ثلاثة مشاهد متناقضة، قد تختصر الوضع اللبناني اليوم. أو، قد تُعبّر عن نوعٍ من الشيزوفرينيا التي يعيشها هذا البلد، في وقت يتحدّث فيه كثيرون عن أمل جديد، ومستقبل جديد، ينتظر اللبنانيون. فـ"الدولة عادت"، أليس كذلك؟
المشهد الأوّل
زار رئيس الحكومة نواف سلام قرى في جنوب لبنان، بدأ من قضاء صور وأنهاها في قضاء مرجعيون حاصبيا. قال في زيارته الكثير، وردّد أكثر من مرة أن الدولة ستعود إلى الجنوب ولم ينس أن يعتذر من القرى التي لم يستطع زيارتها، وهي قرى غالبيتها مدمرة بشكل كبير وأهلها نازحون إلى قرى ومناطق لم تتعرض للدمار الذي ألمّ ببلداتهم.
السلطة الجديدة، إلى الآن، لم تقم بأي جديد خارق، أو بسيط، لأي بقعة من لبنان. قد يكون فعلها الوحيد أنها تردّد دوماً أنها ماضية في حصر السلاح. وقد يكون هذا كافياً لكُثر. وهو على أهميته، وعلى أهمية استعادة قرار الدولة إلى كنف الدولة، أقل بكثير مما هو مطلوب
المشهد، بالشكل، يعطي انطباعاً أن السلطة قرّرت أخيراً أن تهتم بواقع أبناء الجنوب. وبالشكل أيضاً، الاستقبال الذي لقيه سلام في بعض المناطق يوحي بأن الجنوبيين توّاقون لأن يشعروا بأن هناك سلطة تهتم بهم. أو على الأقل، قرّرت أن تُظهر الاهتمام بهم. كُل ذلك في انتظار ما الذي ستقوم به هذه السلطة من أجلهم، وهي إلى الآن، بعد أكثر من سنة وأشهر عدة على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل لا تزال عاجزة عن تقديم أي شيء مهمّ للجنوبيين.

المشهد أيضاً، بالشكل، وجه رسالة إلى من هو ممتعض من الزيارة. وقف نائب "حزب الله" حسن فضل الله إلى جانب سلام يوزع الابتسامات، وكأنه يقول لبيئته: نحن نؤيد الزيارة، فاهدأوا. حتى حين توجهت إعلامية بالقول لسلام إن أهلها "تعبانين". ورد عليه الأخير: "معنا حكيم إذا ما مناح". لم تسقط ابتسامة فضل الله. على العكس. والرد، في حد ذاته يوحي بانفصال السلطة عن مشاعر الناس. حتى الأرقام لا تُقابلها أرقام. بل مزحة، أو رد لا يرقى إلى مزاح.
المشهد، صاحبه الكثير من الاعتزاز والتغنّي بالزيارة من كُثر، ناشطين وسياسيين وغيرهم، ممن أسهبوا في الحديث عن أنها إعلان "عودة الدولة إلى الجنوب". وفي هذا الإسهاب، كلمات كبيرة الأرجح أنها لن تصل إلى مسامع الجنوبيين، ووعود اختبرها اللبنانيون قبل الجنوبيين. غالباً ما تنتهي حين تنطفئ عدسات الكاميرات من أمام "الزعيم" أو "المسؤول".
فالسلطة الجديدة، أو العهد الجديد، إلى الآن، لم تقم بأي جديد خارق، أو بسيط، لأي بقعة من لبنان. قد يكون فعلها الوحيد أنها تردّد دوماً أنها ماضية في حصر السلاح. وقد يكون هذا كافياً لكُثر. وهو على أهميته، وعلى أهمية استعادة قرار الدولة إلى كنف الدولة، أقل بكثير مما هو مطلوب، وحصر معاناة اللبنانيين بالسلاح، هو إسقاط ممنهج لواقع أن السلطة الحالية هي امتداد لكُل المنظومة السياسية المتعاقبة على لبنان منذ الطائف.
انتهى المشهد، انطفأت عدسات الكاميرات. الجنوبيون كما غيرهم، سينتظرون طويلاً، على الأرجح. صحيح، بعد ساعات من انتهاء الزيارة، توغّلت قوة إسرائيلية إلى بلدة الهبارية، واختطفت مواطناً لبنانياً، هو مسؤول في الجماعة الإسلامية، ثم انسحبت بـ"سلام".
المشهد، لا يحتاج إلى كثير من الوصف. أب يجثو على ركبتيه ينادي "وينك يا بابا"، وآخر يريد أن يموت في منزله ولا يُجرّب "وعود دولته"، التي غالباً ما وعدت وغالباً ما نسيت وتناست.
المشهد الثاني
انهار مبنى في طرابلس على رؤوس ساكنيه. فبعد أسبوعين من انهيار مبنى في المدينة نفسها وسقوط ضحايا، كان الموعد يوم الأحد الماضي مع مأساة جديدة. في وضح النهار، انهار المبنى مخلّفاً 14 ضحية جديدة. صور مؤلمة، استغاثة، محاولات إنقاذ، رصاص متناثر لتفريق الحشود، غضب وحسرة.
المشهد، بكُل ما فيه من معاناة، لم يكن مفاجئاً. السلطة نفسها التي قالت إنها ستعود إلى الجنوب وتغيث أهله، ماذا فعلت لطرابلس بعد سقوط المبنى الأوّل، والمطالبات الحثيثة من جمعيات ومؤسسات أهلية بالتحرك لترميم المباني الآيلة إلى السقوط وإقرار خطة واضحة لإنقاذ مئات العائلات التي تقطنها؟ فعلياً، لا شيء. انتظرت سقوط آخر، ومأساة أخرى، وضحايا جدد.
المشهد، في طرابلس المنكوبة، يعيد نفسه في كُل مرّة. مع انهيار المبنى الثاني وسقوط ضحايا جُدد. تحركت السلطة، وضعت البلدية استقالتها بتصرف وزير الداخلية. رئيس الحكومة أوعز بخطة عاجلة لترميم 114 مبنى مهدداً بالسقوط (بعض الإحصاءات تقول إنها أضعاف هذا الرقم)، وفتح مراكز إيواء للعائلات التي تعيش مع الموت دقيقة بدقيقة. من دون أن ننسى، أغنياء طرابلس، الذين تكرموا على أبناء المدينة، وصرّحوا.

المشهد، لا يحتاج إلى كثير من الوصف. أب يجثو على ركبتيه ينادي "وينك يا بابا"، وآخر من شباك مبنى مهدد بالانهيار يرفض دعوات للمغادرة مع عائلته المؤلّفة من عشرة أشخاص. يريد أن يموت في منزله ولا يُجرّب "وعود دولته"، التي غالباً مت وعدت وغالباً ما نسيت وتناست.
المشهد الثالث
فيديو لموقع لبناني مموّل من رجل الأعمال الذي يخشاه جميع من في السلطة على ما يبدو، أنطون صحناوي. الفيديو من مراسلتهم في إسرائيل. تسأل عن الرسائل التي يريدون إيصالها إلى اللبنانيين. والرسائل، هي عبارة عن تمنيات بـ"السلام"، وبزيارة بيروت والعكس. وطبعاً أكل الشاورما وتحدّي أكبر صحن حمص أو من يملك براءة اختراع الحمص بالطحينة.
فيديو تمنيات إسرائيليين "السلام" وزيارة بيروت والعكس، عبر موقع "لبناني"، مموّل من رجل الأعمال الذي يخشاه جميع من في السلطة، هو اختصار لما يُراد لنا أن نُصدّقه. فالزمان هو إسرائيلي، ومن نحن لكي نعترض؟ أو نقول لا لمسلسل الإجرام ولدولة لا تعتاش إلا على القتل؟
المشهد، أقل ما يُمكن وصفه بأنه دنيء. كُل ما فعلته إسرائيل في الجنوب وفي غزة هو مجرد "سعي إلى السلام". مشكلتها هي فقط مع السلاح، مع حماس و"حزب الله". طبعاً لا أطماع لها لا في غزة وبحرها ولا في لبنان وجنوبه ولا في سوريا ولا ولا. هذا ما يحاول الموقع المذكور أن يروّج له. وهو نفسه من نشر مقابلة مع سفير إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن كُل هذا عادي، فالصحناوي يبدو أنه لا يُمس.
المشهد، الفيديو، هو اختصار لما يُراد لنا أن نُصدّقه. فالزمان هو إسرائيلي، ومن نحن لكي نعترض؟ أو نقول لا لمسلسل الإجرام ولدولة لا تعتاش إلا على القتل؟ ربما علينا أن نرضى بهذا الواقع، فانظروا إلى الجزء الممتلئ من الكأس: سنحيا بازدهار اقتصادي كبير، وستعود بيروت لتنافس حيفا، وسيعود لبنان ليكون قُبلة هذا الشرق. فاعقلوا.
المشهد، هو فرصة للتذكير بأن مخرجاً لبنانياً استُدعي للتحقيق معه من فرع أمني لبناني لأنه يتواصل مع مخرجة فلسطينية في القدس، لتشارك أفلامها في مهرجان عن حقوق الإنسان، عن كرامة الإنسان المفقودة من فلسطين إلى لبنان.
مشاهد ثلاثة، علينا أن نتعايش معها، وإلّا.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
