"التنمر المدرسي"… لوائح التعليم تعجز عن مواجهة العنف الإلكتروني بمدارس مصرية

حياة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 3 مارس 20267 دقائق للقراءة

أُعد هذا التقرير بدعم من أريج.

حَبست آمنة علي، اسم مستعار، نفسها في غرفتها بعد أن فقدت شهيتها للطعام. كانت الفتاة البالغة من العمر خمسة عشر عاماً تتجنب التعامل مع الأشخاص من حولها. تقول آمنة: "مبحبش حد يشوف شكلي، كنت حاسة إنه شكلي وحش وما كنتش بحب أنزل الشارع".

تواجه آمنة التنمر بسبب "مشكلة" في الأسنان. تقول عن زميلاتها في المدرسة: "كانوا بيعملوا عليا ستيكر ويطلعوا يتنمروا عليا على واتساب". تدرس آمنة بإحدى مدارس العجوزة بمحافظة الجيزة.

لم يقف الأمر عند حدود التنمر؛ بل تعرضت آمنة للضرب من زميلاتها اللائي صوّرنها، وهدّدن بنشر "مقطع الضرب" على واتساب وفيسبوك، وفق قولها. تقول والدة الفتاة إنها راجعت المسؤولين في المدرسة؛ بسبب التنمر على ابنتها، فتعاملوا مع المشكلة بشكل آني، واستمرت حالة التنمر على ابنتها.

سلمى أحمد، اسم مستعار، طالبة بالصف الثالث الإعدادي بإحدى مدارس منطقة إمبابة بمحافظة الجيزة.

تقول إن زميلات لها أنشأن مجموعة على تطبيق واتساب، تحمل اسمها وقمن بإضافتها، ليجعلن لون بشرتها مادة للسخرية والتنمر: "بيقولوا يلا يا سمرة إنتي تيجي تتكلمي معانا بتاع إيه".

لجأت سلمى إلى العزلة بسبب تنمر زميلاتها في المدرسة.

تعرضت الفتاة لحادث تسبب بكسر في ساقها، لينهال عليها المزيد من عبارات التنمر والسخرية بسبب مشيتها. تقول سلمى: "كانوا بيقولوا لي كاتعة… وكان فيه ألفاظ شتايم".

"التنمر يُمارس من جانب الطلبة في المراحل العمرية كافة، ولكنهم قد يعدّونه نوعاً من المزاح في المراحل التي تسبق الصفوف الثانوية، ليصبح واضحاً وصريحاً في ما بعد"... لماذا يتصاعد التنمّر الرقمي من بوابة مدارس مصرية؟

لم يقتصر التنمر على الفضاء الرقمي بل انتقل إلى خارجه. تضيف سلمى: "بيروحوا يحكوا للي بره عشان يبانوا إنهم عملوا كذا، وسلمى ضعيفة قدامنا وبتعيط، مع إني ماكنتش برد عليهم ولا بدي اهتمام".

تكشف بلاغات خط نجدة الطفل 16000، التابع للمجلس القومي للطفولة في مصر، عن أن 70% من بلاغات التنمر تحدث في المدارس. تحتل محافظة الجيزة المرتبة الثالثة في بلاغات التنمر، وفق خط النجدة.

حفلات تنمر رقمية

توضح المعلمة هدى جلال، أن ما كان يسمى "هزاراً" في الماضي بين الطلبة؛ يُعدّ تنمراً حقيقياً، مشيرة إلى أنها لاحظت تزايد التنمر الإلكتروني بين الطلبة في العامين الماضيين (2024-2025). وتضيف: "الأولاد بيبعتوا فويسات (مقاطع صوتية) لبعض، ويتنمروا على واحد ويعملوا عليه حفلة بقى، فين؟ على واتساب".

يشمل التنمر الإلكتروني نشر الأكاذيب عن شخص ما، أو نشر صور محرجة له على وسائل التواصل الاجتماعي، وإرسال رسائل أو تهديدات مؤذية عبر منصات المراسلة.

يقول أحمد حسن، اسم مستعار، وهو مدير مدرسة في محافظة الجيزة، إنه تعامل مع 150 حالة تنمر إلكتروني خلال ستة أشهر؛ من بين نحو ثلاثة آلاف طالب وطالبة بالمدرسة.

ووفق حسن، فإن لائحة الانضباط الدراسي تُطبق على المتنمرين، كما أن هناك دوراً للاختصاصي الاجتماعي في تعديل سلوك الطلبة.

تضم لائحة الانضباط المدرسي أربعة مستويات من المخالفات التي قد يرتكبها الطلبة. يشمل المستوى الثالث من المخالفات (الخطيرة) التنمر بأشكاله، ومحاولة التشهير بالزملاء أو العاملين في المدرسة على وسائل التواصل الاجتماعي، والإساءة لهم، فضلاً عن حيازة ونشر وتداول صور العاملين والطلاب دون إذنهم. ومع ذلك يرى أحمد حسن، مدير مدرسة في محافظة الجيزة، أن هناك حالات تنمر صعبة، تستدعي إلحاق الطلبة المتسببين بها بالتعليم المنزلي، مشيراً إلى صعوبة تطبيق ذلك على المرحلة الابتدائية، وفق قوله.

تؤكد المعلمة هدى جلال، التي عملت في مجال التعليم لما يزيد على ثلاثة عقود، أن الاختصاصيين الاجتماعيين في المدارس لا يملكون الوقت الكافي لمعالجة الحالات الصعبة؛ إذ توكل إليهم مهام إدارية ومكتبية. وتضيف: "الحالات الصعبة بيبقى خلاص يعني بيشوفوا غيرها، لأن المدرسة مليانة تنمر، فهم ما عندهمش وقت بقى لكل يوم خمس ست حالات". وتشير إلى تعاملها مع حالات التنمر بطرق متعددة، خلال فترات عملها.

تقول الاختصاصية الاجتماعية بثينة إبراهيم، إنه يتم توجيه الاختصاصيات الاجتماعيات في المدارس بنشر التوعية بين الطلبة، وتنظيم لقاءات ومحاضرات لشرح خطورة التنمر. وأوضحت بثينة، التي كانت تعمل "موجهة أُولى" في مجال التربية الاجتماعية بوزارة التربية والتعليم، أن التنمر يُمارس من جانب الطلبة في المراحل العمرية كافة، ولكنهم قد يعدّونه نوعاً من المزاح في المراحل التي تسبق الصفوف الثانوية، ليصبح واضحاً وصريحاً في ما بعد. وتؤكد أن الطالب الذي يتعرض للتنمر قد يلجأ إلى الهروب من المدرسة.

فضاء واسع للتنمر

"مكنتش عايزة أروح المدرسة، وعايزة أقعد لوحدي طول الوقت، مش عايزة أتكلم مع حد خالص"، تقول سناء عمر، اسم مستعار، بعد أن تعرضت للتنمر الإلكتروني من زميلاتها بسبب وجود بثور على وجهها.

تضيف: "كانوا بيعملوا فيديوهات على واتساب وبينزلوا فيها اسمي، وكاتبين سناء حباية، وكانوا بيتنمروا عليا كتير فيها". لم يقتصر التنمر على تطبيق واتساب، بل امتد إلى فضاء رقمي أوسع. تؤكد سناء، وهي في الصف الثاني الإعدادي، بإحدى مدارس الدقي بمحافظة الجيزة، أن زميلاتها كن ينشرن فيديوهات عنها على منصة تيك توك. وترى سناء أنه لا فرق بين التنمر الفعلي في الفصل، والتنمر الإلكتروني؛ فكلاهما يتسبب لها بالألم ذاته.

توضح لبنى سعيد، والدة سناء، أنها لجأت إلى المدرسة التي تعاملت مع الأمر لحل المشكلة. لكنّ ابنتها ما تزال تعاني آثاراً نفسية. تقول الأم إن ابنتها باتت منعزلة عن بقية أفراد الأسرة: "بعدت عنا وبقت عايشة لوحدها... وبتقول أنا عايزة أموت".

يشير تقرير لصندوق الأمم المتحدة للطفولة "يونسيف" إلى أن 70% من الأطفال في مصر بين 13 و15 عاماً تعرضوا للتنمر. كما تُظهر دراسة مصرية أجريت حول تعرض الطلبة للتنمر الإلكتروني، أن نحو 85% منهم، سبق لهم التعرض للتنمر عبر وسائل الإعلام الرقمي. ووفق الدراسة، التي شملت عينة من طلبة المدارس الثانوية، فقد تصدر واتساب وفيسبوك قائمة الوسائل التي تلقى عبرها الطلبة محتوى تنمر. كما تبين أن 26% فقط من الطلبة أبلغوا أحد الوالدين عن تعرضهم لهذا الأمر، وفق الدراسة التي نشرتها مجلة البحوث الإعلامية لكلية الإعلام بجامعة الأزهر عام 2020.

"التنمر الإلكتروني في المدارس يكون أصعب من التنمر الوجاهي؛ فالأخير ينتهي عند قرع الجرس، نهاية اليوم الدراسي، أما التنمر الإلكتروني فيلاحق الفرد أينما ذهب"

آثار نفسية

توضح الاختصاصية النفسية خلود محمد، أن الأطفال الذين يتعرضون للتنمر يُظهرون سلوكيات مفاجئة، مثل الانعزال والانطوائية وتدني المستوى الدراسي، بالإضافة إلى اضطرابات النوم والأكل، وانعدام الثقة بالنفس، وقد يصل الأمر إلى الانتحار أو إيذاء النفس.

وتؤكد خلود ضرورة تنمية المهارات عند أولياء الأمور في التعامل مع أطفالهم، الذين يتعرضون للتنمر الإلكتروني، وكيفية توعية الأبناء والبنات، فضلاً عن بناء الثقة بين الوالدين وبين الطفل حتى لا يحتفظ بأسرار قد تكون خطيرة، فإن شعر الطفل بالأمان مع والديه ومعلمه فلن يتردد في الإبلاغ عن الحوادث التي يتعرض لها، حسب رأيها.

أما المختصة في مجال التربية النفسية، إيمان سيد، فمن واقع خبرتها العملية، ترى أن الإناث أكثر عرضة للتنمر بسبب مسألة الشكل والسمعة، وهذا يؤثر فيهن نفسياً بشكل أعمق، وفق قولها.

وتضيف المختصة في التربية النفسية أن التنمر الإلكتروني في المدارس يكون أصعب من التنمر الوجاهي؛ فالأخير ينتهي عند قرع الجرس، نهاية اليوم الدراسي، أما التنمر الإلكتروني فيلاحق الفرد أينما ذهب. تقول إيمان: "الموبايل معه في غرفته فبيحس إنه الخطر دايماً حواليه، وهذا يكسر إحساسه أن البيت آمن".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image