مَن مِن السوريين من مواليد سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، لا يتذكّر أغنية الشاعر سليمان العيسى: "للبعث يا طلائع للنصر يا طلائع... أقدامنا حقول طريقنا مصانع... ولتلمع الرايات..."؟
كنّا صغاراً نقف تحت حبّات المطر، أو الشمس الحارقة، ونحن نغنّي للأب القائد الذي كنّا نظنّ أنه لن يموت.
سقط الأسد، لكن المشهد يعيد نفسه بطريقة أكثر "راديكاليةً".
انتهت نسخة استثنائية أمس الأوّل الإثنين 16 شباط/ فبراير 2026، من معرض الكتاب الدولي، بعيداً عن المكتبة الوطنية، المكان الأكثر حميميةً لهذا الحدث. لكن في مدينة المعارض، وفي إحدى زوايا المعرض، يقف مئات الأطفال والشبّان في طوابير؛ ينتظمون لاستلام كتب دينية توزَّع مجاناً، لعالِمَين إسلاميَّين شهيرَين هما ابن تيمية وابن القيّم، رافعين السبابة مع تكبيرات تملأ المكان.
في عهد الأسدَين، اعتاد السوريون مشهد أطفالهم وهم يصطفّون في طوابير مرتدين "الكاكي" الذي قيل آنذاك إنّ زوجة الأسد الثاني، أسماء، غيّرت لونه إلى الأزرق الفاقع ربما كبادرة حسن نية نحو الإسرائيليين، معلنةً نهاية عصر العسكريتارية والكفاح المسلّح، علّ هؤلاء الأطفال ينسون فلسطين. تمّ تلقينهم على مدى سنوات الدراسة "المنطلقات النظرية" لحزب البعث العربي الاشتراكي، في سلسلة توزَّع مجاناً لم يخلُ بيت في قريتنا الصغيرة في درعا من نسخة منها، ولو عن غير قصد. لم نعِ ما في داخلها، كما لم يفهم أطفال معرض الكتاب ما بين دفّتَي فتاوى ابن تيمية.
مشهد يتكرر في الشكل، لكنه يختلف بمضمونه الجوهري، ليختزل السؤال المصيري: ما حال السوريين بعد سقوط نظام البعث في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024؟ وما هي وجهتهم بعد وصول هيئة تحرير الشام إلى سدّة الحكم في دمشق؟ وهل نحن اليوم أمام عملية لاستبدال الأيديولوجيا فقط، من قومية عربية اشتراكية، إلى مشروع آخر لأسلمة المجتمع السوري يؤسس لخطاب يقوم على تراث ديني يرتبط بشكل وثيق بالعالِم الدمشقي ابن تيمية، وما له وما عليه؟
من تلقين البعثيين إلى التعبئة الدينية
لعقود طويلة، بقيت منظّمتا "طلائع البعث" و"شبيبة الثورة" الآليتَين الأهم اللتين استخدمهما نظام الأسد الأب، في محاولة ناجحة منه لتدجين طفولة السوريين كما يحلو لبعض المحللين تسميتها.
الفرق الجوهري بين تجربة "طلائع البعث" وتجربة "توزيع كتب ابن تيمية" مجاناً في معرض الكتاب، يَظهر في طبيعة العلاقة مع الدولة؛ فالبعث جنّد الأطفال والشباب بشكل إجباري يفرض على الجميع الانتماء الحزبي، بينما يصطحب الأهالي اليوم أطفالهم لاستلام تلك الكتب دون إجبار
من الصفّ الابتدائي الأوّل وحتى الجامعة، كان الأطفال السوريون يمرّون ضمن منظومة متكاملة لغرس الولاء المطلق للقائد والحزب، يرددون شعار "وحدة، حرية، اشتراكية"، دون أي وعي بمضامينه، تجمعهم مدارس في صفوف منتظمة باردة تفتقد أي حسّ معماري مبتكر، وتحمل كتبهم ودفاترهم صورة الأب القائد حافظ الأسد، وبعده بشار، ويردّدون أيضاً في كل صباح ومناسبة وطنية "للبعث يا طلائع"، تمجيداً لمبادئ الاشتراكية والكفاح المسلّح ضدّ "العدوّ" التاريخي؛ إسرائيل.
سقط النظام، واليوم يعود الأطفال ليصطفّوا من جديد، فتختلف الصورة وهم اليوم في معرض الكتاب، لا في معسكرات الطلائع، لاستلام كتب دينية، لا كتب تحمل شعارات حزبيةً.
المشهد يبدو أكثر حريةً من دون إكراه، وبموافقة أهالي هؤلاء الأطفال.
هل نحن أمام شكل جديد من أشكال الديمقراطية والتعددية؟ أو نحن أمام شكل جديد من أشكال الديمقراطية؟ أو نحن أمام استبدال لمنظومة التلقين القديمة بأخرى جديدة لكن ذات مرجعية سلفية؟
فتاوى ابن تيمية تجاوزها الزمن
اختيار تلك الكتب بعينها يثير قلقاً ضمن هذا السياق الديني.
فابن تيمية عالم دمشقي كبير، له مكانة خاصة لدى تيارات إصلاحية، وأخرى سلفية. لكن ما يفرق اليوم هي خطورة هذه الفتاوى تجاه طوائف أخرى، ولا سيّما فتاواه الشهيرة تجاه العلويين والدروز، ضمن الاستقطاب الذي يعيشه السوريون منذ سقوط الأسد.
فعندما سُئل ابن تيمية في أحد كتبه عن الدروز والنصيريين، وما حكمهم؟ أجاب: "الدرزية والنصيرية، كفّارٌ باتفاق المسلمين، تُسبى نساؤهم، وتؤخذ أموالهم، ولا تُقبل توبتهم، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم".
حمل هذا الخطاب لابن تيمية، بين ثناياه، تشدّداً وُلد من قرون يحاول اليوم الظهور في نقاشات السوريين، على السوشال ميديا، ليتصاعد خطاب الكراهية ضدّ الطوائف الأخرى، برغم أنّ ذلك الخطاب وُجد آنذاك ضمن سياق تاريخي له خصوصيته.
لا تخفي حكومة الشرع خطواتها التي تشير إلى أسلمة المجتمع السوري. فالإعلان الدستوري اتّخذ من الفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع، الأمر الذي يثير مخاوف المسيحيين، وكذلك العلويين والإسماعيليين، الذين يشكّلون نسيج سوريا المتنوّعة.
بالطبع كان القلق أكثر حضوراً بعد الانتهاكات التي ارتكبتها قوى تابعة لدمشق، ضدّ الأقلية العلوية في الساحل السوري في نيسان/ أبريل 2025، والتي تكررت في السويداء، في تموز/ يوليو الماضي، وخلّفت وراءها المئات من الضحايا من الدروز والأمن العام السوري. لكن غياب الشفافية عن تلك الأحداث الدامية، والاعتقالات التعسفية بحقّ بعض الصحافيين والناشطين، بقيت سيدة الموقف دون أي اعتراف من السلطة بمسؤوليتها عن تلك الانتهاكات.
في المقابل، لن نغفل تعامل الأمن السوري مع مظاهرات لعلويين، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لتتغيّر نظرة كثيرين تجاه الحكومة السورية الانتقالية.
بين أيديولوجيتين
الفرق الجوهري بين تجربة "طلائع البعث" وتجربة "توزيع كتب ابن تيمية" مجاناً في معرض الكتاب، يَظهر بشكل واضح في طبيعة العلاقة مع الدولة؛ فالبعث جنّد الأطفال والشباب بشكل إجباري يفرض على الجميع الانتماء الحزبي، لكن المشهد اليوم يبدو أكثر تحضّراً ومدنيةً، لأنّ الأهالي اليوم يصطحبون أطفالهم لاستلام تلك الكتب في معرض الكتاب دون إجبار.
في العهدَين السابق والحالي، يَظهر قالب تنظيمي واحد يحاول تشكيل عقل الطفل السوري في إطار أحادي يرفض أي شكل من التعددية، ويسهّل على السلطة الجديدة ابتعادها عن أسس الديمقراطية... كيف؟
الخطر الأكبر يكمن هنا، في التحول الذي يشهده المجتمع السوري، بحدّ ذاته، لا الدولة فحسب.
انتشار ثقافة دينية متشدّدة بين السوريين، بدعم خارجي وآخر خليجي، ربما يؤسس لبيئة مجتمعية تُنتج تمييزاً طائفياً، بشكل ذاتي، لتكريس تهميش الآخرين من دون وجود دولة القمع "البعثي".
في كلتا الحالتين، يَظهر قالب تنظيمي واحد يحاول تشكيل عقل الطفل السوري في إطار أحادي، قومياً كان أو دينياً، يرفض أي شكل من التعددية، ويسهّل على السلطة الجديدة ابتعادها عن أسس الديمقراطية.
إلى أين؟
سوريا اليوم على مفترق طرق، فبعد أن صار إسقاط نظام الأسد وراء السوريين، تبدو طبيعة النظام الجديد في دمشق هي الشاغل اليوم.
هل ستذهب سوريا إلى دولة مركزية قوية ومتنوعة المكونات، أو إلى كيان طائفي يغفل الآخرين ويستبعدهم بحجة الدين؟
لا يستحق أطفال سوريا أن يكونوا أداةً طيّعةً ضمن مشروع أيديولوجي، بعثياً كان أو دينياً.
هم مواطنون سوريون أحرار في وطن كبير يتّسع للجميع.
لكنّ الإنذار الأكبر الذي تحمله هذه الصورة البصرية لأطفال معرض دمشق يتجلّى في السؤال التالي: هل بدأ تحوّل سوريا التي تملك كلّ ذلك الإرث الحضاري الممتد منذ أكثر من ستة آلاف سنة، من أسلمة الدولة إلى أسلمة المجتمع؟
لنتتظر ونرَ...
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
