من يحكم الساحل السوري... الدولة أم الخوف؟

من يحكم الساحل السوري... الدولة أم الخوف؟

رأي نحن والحرية

الجمعة 23 يناير 202619 دقيقة للقراءة

"حين يسقط الجلاد ويبقى السوط، لا يكون السقوط قد اكتمل".

في أحد أحياء اللاذقية، يجلس رجل في الخمسين من عمره أمام منزله المهدّم جزئياً يتحدث بصوت خفيض عن الفصل الجماعي من عمله وعن صديقه الذي اختفى بعد أن خرج من المنزل بلا سبب واضح يقول: "لم نعد نعرف من يمكنه الخروج بأمان، أو من يستطيع الاحتفاظ بوظيفته، لقد أصبح الخوف جزءاً من حياتنا".

هذا المشهد الصغير يفتح نافذة على ما يحدث في الساحل السوري، فبعد سقوط النظام المركزي لم يُنهِ السقوط العنف بل غيّر شكله وحوّل الخوف من شعور عابر إلى قوة تحكم كل تفاصيل الحياة اليومية. في طرطوس وبانياس وجبلة، لم يعد السؤال عن الدستور أو الانتخابات، بل عن من يعيش؟ من يستطيع العمل؟ ومن سيظل آمناً؟ هذا الخوف أصبح قوة منظمة تتغلغل في العلاقات الاجتماعية، تحدد التصرفات وتعيد رسم خطوط السلطة حتى بعد زوال النظام القديم.

موجة العنف المتحوّل من قوةٍ مركزية إلى تهديدٍ يومي

ما جرى في الساحل لا يقرأ فقط كمجموعة حوادث أمنية أو مواجهات مسلحة عابرة؛ بل هو عمل منهجي لفكِّ خيوط الأمان في نسيج المجتمع. بعد سقوط السلطة المركزية اهتزّت البنى التي اعتاد الناس أن يلجأوا إليها من مؤسسات، قواعد عرفية، ووعود بحماية أقلها مبدئية فانقلبت الآليات لم تعد الرصاصة تُستخدم بالضرورة لإسقاط خصمٍ سياسِي، بل لتسجيل غياب، لتحديد من ينتمي ومن يُستبعد، ولتثبيت حدود جديدة للوجود المقبول داخل المدينة أو الحي.

الآثار مادية ونفسية في آنٍ واحد. أحياءٌ كاملة تحوّلت إلى أغانٍ صامتة؛ الأسواق التي اعتادت الحركة اليومية أصبحت خالية في أوقات الذروة، أبواب البيوت تُغلق مبكّراً، والأطفال يتعلّمون بسرعة أنّ الصمت وسيلة نجاة. الناجون يروون عن جيران اختفوا بلا تبرير، بطرق جديدة للكلام من دون أن تُفسَّر الكلمات كسلوك عدائي؛ عن بطاقات هوية تُخفي أو تُعرض كدليل إدانة. هكذا يصبح التكيّف مع الخوف عادة منظَّمة؛ تغيير في الكلام، في طرق اللبس، حتى في نزاعات مواقع التواصل الاجتماعي، يوضع كل شيء في ميزان حساب الخطر.

لا ينبغي أن ننظر إلى موجات العنف الساحلية بأنها حوادث مؤقتة قابلة للنسيان! إنها عملية إعادة تعريف للوجود الاجتماعي، تغيّر طرق التعايش والاقتصاد والذاكرة. وإدراك هذه الحقيقة هو ما يفرض نوعاً مختلفاً من الاستجابة ليس فقط مواجهة الفاعلين المسلحين

أما آليات هذا التحوّل فهي مزيج من العنف المباشر والسياسات غير المباشرة؛ قرارات فصل جماعي تُحوّل العمل إلى معيار للاشتباه، ميليشيات محلية تفرض قواعدها على الأحياء، ومخاوف من الوِشاية تحوّل الجار إلى مراقب محتمل. هذه الأدوات لا تحتاج إلى إعلان؛ يكفي إشاعة حالة من عدم اليقين تعمل كسوط غير مرئي.

لا يقتصر الأمر على التهديد الجسدي فقط، إنما هو هزّ لشرعية الحياة اليومية، لكلمة قد تمثل موقفاً، ولوظيفة تمثل ولاءً، ولذكريات تمثل مخاطر.

هذا ليس انفلاتاً أمنياً عشوائياً ولا فوضى ما بعد سقوط نظام، بل هو إعادة توزيعٍ محسوبة للعنف، تدار على أساس الهوية والاشتباه، وتُستخدم لترسيم حدود جديدة لمن يحق له العيش بأمان، ومن يُدفع إلى الهامش أو الاختفاء.

العواقب أبعد من الخوف اللحظي، عندما يتحوّل الصمت إلى استجابة متكررة، يُفقد المجتمع شيئاً أساسياً وهو القدرة على التبادل الأخلاقي والسياسي، وعلى بناء تضامن مدني يتجاوز الخوف الفردي مما يؤدي إلى عزلة جماعية، إذ ينكمش كلّ فرد على شبكته الضيقة من الأمان، وتضمحل المبادرات المشتركة فيكبر الفراغ الذي تملأه تأويلات العنف والانتقام.

كذلك يترك هذا المشهد أثراً على الأجيال من أطفال يكبرون على قواعد سلوكية مبنية على الحذر والتحيّل، لا على الثقة المتبادلة.

لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى موجات العنف الساحلية بأنها حوادث مؤقتة قابلة للنسيان! إنها عملية إعادة تعريف للوجود الاجتماعي، تغيّر طرق التعايش والاقتصاد والذاكرة. وإدراك هذه الحقيقة هو ما يفرض نوعاً مختلفاً من الاستجابة ليس فقط مواجهة الفاعلين المسلحين، بل استعادة قواعد الحياة اليومية؛ حماية الوظائف والحقوق، آليات اتصال آمنة بين الجيران، وبرامج نفسية واجتماعية تعيد بناء الثقة المفقودة. بدون هذه المعالجات سيبقى الخوف أكثر من شعور سيصبح البنية التي تُدار بها الحياة في الساحل.

الخوف كسلطة بين الانقسام الاجتماعي والاقتصادي

حين تنهار السلطة المركزية يتغيّر ما هو أكثر من قواعد السياسة؛ يتغيّر منطق الحياة اليومية؛ الخوف هنا لا يبقى شعوراً عابراً ينتاب الناس عند سماع خبرٍ سيئ، بل يتحوّل إلى نظامٍ يصوغ من يُسمح له بالوجود الاجتماعي الكامل ومن يُحتفظ له بالبقاء على هامش الحياة.

أولى آليات هذا التحوّل مصدرها الفرز الإداري، قرارات فصل جماعي أو استبعاد من مواقع العمل تُتّخذ بلا شفافية وبصيغٍ تبدو وكأنها تستبدل المعايير المهنية بمعايير الانتماء أو الشبهة. عندما تتحوّل الوظيفة من مصدر معاش إلى علامة انتماء، يصبح المال نفسه أداة تصنيف، الراتب ليس فقط مورد بل شهادة قبول أو إدانة. من يفقد العمل يفقد معه قدرة المشاركة في الشبكات الاجتماعية الأساسية من جمعيات الحي إلى أجور المدارس والقدرة على دفع الإيجار فيدخل تدريجياً إلى مجموعةٍ مُعزولة يقودها الفقر والخوف لأنه حين تُستخدم الوظيفة كسلاح نحن لا نكون أمام خلل إداري إنّما أمام عقاب جماعي مقنّع يُمارَس خارج أي مساءلة، ويُعاد فيه إنتاج منطق الإقصاء الذي ثار الناس عليه أصلاً.

الخطير في العنف الذي يضرب الساحل ليسَ أرقام القتلى أو موجات التهجير بقدر ما هو الطريقة التي يعيد بها تشكيل كلّ ما بين البشر؛ الثقة، الجوار، اللغة، حتى الذكريات المشتركة.

ثانياً، هناك آلية السوق الاجتماعي؛ التجار وأصحاب المحال وحاملو العقود يبدأون بتعديل تعاملهم وفق حسابات مخاطر مبنية على الولاءات أو الشبهات. قد يمتنع صاحب عمل عن توظيف أحدهم ليس لضعفٍ في الكفاءة بل خشية أن يجلب معه اشتباكاً أو اتهاماً. في هذه الحالة الاقتصاد يُشارك في تقنين الإقصاء فيصبح السوق أداة تنفيذية للوصم، مما يعرّض العائلات إلى فقدان دخل طويل المدى ويُعمّق الهوة بين المقبولين والمطرودين.

ثالثاً، تقوم آلية التحيّز الأمني حيث تتحول مجموعات محلية مسلحة أو حواجز أمنية غير خاضعة للمساءلة إلى مرجعية لحماية أو تهديد. الحماية هنا ليست عامة أو مصلحة عامة بل محمية تتبع قواعد ولاءات، من يملك غطاءً يُحمى ومن لا يملك يُترك عرضة. هذا يوجد سوقاً أمنية بديلة تقودها التبعية لا القانون وتتحول المؤسسات التي كان الناس يعتمدون عليها إلى ساحات مفاوضات على الولاء بدل الحماية.

رابعاً، ثقافة الوصم؛ تنتشر الأخبار عن اختفاء أو اغتيال شخص ما تُحوّل أسرته فوراً إلى مصدر خوف اجتماعي من دون تحقيقات شفافة. وتحفّز الشائعات عملية عزل سريعة، فجارك قد يتجنّبك، وصاحب المحل قد يرفض خدمتك، والمعلم قد يتجنب توظيف أحد أبنائك. بهذا الشكل يصبح الخوف آلية للضبط الاجتماعي لا حاجة لقوانين مكتوبة، يكفي أن يعرف الجميع أن هناك ثمناً للخروج عن الخطّ المفترض.

تلك الآليات مجتمعة تُنتج شقوقاً اجتماعية واقتصادية متداخلة؛ طبقة ممن يُعتبرون آمنين تستمر في العمل والتعليم والوصول إلى الخدمات، وطبقة أخرى تُدفع تدريجياً إلى هامشٍ اقتصادي و اجتماعي وربّما جغرافي. هذا الانقسام ليس مؤقتاً دائماً؛ فالفقر المزمن وفقدان الأمل في عدالة تُعيد الحقوق يخلقان جيلًا جديداً من المستبعدين وثقافة عزلة تجعل إعادة الدمج أصعب بكثير لاحقاً.

للنساء أثرٌ خاص في هذا السياق، فغالباً ما يتحمّلن ثقل فقدان الدخل والعنف المنزلي المتزايد ويتعرّضن لتمييز مزدوج بسبب جنسهن ووصمة العائلة مما يجعل معالجات العنف والدمج الاقتصادي بحاجة لصياغات حسّاسة ضد النوع الاجتماعي والأطفال هم الحلقة الأضعف، يكبرون على قواعد حماية مبنية على الصمت والخوف، ليست فقط على المواطنة المشتركة.

إدراك هذا التحوّل يتطلب إعادة تعريف الاستجابة لأن مواجهة الفاعلين المسلحين وحدها لا تكفي؛ إذ يجب استهداف آليات الانقسام نفسها؛ حماية الوظائف كمجال للكرامة، إعادة بناء شبكات التبادل الاجتماعي، وتأمين طرق للحوار المحلي تستعيد الثقة بين الجيران. على سبيل المثال "سياسات توظيف عامة مؤقتة، برامج نقدية طارئة للأسر المفصولة، آليات شكاوى محلية موثوق بها تتيح للناس الطعن في قرارات الفصل، ومبادرات إعادة إدماج نفسية تهدف لإعادة بناء الأواصر المجتمعية"، جميعها خطوات عملية تهاجم مساحة نفوذ الخوف كقوة منظمة.

أخيراً، لا بد من آلية إنصاف واضحة ليست شكلاً رمزياً من التحقيقات فحسب بل آليات عملية تمنع الإفلات من العقاب بشكل انتقائي. عندما يعلم الناس أنّ هناك قنوات فاعلة للمساءلة تعيد الحقوق وتضمن قراءة عادلة للوقائع، يقلّل ذلك من قدرة الخوف على أن يصبح نظاماً دائماً.

الخوف هنا ليس اختلالًا مؤقتاً يمكن تجاهله بعد هدنة قصيرة؛ إنه تجربة تحول بنيوية تغير قواعد العيش المشترك. وفهمه والتحرك ضده يتطلبان سياسات تمس الحياة اليومية والاقتصاد المحلي، لا فقط بيانات صحافية أو بيانات إدانة. هل نملك الإرادة لتحويل الخوف مرة أخرى إلى شعور عابر؟ أم سنتركه يستقرّ كقانون جديد يسوس الناس يومياً؟

أثر العنف على النسيج الاجتماعي

الخطير في العنف الذي يضرب الساحل ليسَ أرقام القتلى أو موجات التهجير بقدر ما هو الطريقة التي يعيد بها تشكيل كلّ ما بين البشر؛ الثقة، الجوار، اللغة، حتى الذكريات المشتركة. عندما تصبح الشهادة عن جارك أو زميلك وسيلة ممكنة للاختطاف أو الاغتيال، تتقلّص دائرة الاتصال الاجتماعي إلى ما يشبه الفقاعة؛ كل واحدٍ يحيط نفسه بحاجز من الحذر. ليس خوفاً لحظياً فحسب بل عادة معيشية تُدرّجها الأجيال لاحقاً كقواعد سلوكية.

فالثقة التي تحتاج إلى سنوات طويلة لتتشكل يمكن أن تنهار في أيام!! الناس يتوقفون عن دعوة بعضهم إلى المنازل، عن مشاركة الأخبار أو الحكايات، وحتى عن تبادل البضائع والخدمات البسيطة. الجار الذي كان يبادل الفائض من الخبز يصبح غريباً محتمل الخطورة. هذا الانكماش يضعف مؤسسات المجتمع الصغرى كالأندية، الجمعيات الخيرية المحلية، أسواق الحي ويجعل من أي مبادرة جماعية معرضة للفشل لأنّ القاعدة الأولية لصياغتها الثقة المتبادلة غائبة.

استعادة النسيج الاجتماعي تتطلب علاجاً مزدوجاً، إجراءات أمنية وقضائية لوقف العنف ومساءلة الفاعلين، وبرامج اجتماعية ميدانية لإعادة بناء الثقة، مبادرات مصغّرة كملتقيات الأحياء الآمنة، لجان وساطة محلية، دعم نقدي مباشر للأسر المفصولة، وبرامج نفسية تستهدف الأطفال والنساء أولًا

أمّا الأطفال وحكايتهم مع العنف تبدأ مبكراً حيث يتعلّمون أن الصمت حماية، وأن الأسئلة قد تحمل عواقب. يتكوّن لديهم نموذج للعلاقات الاجتماعية قائم على الحذر والشك، لا على الفضول أو التعاون. هذا يترك أثراً مزدوجاً: فقدان الطفولة نفسها، وتكوين جيل يكبر وهو يجهل آليات التعبير المدني والبحث عن العدالة بطرق سلمية.

النساء يدفعن ثمناً مضاعفاً؛ إذ ينهار دعم الأسرة الاقتصادي فتتزايد حالات العنف المنزلي وتُحمَّل النساء عبء قيادة بقاء العائلة مع موارد أقلّ وشبكات تضامن أضعف. كما أن وصمة الأسرة المشبوهة تصيب النساء بامتياز، فتجد بعضهن مُبعدات عن فرص العمل أو الدعم المجتمعي.

ثقافة الشائعات تزدهر في هذه الفراغات، فأي خبرٍ عن حادث يُنشر شفهياً أو عبر رسائل قصيرة ويتحوّل بسرعة إلى حكمة محلية تُبرّر ردود فعل انتقامية. تحوّل الشائعة إلى قانون بديل يسنّ قواعد السلوك في غياب مؤسسات قادرة على تفسير أو تحقيق الأحداث فحين تُستبدل الحقيقة بالشائعة، لا ينهار القانون فقط بل تُقتل فكرة البراءة نفسها ويُصبح كل فرد مشروع متهم إلى أن يثبت العكس، إن أُتيح له ذلك؟!

والنتيجة ليست فقط عزلة نفسية، بل اقتصادٌ متهالك؛ الشبكات التجارية تتفكك، التبادل يقلّ، والاستثمار يتراجع لأنّ المخاطر الاجتماعية تُترجم إلى مخاطر مالية. وفي غياب فرص بديلة يصبح الاستغلال الاقتصادي والسياسي أكثر سهولة؛ من يعاني الفقر ينحاز إلى دوائر ولاء أو إلى اقتصاد الظل المتصل بالفصائل المسلحة.

لذا استعادة النسيج الاجتماعي تتطلب علاجاً مزدوجاً، إجراءات أمنية وقضائية لوقف العنف ومساءلة الفاعلين، وبرامج اجتماعية ميدانية لإعادة بناء الثقة، مبادرات مصغّرة كملتقيات الأحياء الآمنة، لجان وساطة محلية، دعم نقدي مباشر للأسر المفصولة، وبرامج نفسية تستهدف الأطفال والنساء أولًا. بدون هذه المعالجات المرتكزة على الحياة اليومية، ستبقى محاولات العودة إلى الطبيعي سطحية، وسيستمر المجتمع في إدارة علاقاته بموجب منطق الخوف لا بموجب قانون أو تضامن.

التجربة السورية في سياق عالمي

لو أردنا التمعن في التاريخ، فما يحدث في الساحل السوري لا ينفصل عن نمط متكرر في مراحل ما بعد سقوط أنظمة قمعية؛ حين ينهار جهاز قسري مركزي من دون استبداله بهياكل قادرة على الضبط القانوني والعدالة، يملأ الفراغ بمنطق آخر ليس بالضرورة سياسياً مرئياً، بل أحياناً اقتصاداً أمنياً واجتماعياً جديداً يحكم الناس يومياً. دروس من العراق وليبيا والسودان توضح هذا النمط وتعرض ما قد ينفع كخطة إنقاذ.

أولاً، تجربة العراق بعد 2003 تُظهر كيف يمكن لفراغ السلطة أن يتحوّل سريعاً إلى صراعات طائفية وشرائح انتقامية تُدير الأمن أو انعدامَه بحسب الولاءات. انهيار جهاز الدولة لم يقضِ على منطق السيطرة بل أعاد تشكيله على أسس طائفية ومحلية، مع تأثير عميق على حياة الناس اليومية وعلى بنى الثقة المجتمعية. هذه النتيجة مفهومة جيداً في تحليلات جماعات المراقبة التي رصدت انفلاتًا في بنية المجتمع والسلطة بعد 2003.

النساء يدفعن ثمناً مضاعفاً؛ إذ ينهار دعم الأسرة الاقتصادي فتتزايد حالات العنف المنزلي وتُحمَّل النساء عبء قيادة بقاء العائلة مع موارد أقلّ وشبكات تضامن أضعف.

ثانياً، ليبيا بعد 2011 تعطينا مثالاً صارخاً على كيف يُستغل فراغ السلطة الأمنية لصالح فصائل مسلحة تصبح بالفعل سلطة بديلة على الأرض؛ ميليشيات محلية وضعت قواعد للأمن، وفرضت سياسات اقتصادية واجتماعية على أساس القوة، مما بدّد فرصة انتقالٍ سلمي من الثورة إلى حكم مدني منظم. هذا الدرس يذكّر أن ضبط السلاح ودمج الفاعلين المسلحين في هياكل مدنية يجب أن يكونا أولوية منذ اللحظة الأولى لنجاح أي انتقال.

ثالثًا، حالة السودان منذ 2023 تُظهر كيف أن انهيار مؤسسات الدولة، وبخاصة مؤسسات الحماية والخدمات الأساسية، يحوّل الخوف إلى أداة ضبط اجتماعي يومية. الصراعات بين عناصر عسكرية متنافسة وغياب آليات حماية فاعلة جعل المواطن العادي يعتمد على ولاءات محلية أو جهوية للبقاء، مما عمّق الانقسام الاجتماعي وأجهضت فرص التماسك المدني. تقارير الأمم المتحدة ومنظمات المعونة تبيّن عمق التدهور ونتائجه على المدنيين.

من هذه التجارب يتبلور درس مركزي؛ الانتقال السياسي الفاعل لا يقتصر على إزاحة نظام مستبد، بل يتطلب مقاربات أمنية وقضائية واجتماعية متزامنة. خبرة منظمات الخبرة في الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية تؤكد أن إجراءات مثل إصلاح قطاع الأمن (Security Sector Reform) وعمليات نزع السلاح والدمج وإعادة الإدماج (DDR) وبرامج العدالة الانتقالية ليست رفاهية أكاديمية، بل عناصر عملية لاحتواء التفكك. أمثلة ناجحة وأخرى فاشلة تُبيّن أن البدء المبكر بآليات ملموسة بما في ذلك آليات محلية للمصالحة وبرامج اقتصادية مؤقتة لامتصاص الصدمات يقلّل من فرص تحول الخوف إلى نظام حكم دائم.

وبعبارة أوضح، إذا لم يرافق أي انتقال إجراءات فورية لحماية المدنيين وإصلاح أجهزة إنفاذ القانون لتكون محايدة ومساءلة، وبرامج اقتصادية تحفظ للبعض القدرة على العيش الكريم، فسيبقى ميزان القوة الميدانية لا القانون هو الفيصل في توزيع الأمن والحقوق. وهذا ما يفسّر لماذا تتحول مناطق مثل الساحل إلى مختبرات لنسخ جديدة من السلطة القائمة على الخوف؛ ليس لأنّ العنف أصبح أكثر شراسة فحسب بل لأن آليات الاحتواء والعدالة التي تمنع تحويل العنف إلى نمط يومي غائبة أو متعثرة.

ما الذي يمكن استعارته كخلاصة عملية؟

البدء الفوري بآليات حماية مدنية محلية مدعومة بمرجعية قضائية مستقلة، شمولية إصلاح قطاع الأمن وإجراءات واضحة لضمّ أو تفكيك المجموعات المسلحة، لا سياسات إقصائية تفاقم الولاءات، برامج اقتصادية واجتماعية طارئة لإبقاء الناس داخل الاقتصاد الرسمي ومنع استغلال الفقر لإعادة تعبئة الولاءات المسلحة.

هذه الدروس لا تقدم وصفة جاهزة تنطبق حرفياً على كل حالة، لكنها تحدد مسارات عملية وضرورية، حماية الحياة اليومية، استعادة سلطة القانون، ومعالجة الأضرار الاجتماعية والاقتصادية بسرعة. وإلا فسيبقى الخوف هو السلطة الحقيقية ليس بالمعنى الرمزي فحسب، بل بوصفه نظامًا مادياً لإدارة الناس والموارد.

عندما نحاول قراءة ما يجري في الساحل السوري، لا تكفي الوقائع وحدها؛ نحتاج إلى أصوات تحلل السياق وتتنبّه إلى الآليات الخفية التي تحوّل العنف إلى نظام حكم واقعي. هنا ثلاثة اتجاهات تحليلية بارزة تساعدنا في تفكيك الحدث مع نقد بنّاء لكل منها.

أولًا، التحذير من إعادة إنتاج منطق السلطة بعد السقوط. المحلل روبن ياسين قِسّاب وغيره من المراقبين يشيرون إلى أن سقوط النظام لا يلغِي منطق السيطرة بل يترك مجالاً لأطرافٍ جديدين، أحيانًا أكثر تشظياً وغموضاً لإعادة إنتاج نفس آليات القهر بوجوه مختلفة. هذا التفسير يفسّر لماذا لا يكفي تغيير القمة السياسية وحده، فبدون آليات مساءلة فاعلة وبدون استعادة لشرعية القانون، تترسّخ أشكال جديدة من القهر الشعبي والمحدود. يمكن توظيف هذا الرأي في المقال كإطار مفاهيمي يفسّر كيف انتقل الخوف من أداة دولة إلى سُلطة اجتماعية؛ لكن ينبغي أن يُصاحَب بنقد عملي؛ ما الذي يعنيه إعادة الإنتاج على الأرض؟ أيّ فواعل بالضبط تعيد إنتاجه؟ وهذا يدعونا لربط الفكرة بأمثلة ميدانية (ميليشيات محلية، إقصاءات إدارية، شبكات تهديد) حتى لا يبقى الوصف مجرد عموم نظري.

ثانياً، قراءة الجغرافيا والطائفة كعامل ميسّر للعنف؛ المحلل فابريس بلانش يقدّم خرائط وتحليلات مكانية توضح أن العنف لم يكن عشوائياً بل ترافق مع خطوط سكانية وتراكمات تاريخية محددة على الساحل؛ هذا يساعد في فهم لماذا استهدِفت بعض الأحياء أكثر من غيرها، وكيف تُترجم الذاكرة السياسية المحلية إلى دوافع انتقامية أو دفاعية. استخدام خرائطه وتحليلاته يدعم فصلًا من المقال يبيّن البُعد المكاني للعنف، لكنه يحتاج أيضا إلى تأطير أخلاقي، التركيز على الطائفة قد يسهم في تأبيد تقسيمات لا تساعد على إعادة بناء مواطنة مشتركة، لذا يجب توظيف هذا التحليل كأداة لفهم الخطاب لا كفتيل لتبرير التعرُّض للمدنيين.

ثالثًا، منظور الأمن والميليشيات؛ محللون مثل ميخائيل نايتس يشدّدون على دور البدائل الأمنية، ميليشيات مسلحة، شبكات إقليمية، وتجار سلاح في ملء الفراغ، مما يحوّل المجال المدني إلى ميدان تفاوض على الحماية مقابل الولاء. هذا يجعل من ضبط السلاح ودمج المقاتلين في هياكل مدنية أولوية عملية في أي برنامج انتقالي. نقد هذا الطرح يوجّهنا إلى ضرورة عدم اختزال الحل بإجراءات عسكرية بحتة (تفكيك أو مواجهة مسلحة) بل ببرامج متكاملة تشمل تحفيزات اقتصادية ومسارات قانونية للفارين من الانخراط العنيف.

إلى جانب هذه الاتجاهات التحليلية، تؤكد منظمات حقوقية كمنظمة العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش" أن المشهد الآن ليس مجرد تداعٍ أمني بل قد يصل إلى مستوى جرائم تستدعي مساءلة دولية أو تحقيقات مستقلة، بخاصة حين تُستهدف مجموعات على أساس هويتها. هذا القول يضيف بعداً إنسانياً وقانونياً لتحليلات المحللين ويقوّي الحجة بأنّ حماية المدنيين ومساءلة الفاعلين يجب أن تكونا أولوية لا تأجيل لها. لكن النقد هنا أنّ مطالبة التحقيقات الدولية وحدها لا تُعالج فراغ الأمن اليومي إذ يجب أن تسير عمليات المساءلة مع خطط حماية عاجلة وإعادة بناء الخدمات

الخطر في الساحل السوري يتجاوز مجرد استمرار العنف؛ إنه خطرُ اعتياد العنف. عندما تصبح القتل والفصل والتهجير جزءًا من السرد اليومي، يفقد المجتمع ردة فعله الأخلاقية والسياسية، لا غضب يترجم إلى مطالبة حقيقية، ولا ذاكرة تؤدي إلى تغيير. وهنا يكمن المأزق!! ليس فقط في العدد الذي نحصيه من ضحايا، بل في الطريقة التي يصفّي بها الخوف القدرة على المطالبة بالحقوق وإعادة بناء حياة مشتركة.

لذا فإنّ المواجهة ليست مجرد إقامة محاكم أو بيانات إدانة رمزية، بل تتطلب حزمة إجراءات متزامنة تراكمية، تجمع بين العدالة والحماية وإعادة البناء الاجتماعي والاقتصادي. على مستوى عاجل يجب أن تتوافر تحقيقات مستقلة وشفافة مع آليات لحماية الشهود وضمانات لعدم الإفلات من العقاب، ونشر آليات حماية مدنية محلية قادرة على حماية الفئات المعرّضة (الأقليات والنازحين والمفصولين من العمل). على مستوى وسيط تحتاج المنطقة إلى برامج إعادة إدماج اقتصادي ودعم نقدي طارئ، فرص عمل مؤقتة في الخدمات العامة، وإعطاء أولويات التوظيف للمناطق المتضررة وأطر قانونية تسمح للطعن في قرارات الفصل الإداري دون تعرّض المستأنف للخطر. وعلى مستوى مركزي وطويل الأمد، لا بدّ من إجراءات لإصلاح أجهزة الأمن والقضاء، وضبط فعلي للسلاح المحلي عبر برامج نزع السلاح والدمج والعدالة الانتقالية التي تعالج الجناة والضحايا بنفس الحزم.

وبدون هذه الخطوات المتكاملة سيستمر الخوف في أن يكون هو السلطة الفعلية على الأرض، نظام غير مكتوب يحكم السلوك والعلاقات والاقتصاد. إنّ استعادة الثقة ليست رفاهية نظرية بل إنها شرط عملي لعودة الناس إلى الشوارع والأسواق والمدارس، وإمكانية بناء عملية سياسية شرعية. السؤال الحقيقي إذاً ليس فقط عمّن سيحكم غداً، بل عمّا إذا كان المجتمع السوري سيجد طريقه لاستعادة كرامته المشتركة قبل أن يتحول الخوف إلى القاعدة التي ستُدرّسها الأجيال القادمة؟! كما أنّ أي انتقال سياسي لا يبدأ بحماية الناس من الخطف والفصل والقتل على الهوية، ليس انتقالاً بقدر ما هو إعادة تدويرٍ للعنف بلغة جديدة، وترك الخوف ليكون السيّد الوحيد بعد سقوط الجلاد.





رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image