بعد الحرب، تظنّ أنّك قد نجوت، لتأتيك حرب أخرى تمهّد لحروب جديدة، لكون الصورة لم تتّضح بعد.
أنت أيّها المواطن اللبناني، الذي عشت الحرب، ومتّ، ثمّ نجوت، ثمّ عدت.
أمام بيت محروق أو مدمّر، أو بيت صامد لكنّه متعب، تقف، أنت الطفل الذي كبر على أخبار القتل، وقطع الرؤوس، والقصف، تظنّ أنّك نجوت بإعلان "وقف إطلاق النار"، أو بأمل أيّ شيء جديد.
تجد معاناتك المتلاحقة في الحرب الأهلية، وسلسلة التفجيرات التي طالت بيروت، وحروب إسرائيل التي طالت كل شيء، وفي حجز ودائعك، وخنقك اقتصاديّاً ومعيشيّاً واجتماعيّاً، وفي دوّامة انتظار "الحرب الكبرى".
في ظلّ كل ذلك، تجد نفسك تستيقظ من غفوة العصر، إن تسنّى لك الوقت، على خبر "انهيار مبنى في باب التبّانة بطرابلس".
عاصمة الشمال، أمّ أبرز أغنياء العالم، مبانيها متصدّعة، وعائلاتها تعيش في فقر مدقع، منسيّون في خوفهم من تطرّف تهميش السلطة لهم. للمرّة الثانية في غضون أسبوعين، كان أهالي طرابلس يهتفون "الله أكبر" على عائلاتهم وأقربائهم وأصحابهم الذين قضوا تحت الركام، فيما طفل غارق في الرماد يخرج مهلّلًا بنجاته.
في اليوم نفسه، كان رئيس الحكومة نوّاف سلام في الجنوب المدمّر. يصرخ الأهالي طلباً لـ"حمايتهم" من رعب إسرائيل وغاراتها التي لا تتوقّف. بلغة شعريّة، يعبّر الناس عن مطالبهم. هي تلك المطالب البسيطة الغائبة: سقف يأويهم، كهرباء، مياه، طبابة، تعليم، سلام.. كلّها أحلام ضائعة عند النساء والشباب والشيوخ.

الانهيار ليس وليد اليوم
لا شيء ممّا تعيشه اليوم هو وليد اللحظة. هذا الانهيار ليس ابن الساعات، ولا الأيام، ولا الأشهر الماضية. هو بركان قديم، كان يغلي، ينفث رماده قليلاً قليلاً، فيما كنت تقنع نفسك أنّ الأرض ما زالت ثابتة، تمشي عليها فلا تهتزّ ولا تنخسف. كان ذلك الوهم وحده ما يُبقيك واقفاً، لكنّ أحداً لم يُرِد أن يرى تلك المآسي المتراكمة.
في طرابلس، ينتظرون انهيار المباني نتيجة تراكم سنوات من الإهمال، وفي الجنوب يترقّبون القصف، وفي الحالتين هي صدمة واحدة: الشعور بالعجز أمام قوّة خارجيّة أو سلطة فاسدة
ما تراه اليوم هو انفجار مؤجّل، وليد سنوات، بل عقود من الإهمال الممنهج. سلطات تعاقبت ولم تحكم، ودولة عميقة لم تُحسن سوى السرقة. نُهبت ثرواتك، أُفرغ بيتك من الأمان، ورُهن مستقبلك على جوعك. لم يفاجأ أحد بالانهيار، لا السلطات ولا المستفيدون من الفساد. الرهان كان على تعبك، على تآكل ذاكرتك، وعلى اعتيادك الخسارة.
ما يحدث بالطبع ليس قدراً إلهيّاً، ولا كارثة طبيعيّة. بل هو جريمة بطيئة، مجزرة مؤجّلة، حان وقت ظهورها إلى العلن.
عن أبي لهب وحمّالة الحطب
في هذا المشهد، تطفو قصة أبي لهب وامرأته من جديد. الرواية تقول إنّ رجلاً ظنّ أنّ ماله سيقيه الحساب، وأنّ قربه من السلطة سيبقيه في مأمن من الخسارة. إلى جانبه، امرأة تحمل الحطب، تضيفه يوماً بعد يوم لتُبقي النار قائمة، ممتدّة في بيوت الناس وحياتهم.
هكذا بدا بعض أغنياء وأولياء المدينة. رأوا في بساطة وصبر أهلها فرصة وضمانة، فتركوا الجدران تتعب، وبيوت الناس تتصدّع. وحين سقط المبنى، لم يكن الأمر مفاجئاً. كان نتيجة تراكم طويل، لحطب حُمِل بلا توقّف، ولنار أُبقيت مشتعلة حتى خرجت إلى العلن.
وفي الجنوب، مثل طرابلس، ترى الأسر تتشبّث بما تبقّى من حياتها اليوميّة، تحاول إعادة ترتيبها بين الخراب. ما يجمع بين الشمال والجنوب هو نفسه ما يمكن أن يجمع كل المناطق اللبنانيّة. لكنّ شعور "الأمر الواقع" ومحاولة تصوير "قوّة الصمود" حالة يصعب استمرارها لكائنات بشريّة طبيعيّة.
أيّها المواطن اللبناني، ماذا أقول لك؟ أَأقول: "الله يعينك"؟ فتنحني أكثر؟ أم أطلب منك "الصبر" فتزداد الأيام ثقلاً؟ أم ربّما أقول "هاجر" فتترك مدينتك وذكرياتك، وتتعذّب في بناء رحلة جديدة حجراً على حجر، وفي إيجاد نفسك وكرامتك التي تستحقّها
في طرابلس، ينتظرون انهيار المباني نتيجة تراكم سنوات من الإهمال، وفي الجنوب يترقّبون القصف، وفي الحالتين هي صدمة واحدة: الشعور بالعجز أمام قوّة خارجيّة أو سلطة فاسدة. هناك، كما هنا، يُختبر الصبر على مدى عقود.
من يحمي الناس؟
وليس بعيداً من هذه الحقيقة، يظلّ السؤال الركيك نفسه: من يحمي الناس من كل هذا؟ من يرفع الحطب عن ظهورهم؟
الحقيقة أنّ الإهمال والفساد ليسا حكراً على مكان واحد. هو نمط متكرّر، ينخر في كل مدينة، شمالاً وجنوباً. والصبر الطويل، سواء في أي مدينة أو قرية أو حيّ لبناني، لم يكن سوى جسر هش يربط الماضي بالمستقبل المجهول، بانتظار الانفجار ليكشف ما تحت السجّادة من وسخ. ويكشف كل شيء، مرّة واحدة، في لحظة واحدة، بحيث لا يمكن تجاهلها أو تغطيتها بعد الآن.
لذلك، أيّها المواطن اللبناني، ماذا أقول لك؟ أَأقول: "الله يعينك"؟ فتنحني أكثر؟ أم أطلب منك "الصبر" فتزداد الأيام ثقلاً؟ وحتى الصبر، متأسّفاً، لن يعيد لك بيتك أو سلامك أو طفلك أو راحة بالك.
أم ربّما أقول "هاجر" فتترك مدينتك وذكرياتك، وتتعذّب أيضاً في بناء رحلة جديدة حجراً على حجر، وتتعب في إيجاد نفسك وكرامتك التي تستحقّها.
الخيارات كلّها صعبة، ستبقى تشعر بالحنين إلى مدينتك أو قريتك، وستبقى تتذكّر الركام والوجوه. وإن بقيت، فستحمل على ظهرك صبراً جديداً، وتواجه كل ما يتهاوى أمامك يميناً ويساراً، فيصدّع رأسك، ويزداد التوتّر، فتموت باكراً. حاول أن تبقى حاضراً، واصرُخ فقط.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
