بعد الثورة الإسلامية ليكون قوة موازية للجيش النظامي، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى مؤسسة واسعة النفوذ تمتد أنشطتها إلى مجالات السياسة والاقتصاد والأمن الإقليمي.
لم يكن علي أصغر حجازي وجهاً سياسياً معروفاً، لكنه كان من أولئك الذين تُصاغ بالقرب منهم القرارات الكبرى في النظام الإيراني
كان مكتب المرشد الأعلى يعمل كجسر بين القيادة العليا والحرس الثوري، وهو ما جعل المسؤولين في هذا المكتب، مثل حجازي، على اتصال دائم بالقيادات العسكرية والأمنية. هذا الدور منح حجازي موقعاً حساساً داخل بنية السلطة الإيرانية، لأنه كان جزءاً من شبكة التنسيق بين المرشد والمؤسسات الأمنية.
دوره في احتجاجات 2009
ظهر اسم حجازي بشكل أوضح في التقارير الدولية بعد الاحتجاجات التي اندلعت في إيران عقب الانتخابات الرئاسية عام 2009. تلك الاحتجاجات، التي عُرفت باسم الحركة الخضراء، كانت من أكبر التحديات السياسية التي واجهتها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها.
تتحدث تقارير حقوقية إلى أن حجازي كان من المسؤولين الذين شاركوا في تنسيق الإجراءات الأمنية للتعامل مع تلك الاحتجاجات عبر نقل توجيهات القيادة إلى الأجهزة الأمنية المختلفة، وفُرضت عليها عقوبات لهذا السبب.
العقوبات الدولية
بعد أحداث 2009، بدأت بعض الحكومات الغربية في فرض عقوبات على مسؤولين إيرانيين متهمين بالمشاركة في قمع الاحتجاجات. في نيسان/ أبريل 2012 فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على علي أصغر مير حجازي شملت تجميد أصوله ومنعه من السفر إلى دول الاتحاد. كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عام 2013 عقوبات عليه بسبب دوره في دعم الإجراءات الأمنية التي أعقبت الاحتجاجات.
هذه العقوبات جعلت اسمه يظهر في تقارير عديدة تتناول الشخصيات المؤثرة داخل أجهزة الأمن الإيرانية.
رجل من قلب الدائرة الضيقة للسلطة
تكشف سيرة علي أصغر حجازي جانباً مهماً من طبيعة السلطة في إيران حيث القوة في النظام لا تقتصر على المناصب الحكومية الظاهرة، بل تمتد إلى شبكة من المسؤولين الذين يعملون داخل مؤسسات الأمن والقيادة العليا.
وفي هذه الشبكة، كان حجازي واحداً من رجال الظل الذين أمضوا عقوداً في العمل داخل مؤسسات الدولة بعيداً عن الإعلام. لكن الحرب، التي غالباً ما تكشف ما هو مخفي، أعادت اسمه فجأة إلى الواجهة، لتذكّر بأن كثيراً من الشخصيات الأكثر تأثيراً في السياسة الإيرانية قد لا تُعرف إلا عندما تختفي.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
