اليوم، الاثنين 2 آذار/ مارس 2026, هو اليوم الأول الذي تفتح فيه جلسات التداول بعد صدمة الأسواق من اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، واستيقظ المستثمرون ليحركوا أموالهم سريعاً نحو الملاذات الآمنة، فقفزت أسعار الذهب والفضة، بينما اشتعلت أسعار النفط، مع خسائر كبرى لشركات الطيران والشحن.
فمع بدء الحرب، لا تتحرك الأسواق العالمية بالعقل البارد والتخطيط الطويل الأمد، بل بخطط استجابة سريعة ومتوحشة. الشرَه المحموم الذي يصيب البورصات يكون مدفوعاً بالخوف لا الجوع للأرباح.
"رأس المال جبان"... جملة تتكرر لصحتها، وأثبتت دقتها في كل مأزق اقتصادي ضخم عاشه الإقليم أو العالم، حين تهرب الأموال الكبيرة سريعاً من مناطق الخطر للبحث عن ملاذات آمنة في الذهب والدولار والسندات، تاركة خلفها عملات تتراجع، وبورصات تهتز، ودولاً تواجه تضخماً مفاجئاً.
لكن هذا "الجبن" لا يعني أن رأس المال يخسر، فهو ينسحب ليعيد التموضع، ويعيد تسعير الشحن والتأمين والطاقة، ثم يعود ليحصّل الفارق من مكان آخر. فالشركات العابرة للقارات، بفضل احتياطياتها النقدية وشبكاتها العالمية، تستطيع تحويل الخسارة في سوق الحرب إلى ربح في سوق آخر، وتستطيع تمرير كلفة الحرب إلى المستهلك عبر رفع الأسعار أو تقليص الجودة أو خفض الأجور. هكذا تصل الحرب إلى مطابخنا: في فاتورة الكهرباء التي ترتفع لأن الغاز أصبح "عالي المخاطر". في سعر الخبز لأن طرق الشحن أصبحت أطوب وبالتالي أغلى. في فاتورة التبريد صيفاً والتدفئة شتاءً لأن أسواق الطاقة جنّت وفي حالة "إعادة تسعير".
وبينما تُعلن الشركات الكبرى عن تراجع في الأرباح الفصلية ثم تعوّضه بزيادة الأسعار أو بإعادة شراء الأسهم، يكون القلق الحقيقي على المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك هوامش مناورة، وعلى الموظف الذي لا يستطيع "إعادة تسعير" راتبه مع كل موجة توتر. الخوف ليس على الاستثمارات العملاقة التي تجد دائماً منفذاً للربح، بل على القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والفقيرة التي تتحمل تقلبات الأسواق دون أن تملك أدوات التحوّط، وعلى دكان الحيّ والمصنع الصغير اللذين يدفعان ثمن تقلبات لم يشاركا في صنعها.
هكذا، حين تضطرب الجبهات، تتحول المخاطر المالية إلى أعباء يومية ملموسة، وتصبح الحرب رقماً إضافياً في فاتورة الغذاء والطاقة، لا بياناً في نشرات الأخبار فقط.
الحرب هناك والثمن هنا
شهد الاقتصاد العالمي في الساعات الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار النفط بعد تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وبحسب التوقعات، سوف تتجاوز التداعيات أسواق المال إلى الوقود في محطات البنزين وفواتير الطاقة في المنازل حتى لو توقفت الحرب اليوم!
بينما تُعلن الشركات الكبرى عن تراجع في الأرباح الفصلية ثم تعوّضه بزيادة الأسعار أو بإعادة شراء الأسهم، يكون القلق الحقيقي على المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك هوامش مناورة، وعلى الموظف الذي لا يستطيع "إعادة تسعير" راتبه مع كل موجة توتر
فبعد إغلاق مضيق هرمز، وقصف ناقلة نفط أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز، باتت أكثر من نحو 150 ناقلة نفط متوقفة في المياه المفتوحة في الخليج، متجنبة المرور عبر المضيق الحيوي، في مؤشر على تصاعد المخاطر البحرية. ونتيجة لذلك ارتفع سعر خام برنت — المعيار العالمي — من 73 دولاراً للبرميل إلى حوالي 82 دولاراً للبرميل في أول تداولات اليوم الاثنين 2 آذار/ مارس، بزيادة تقدّر بنحو 8-13% عن مستويات نهاية الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى في عدة أشهر.
هذا الارتفاع الكبير لا يحدث من فراغ، فبالإضافة إلى الذعر الطبيعي الذي يصيب الأسواق مع بداية كل حرب، تم إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم وكمية مماثلة من الغاز الطبيعي المسال.
وقد رصدت صحيفة الغارديان البريطانية تغيرات عملاقة في يوم واحد في نشرتها الاقتصادية، فتراجعت أسهم شركات الطيران مع إلغاء آلاف الرحلات. وارتفعت أسعار الخام بأسهم شركات النفط شل وبي بي إلى الصعود بنحو 6%. كما قفزت أسهم شركات تصنيع الأسلحة مع توجه المستثمرين نحو أسهم قطاع الدفاع.
وتراجعت أسواق الأسهم الأوروبية حيث انخفض مؤشر داكس الألماني بنسبة 2.2%، ومؤشر كاك 40 الفرنسي بنسبة 2.3%، ومؤشر فوتسي إم آي بي الإيطالي بنسبة 2.3%، ومؤشر إيبكس الإسباني بنسبة 2.4%، ومؤشر فايننشال تايمز 100 في لندن بنسبة 1%.
كما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بما يصل إلى 28% في أكبر زيادة منذ آب/ أغسطس 2023. وارتفعت كذلك أسعار الكهرباء نتيجة ارتفاع أسعار الغاز والنفط. وبحسب رويترز يتوقع في الولايات المتحدة، أن يرتفع سعر البنزين بشكل كبير.
ليس النفط وحده في المعادلة، فأسعار الغاز الطبيعي أيضاً تتأثر، رغم أن زيادته أقل حدة في هذه المرحلة، إلا أن ارتفاع تكاليف الطاقة عموماً ينعكس سريعاً على فاتورة الكهرباء والتدفئة والسلع المرتبطة بالطاقة مثل الأسمدة والمنتجات الزراعية.
في المقابل ارتفعت أسعار الذهب كمأوى آمن مع تزايد المخاطرة، بينما يعكس انخفاض مؤشرات الأسهم في البورصات العالمية أن المستثمرين بدأوا يقلّلون تعرضهم للأصول عالية المخاطر ويتجهون إلى الأصول الآمنة، وهو ما ينعكس أيضاً على سوق العمل واستثمارات الشركات إذا استمر القلق لفترات أطول بحسب رويترز.
ماذا تعني هذه الأرقام في حياة الطبقات الوسطى والفقيرة؟
هذه التحركات صعوداً ونزولاً في الأسعار والطاقة ليست مجرد أرقام؛ بل هي تكاليف حقيقية على حياة الناس، فارتفاع النفط بنسبة 8-13% يعني أن شركات النقل قد ترفع أجور الشحن، ما ينعكس على كلفة المواد الغذائية والبضائع المستوردة في المتاجر.
المشكلة أن هذه الزيادات في الأسعار تأتي في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي هشاً بعد عدة صدمات سابقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية إلى أزمات طاقة سابقة.
وارتفاع الغاز يعني ارتفاع تكلفة تشغيل المصانع، مما قد يضغط على أسعار السلع الصناعية.
وارتفاع البنزين يعني أن الأسر ذات الدخل المحدود ستنقص من مصاريفها الأساسية مثل الغذاء أو التعليم لتغطية زيادة المصاريف الشهرية للطاقة.
هذا بشكل مباشر ومبسط، وفوق كل هذا فإن ارتفاع أسعار النفط يضيف ضغطاً تضخميّاً على الاقتصاد العالمي، وقد دفع بعض المحللين إلى القول إن استمرار الأسعار فوق 80-85 دولاراً للبرميل قد يحفز التضخم مرة أخرى بعد أن كانت توقعات التضخم تتراجع في الأشهر الماضية. في بعض السيناريوهات المشار إليها من تحليلات اقتصادية واسعة، كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر النفط يمكن أن تدفع التضخم العالمي للارتفاع بنحو 0.5 إلى 0.7 نقطة مئوية إضافية. هذا يعني أن أسعار السلع قد ترتفع أسرع من مداخيل الناس، وبالتالي سوف تتدهور القدرة الشرائية، وخصوصاً للأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود.
كذلك تشير تنبؤات اقتصادية إلى نقطة مهمة، وهي أن هذه الزيادات في الأسعار تأتي في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي هشاً بعد عدة صدمات سابقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية إلى اضطرابات سلاسل التوريد، وأزمات طاقة سابقة في 2022-2023. أي أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة قد يجبر بعض البنوك المركزية، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أو البنك المركزي الأوروبي، على تأجيل أو إلغاء أي تخفيضات في أسعار الفائدة كانت متوقعة، إذا دعت الحاجة للسيطرة على التضخم، مما قد يُبطئ النمو الاقتصادي ويزيد كلفة الاقتراض على الأسر والشركات على حدٍ سواء.
بالنسبة للأسر من الطبقة المتوسطة، فإن التضخم في الوقود والطاقة يعني أن جزءاً أكبر من دخل الأسرة يذهب لتغطية هذه النفقات المتزايدة، ما يقلّل القدرة على الادخار، ويزيد الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والترفيه.
أما بالنسبة للفئات الأشد فقراً، فإن أي ارتفاع في أسعار السلع الأساسية — مثل الغذاء أو الطاقة — يعني ضغطاً فورياً على ميزانيتهم الضيقة؛ زيادة بسيطة في سعر رغيف الخبز أو كيلو السكر قد تعني التضحية بأشياء أخرى أساسية.
ما يزيد سعره لن ينخفض مجدداً
موقع "إنفستنغ" الاقتصادي نشر دراسة تشير إلى أن استمرار هذه الاضطرابات قد يرفع الأسعار إلى ما هو أبعد من 80 دولاراً، وقد يصل إلى حدود 100 دولار للبرميل أو أكثر إذا بقي الخطر على مضيق هرمز لمدة أطول مما يضاعف الضغوط على الأسواق العالمية والاستهلاك اليومي للأسر.
في النهاية، ما يُناقَش في أروقة البورصات والاقتصاد الكلي من ارتفاع النفط إلى تراجع الأسهم هو نفسه الذي سيتحوّل إلى أعباء مالية حقيقية على الناس في حياتهم اليومية. ارتفاع أسعار الطاقة لا يظل محصوراً في جداول البيانات، بل ينتهي في فاتورة الوقود، وعلى رفوف المتاجر، وعلى حسابات الأسر التي تحاول فقط أن تُكمل الشهر، الأسوأ أن زيادة السعر على المستهلك قلما تتراجع، حتى لو تراجعت المادة نفسها في البورصات العالمية.
من الأمثلة التي يمكن أن نفهم منها كيفية وصول الحرب إلى الاقتصاد اليومي الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ 2022، والتي أثّرت بشكل واسع على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في أوروبا وأفريقيا وآسيا.
تؤدي الحرب عادة إلى انخفاضات في قيمة العملة المحلية نتيجة تراجع الاستثمار والطلب على الأسواق المحلية، مما يرفع سعر السلع المستوردة أكثر. كما تزيد معدلات البطالة بسبب نزوح الشركات أو إغلاقها نظراً لعدم القدرة على الاستمرار في بيئة حرب
وفق بيانات حديثة عن الاقتصاد الأوكراني، حطّمت سنوات القتال قدرات الكهرباء والطاقة في أوكرانيا بحيث فقدت البلاد خلال سنوات الحرب جزءاً كبيراً من بنيتها التحتية، ما اضطر الشركات إلى تقليص الإنتاج، ووصل الانقطاع في الكهرباء إلى نحو 12–18 ساعة يومياً في بعض المناطق، مما دفع الاقتصاد إلى خسائر اقتصادية ضخمة وارتفاع حقيقي في التضخم.
كما امتد تأثير هذه الحرب إلى أسواق الغذاء العالمية، لأن روسيا وأوكرانيا كانتا من أكبر منتجي الحبوب والزيوت في العالم، ما أدى لارتفاع الأسعار على المستوى العالمي. هذه الحرب بالذات أدّت إلى تقلّبات في إنتاج العديد من السلع الأساسية، والتي تأثرت بها شبكات الغذاء العالمية بشكل معقّد، ما تسبب بانقطاع الإنتاج وفقدان نسب عالية من المنتجات الزراعية في بعض الأسواق.
هذا بالنسبة إلى الغذاء، لكن الارتفاع الأكبر كان في أسعار الطاقة، والمتضرر الأكبر كانت أوروبا، التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي. عندما توقفت الإمدادات أو تقلصت، ارتفعت أسعار الغاز والكهرباء للمستهلكين بشكل حاد، مما دفع الأسر الأوروبية إلى دفع فواتير أعلى للطاقة، وأثر هذا على المصانع التي تحتاج طاقة للعمل، ليصل التوتر إلى تأخر الإنتاج وزيادة أسعار السلع في المتاجر، وبالتالي زيادة التضخم في بعض الدول الأوروبية إلى معدلات غير مسبوقة منذ إنشاء اليورو، وهو ما جعل المواطنين يشعرون بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة بشكل مباشر في حياتهم اليومية.
بالإضافة إلى ذلك، تؤدي الحرب إلى انخفاضات في قيمة العملة المحلية نتيجة تراجع الاستثمار والطلب على الأسواق المحلية، مما يرفع سعر السلع المستوردة أكثر. كما تزيد معدلات البطالة بسبب نزوح الشركات أو إغلاقها نظراً لعدم القدرة على الاستمرار في بيئة حرب.
الحروب، سواء كانت في غزة أو لبنان أو في أوكرانيا، تنتهي دائماً إلى تكاليف أكبر على المواطن العادي عبر ارتفاع الأسعار، تقلص الدخل، ضغط على الوظائف، وتأثيرات مباشرة على القدرة الشرائية. وأي حرب مهما تكون بعيدة، فهي أقرب مما نتخيل لموائدنا.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
