لبنان على الممر الهندي أوروبي؟... سلحفاة السياسة خلف أرنب الاقتصاد

لبنان على الممر الهندي أوروبي؟... سلحفاة السياسة خلف أرنب الاقتصاد

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 27 فبراير 20267 دقائق للقراءة

بات واضحاً في آخر عامين لكل من يراقب حركة المشروع العملاق الممر الهندي–الأوروبي (IMEC) أن كل من سيظل خارجه سيخسر، وسيفوته قطار التنمية وتجديد البنى التحتية الذي سيمرّ من المنطقة.

لكن هل الكل قادر على تحقيق الشروط التي يستدعيها الدخول في شراكة أو الاستفادة من الممر، وما هي صفات المستفيدين وشروط دخولهم في العقود المشغّلة؟

حقق لبنان الشرط الأصعب ليكون مرشحاً قوياً ضمن خريطة الممر، الشرط الذي لا يمكن التحايل عليه، وهو الموقع الجغرافي، فما الذي تبقّى له ليكون جزءاً منه؟

لبنان ضمن الممر الهندي–الأوروبي… لكن بأي صفة؟

منذ الإعلان الرسمي عنه في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في 9 أيلول/سبتمبر 2023، ارتبط هذا الحلم الطموح بإعادة رسم خرائط التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية والطرق المتعددة الوسائط، والتكامل الرقمي والطاقة النظيفة. والأهم إعادة توازن سلاسل التوريد بعيداً عن الاعتماد على الممرات التقليدية، ولمنافسة مبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

لا بدّ من التمييز بين المتواجدين في المشروع؛ فهناك أولاً الشركاء المؤسسون، وهم الدول ذات الثقل الاقتصادي والجيوسياسي التي وقّعت على وثيقة التأسيس في نيودلهي، وهم: الهند، السعودية، الإمارات، الاتحاد الأوروبي، وكذلك فرنسا وألمانيا وإيطاليا بصفتهم الوطنية وليس ضمن الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية.

أبلغ الرئيس اللبناني نظيره الفرنسي برغبة بلاده بالانضمام إلى الممر الهندي أوروبي كشريك فعلي وليس مجرد مقدم خدمات، فهل هذا الحلم ممكن؟ وما الذي يحتاجه لبنان اليوم لينضم لشبكة المستفيدين من الممر؟

وهناك الشركاء غير الأساسيين، أو "المشاركون المحوريون"، وهم: مصر التي تُعدّ شريكاً محورياً استراتيجياً نظراً لموقعها الجغرافي وقناة السويس، والأردن كشريك جغرافي في مسار الربط البري، وإسرائيل وهي شريك في الربط عبر ميناء حيفا. وهذه الدول تستفيد من رسوم العبور، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز موقعها كمحور لوجستي إقليمي. كما يشكل جنوب أوروبا، عبر موانئه المتوسطية، نقطة الاستقبال وإعادة التوزيع نحو الأسواق الأوروبية الداخلية، ما يعزز دور المتوسط كبوابة تجارية رئيسية للبضائع الآسيوية.

أما على المستوى التنفيذي، فتبرز شركات تشغيل الموانئ، ومشغّلو السكك الحديدية، وشركات الشحن العالمية، إضافة إلى مطوري مشاريع الطاقة النظيفة والربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر. كما تم تداول اسم "غزة" مؤخراً كعقدة طاقة ومركز تحلية مياه لخدمة الممر.

هذه الجهات في مجملها تمثل الذراع التقنية والاستثمارية للممر، وتستفيد من عقود طويلة الأجل وتوسّع في الأسواق الناشئة. وإلى جانبهم يوجد مستفيدون غير مباشرين، مثل قطاعات التمويل والتأمين والخدمات اللوجستية، ودول شرق المتوسط التي قد تسعى للانضمام كمقدّمي خدمات، بما يتيح لها إعادة التموضع ضمن الخريطة الجيو اقتصادية الجديدة، وهنا يُذكر اسم لبنان بقوة.

لبنان يريد صفة الشريك لا مقدم الخدمات

في هذا الإطار، زار المبعوث الخاص الفرنسي للمشروع، جيرار ميستراليه، لبنان يوم 25 شباط/ فبراير، وصرّح بأن "فرنسا مُقتنعة بأن دور لبنان مهمّ في هذا الممر وبأنه جسر عبور بين الشرق والغرب"، وأن لبنان يمتلك مقوّمات قوية كمرفأ بيروت ومرفأ طرابلس مع إمكانية كبيرة لتوسعتهما.

موقع لبنان الاستراتيجي على المتوسط وموانئ بيروت وطرابلس يجعلون منه مرشحاً طبيعياً للانضمام إلى (IMEC)، ليعيد توطين نفسه اقتصادياً ضمن شبكات التجارة العالمية.

قبل الانفجار كان مرفأ بيروت من أهم الموانئ في المنطقة، قادراً على استيعاب أكثر من مليون وحدة قياسية حاويات سنوياً، كما كان يشكل حلقة مركزية في التجارة اللبنانية والإقليمية. لكن الانفجار أدّى إلى أضرار هائلة فاقت 15 مليار دولار في البنى التحتية وأضعف كفاءته اللوجستية بشكل كبير، ما دفع العديد من خطوط الشحن إلى تحويل مسارها صوب موانئ بديلة في المنطقة، منها ميناء حيفا في إسرائيل.

وبعد الانفجار، انخرط لبنان في خطط لإعادة إعمار المرفأ وتطويره بشكل عصري يواكب معايير الأمان والكفاءة العالمية. وكانت فرنسا أحد أهم الدول التي دفعت باتجاه إعادة التأهيل والتطوير بإشراف شركات فرنسية متخصّصة، مع تركيز على رفع معايير الأمان وتسهيل عمليات الشحن الدولية.

وبالفعل، أبلغ الرئيس اللبناني ميشال عون أبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بصفته رئيساً لدولة مؤسسة اهتمام لبنان بالانضمام إلى الممر (IMEC). لكن بصفة شريك لا مقدم خدمات، فهل هذا الأمر ممكن فعلاً؟

السياسة تعيق الاقتصاد

رغم الإمكانيات الكبيرة، يواجه لبنان أزمات داخلية تقف بينه وبين رغبته بالانضمام فوراً، وترتبط في مجملها بالوضع السياسي وعدم استدامة الاستقرار الأمني. فبين الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية، وبين معضلة حصر السلاح بيد الدولة ومعارضة حزب الله لتسليمه، وبين الوضع الاقتصادي الصعب، وأزمة البنوك والطاقة، يبدو اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد ضرباً من الوهم.

فأي إعادة بناء للبنى التحتية، بما في ذلك الموانئ والطرق والسكك الحديدية، تتطلب إصلاحات هيكلية وحوكمة لم تتحقق بعد على مستوى التنفيذ الفعلي في بيروت، ما يجعل تنفيذ مشاريع كبرى مرهوناً بما سبق.

من جهة أخرى، يشكل ميناء حيفا الإسرائيلي قوة لوجستية منافسة في هذا المجال، وقد تم تثبيته كمقدم خدمات محتمل بقوة، بينما يُنظر إلى موانئ لبنان كمنافسة غير مؤهلة بعد له في جذب تدفقات التجارة.

الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، ومعضلة حصر السلاح في يد الدولة، وضعف الحوكمة، كلها تعد معيقات كبرى تحول دون انضمام لبنان لهذا المشروع العملاق، لكن في حال تمكن من تجاوزها سيكسب إعادة تهيئة البنى التحتية، والانتعاش الاقتصادي وعشرات آلاف الوظائف

في هذا السياق، يبرز تقارب الرؤية بين فرنسا والسعودية كأحد عوامل الدفع الرئيسية التي يمكن أن تُسهّل مشاركة لبنان في المشروع. في الآونة الأخيرة، تعرّفت العلاقات الفرنسية–السعودية على شراكة استراتيجية قوية تمتد إلى ما هو أبعد من الاقتصاد التقليدي، بما في ذلك التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والتحول البيئي والتطوير الثقافي والسياسة الدولية. في أواخر 2024، وقّع البلدان مذكرة لتوسيع التعاون في كل هذه المجالات.

إذا نجح هذا التلاقي في تهيئة الظروف المناسبة، يمكن أن يصبح لبنان جزءاً من التحالف الاقتصادي الجيو–استراتيجي الأوسع من خلال تطوير دوره اللوجستي في (IMEC)، ما يخلق ضغطاً غير مباشر على المنافسين مثل إسرائيل في مسارات التجارة العابرة للقارات، ويؤدي إلى استفادة اقتصادية واسعة للبنان إن تم تفعيلها بشكل مدروس.

لكن واقعياً، هناك شروط يجب تحقيقها كي يتحول هذا الاحتمال إلى حقيقة ممكنة ومقنعة لبقية شركاء فرنسا المؤسسين في الممر، وعلى رأسها التوافق الوطني داخل لبنان حول مشاركة البلاد في الممر، مع ضمانات لحماية سيادته ومصالحه الاقتصادية.

بالإضافة إلى تنسيق حكومي فعال مع الدول الداعمة مثل فرنسا والسعودية ودول الاتحاد الأوروبي، لضمان الدعم الفني والمالي والتقني، وهو ما حصل عليه كل الشركاء غير المؤسسين كالأردن ومصر ومزوّدي الخدمات، بالإضافة إلى تطوير البنى التحتية، والربط الرقمي، والطاقة النظيفة.

هل التطبيع مع إسرائيل شرط للانضمام؟

لا يوجد اشتراط مسبق يلزم انضمام لبنان لاتفاقيات أبراهام أو التطبيع المسبق مع إسرائيل للدخول إلى قائمة مقدمي الخدمات أو المستفيدين من العقود المشغلة، ومع هذا يظل الاحتمال سياسياً أكثر منه التزاماً قانونياً مباشراً، ويرتبط بطبيعة المسار الحالي الذي يمر عبر إسرائيل.

الجواب هو: إذا بقيت الصيغة التنفيذية (الخريطة) للممر كما أُعلنت، أي أن البضائع ستمر عبر موانئ إسرائيلية مثل حيفا، فإن أي اندماج لبناني كامل في الشبكة اللوجستية للممر، قد يفرض تنسيقاً اقتصادياً أو تقنياً بالحد الأدنى مع طرف لا تربطه به علاقات دبلوماسية مثل تل أبيب كحكومة، ومثل بعض الشركات الإسرائيلية المشغّلة والحاصلة على عقود تنفيذ سواء في إسرائيل أو خارجها.

هذا لا يعني بالضرورة اعترافاً رسمياً أو معاهدة سلام، لكنه قد يُفسَّر داخلياً وإقليمياً كخطوة باتجاه تطبيع تدريجي بحكم الأمر الواقع، لذا يبقى احتمال التطبيع مرتبطاً بتصميم المسار النهائي للممر، ونوع التعاون بين مرافئ المتوسط، والأهم، بالقرار السياسي اللبناني أكثر من كونه شرطاً تقنياً مفروضاً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image