معركة خلافة خامنئي في إيران... مَن المؤهَّل للوظيفة؟

الجمعة 12 مارس 202111:12 ص

"أنا لست مؤهلاً لهذه الوظيفة"، عبارة قالها آية الله علي خامنئي عام 1989، في جلسة مغلقة لمجلس خبراء القيادة الذي كان منعقداً لانتخاب خليفة لآية الله روح الله الخميني.

وعلى الرغم من أن رئيس البرلمان حينذاك أكبر هاشمي رفسنجاني كان قد أعلن أن مؤسِّس الجمهورية الإسلامية هو مَن اختار خامنئي، يُظهر مقطع فيديو مسرّب من عام 1989 أن الفكرة كانت تسمية خامنئي مرشداً أعلى مؤقتاً لمدة عام واحد.

بالنسبة إلى رفسنجاني، كان تعيين خامنئي خطوة تكتيكية، في سعيه لاكتساب المزيد من النفوذ في إيران، بعد وفاة الخميني، إذ وعده المرشد الأعلى المؤقت بعدم تشكيل أي تهديد.

علي خامنئي وأكبر هاشمي رفسنجاني

وفي خطوة أولى له، قام رفسنجاني بالضغط على مجلس الشورى (البرلمان) لإلغاء منصب رئيس الوزراء ونقل السلطات التنفيذية إلى رئاسة الجمهورية. ثم نجح في إقناع مجلس خبراء القيادة بانتخاب خامنئي مرشداً أعلى مؤقتاً، وهَدَفَ من خلال انتخاب مرشح غير وازن مثله إلى الحد من سلطة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، فقد كانت خطته أن يجعل هذا المنصب شرفياً.

وبالفعل، ترشّح رفسنجاني للدورة الرابعة من الانتخابات الرئاسية في إيران وفاز. ولكن كان خامنئي حجر عثرة أمام تنفيذ خطته.

ما إنْ تولى رفسنجاني رئاسة الجمهورية حتى همّش المرشد الأعلى المؤقت موقع الرئاسة من خلال إقامة علاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، مسيطراً بالتالي على المؤسسات الأمنية والسياسية في إيران. ومدد خامنئي المنتخب مرشداً أعلى لمدة عام واحد ولايته لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

استبدال متشدد بمتشدد؟

يُعتبَر خامنئي متشدداً يميل إلى التيار اليميني في خياراته السياسية. لكنه أظهر مستوى عالياً من "المرونة"، الأمر الذي سمح له بإعادة ترتيب التحالفات الداخلية والتلاعب بانتقال السلطة في إيران وخدمة توسّع النفوذ الإيراني الانتهازي في منطقة الشرق الأوسط.

وجد خامنئي طريقته الخاصة للبقاء في منصبه. ولكن شائعة نُشرت قبل فترة على موقع تويتر تتعلق بتدهور الحالة الصحية للقائد البالغ من العمر 83 عاماً فتحت الباب أمام التكهنات حول الخلافة القريبة.

ففي كانون الثاني/ ديسمبر 2020، انتشرت تغريدة بأن "المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي نقل سلطاته إلى ابنه مجتبى خامنئي مع تصاعد المخاوف بشأن تدهور صحته، بحسب ما يفيد الإعلام الإيراني". وما إنْ بدأت التغريدة بالانتشار حتى نفى المكتب الإعلامي للمرشد الأعلى هذا الادّعاء الذي تسبب في ارتباك في صفوف رجال الدين والنخبة السياسية الإيرانية.

ولكن في ضوء هذه الحادثة، عادت مسألة الخلافة لتنتشر بين المحللين. من المؤكد أن التكهنات بشأن الخلافة تتأثر بحالة خامنئي الصحية، بالإضافة إلى الظروف السياسية. على الصعيد الداخلي، تتأثر الخلافة بدرجة كبيرة بمستوى رضا الإيرانيين وردود أفعالهم تجاه الضغط المستمر الناتج عن العقوبات الخارجية وعن عنف الدولة المستمر. وعلى الصعيد الإقليمي، تتأثر بقدرة التحمّل لدى حلفاء إيران ومرونتهم في مواجهة شركاء الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط. وعلى الصعيد الدولي، تؤثر العلاقات بين إيران والغرب من جهة، وبين إيران والصين من جهة أخرى، على استمرارية هذا النظام التوّاق إلى الاعتراف والقبول الدوليين.

اختيار الخليفة

مع ذلك، وفي سياق هذه التقلبات السياسية، تُطرَح ثلاثة سيناريوهات مختلفة لمستقبل القيادة في إيران.

يقترح السيناريو الأول أن ينتخب مجلس خبراء القيادة خليفة لآية الله خامنئي. فحسب الدستور الإيراني، تنصّ المادة 111 بشكل واضح على أنّه "]...[ في حالة وفاة القائد أو استقالته أو عزله، يتولى الخبراء بأسرع وقت تعيين القائد الجديد". في هذا الصدد، يبقى السؤال الأساسي: مَن سيخلف خامنئي؟

"قد يكون الانقلاب العسكري هو الحلّ لملء الفراغ. لم يتأثر الحرس الثوري الإيراني يوماً بانتقال السلطة السياسية في إيران. فبالتنسيق مع خامنئي، رتّبت هذه المجموعة العسكرية عمليات تزوير سياسية وتلاعبت بالانتخابات في مناسبات عدّة"

مع استمرار تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، من المرجَّح أن يشغل المنصب متشددٌ من شأنه أن يتبنى مواقف لمواجهة خصوم إيران في المنطقة. لذلك، يظهر اسمان هما إبراهيم رئيسي ومجتبى خامنئي.

رئيس مجلس القضاء إبراهيم رئيسي هو المرشح الأبرز لقيادة الجمهورية الإسلامية. شغل عدة مناصب في القضاء حتى عُيّن رئيساً للسلطة القضائية عام 2019، كما أنه يشغل منصب نائب رئيس مجلس خبراء القيادة. يُدعى رئيسي بـ"السيّد"، أي أنه من نسل النبي محمد. وهو معروف بولائه للخميني ولمبادئ الجمهورية الإسلامية التي لا يمكن تحقيقها بدون توجيهات مرشد روحي أعلى. وكان أحد أعضاء "لجنة الموت" التي ارتكبت مجزرة عام 1988 بحق ثلاثة آلاف معتقل سياسي، في نهاية الحرب الإيرانية العراقية.

إبراهيم رئيسي

أمّا المرشح الثاني فهو مجتبى خامنئي، ابن علي خامنئي. وعلى الرغم من أنه ابن المرشد الأعلى الحالي، فإنّ ذلك لا يعطيه امتياز وراثة المنصب، إذ يستوجب الأمر موافقة أغلبية أعضاء مجلس خبراء القيادة. يتأثر مجتبى بشكل كبير بأسلوب حكم والده. اتُّهم بالتلاعب بالانتخابات الرئاسية لعام 2009، ما تسببت في اندلاع الثورة الخضراء، وهي تحركات حاشدة ضخمة ضد فساد النظام تحت شعار "أين صوتي؟". وقد يثير انتخابه في هذه المرحلة الجدل لأنه يتحدى أسس الثورة الإسلامية التي تنفي جميع أشكال الانتقال الوراثي للسلطة.

مجتبى خامنئي

أنعش فوز جوزيف ر. بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الآمال حول بدء جولة جديدة من المفاوضات مع الولايات المتحدة. في ظل هذه الظروف، وكمبادرة حسن نية تجاه الولايات المتحدة والغرب، قد تدرس القيادة الإيرانية اختيار مرشد أعلى إصلاحي.

في هذه الحالة، يُطرح اسمان هما الرئيس حسن روحاني أو حسن الخميني، حفيد آية الله روح الله الخميني. يُعرَف روحاني بميله للانفتاح على الغرب، خاصة أن الصفقة الإيرانية الشهيرة قد أُبرمت أثناء فترة رئاسته. في حين يتمتع حسن الخميني بشخصية كاريزماتية ويشتهر برأيه الليبرالي الجريء في ما يتعلّق بالسياسة الإيرانية، وعُرف بانتقاده العلني للنخبة الحاكمة إذ سبق أن حذّر: "علينا أن نخشى اليوم الذي تنهار فيه المناصب وتتغير الأدوار" (2018). وقد يؤدي انتخاب الخميني إلى تهدئة المجال العام واستعادة شرعية قيم الثورة، غير أن إعادة التماسك إلى المجتمع الإيراني المشتت سيشكل تحدياً له.

"لا يمكن للحكومة الإيرانية التخلي عن سعيها لتصدير قيم الثورة وتعظيم النصر من خلال صورة الجيش القوي الذي يحمي البلاد. وبهدف الحفاظ على هذه الأسطورة، لا بد من وجود المرشد الأعلى للثورة الإسلامية"

ويظهر سيناريو آخر وهو أن مجلس خبراء القيادة قد يمتنع عن الاجتماع بحجة "عدم العثور على رجل دين مؤهل للوظيفة". وفي هذه الحالة، وبحسب المادة 111 من الدستور، "يتولى مجلس شورى مؤلف من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور جميع مسؤوليات القيادة بشكل مؤقت". مع ذلك، ليس غريباً في هذه المنطقة أن تتحول الإجراءات المؤقتة إلى ممارسات دائمة.

سيناريو تسليم سلطات المرشد الأعلى إلى مجلس ليس بالطرح الجديد. ففي السابق، ناقشت النخبة الإيرانية الحاكمة دور المرشد الأعلى والحاجة إلى تعديل الدستور إما لإلغاء المنصب أو تسليم السلطة إلى مجلس. وظنّ رفسنجاني أنه بإقناع مجلس خبراء القيادة بانتخاب خامنئي مرشداً أعلى مؤقتاً لمدة عام واحد، سيستطيع بصفته رئيس الجمهورية الجديد التأثير على البرلمان لتعديل الدستور. وبعد ثلاثين عاماً، يظهر أنه أخطأ في حساباته.

انقلاب الحرس الثوري؟

أحد أهم أسباب فشل رفسنجاني في تهميش خامنئي كانت علاقة المرشد الأعلى الوطيدة بالحرس الثوري الإيراني، حامي النظام في إيران. يُعهد إلى هذه السلطة العسكرية حماية قيم الثورة من كل التهديدات. ولكن ماذا لو كانت عدم قدرة مجلس خبراء القيادة على تسمية القائد المنتظر إحدى هذه التهديدات؟

قد يكون الانقلاب العسكري هو الحلّ لملء الفراغ. لم يتأثر الحرس الثوري الإيراني يوماً بانتقال السلطة السياسية في إيران. فبالتنسيق مع خامنئي، رتّبت هذه المجموعة العسكرية عمليات تزوير سياسية وتلاعبت بالانتخابات في مناسبات عدّة.

يتمتع الحرس الثوري الإيراني بامتيازات تفوق تلك المعطاة لمؤسسات الديمقراطية الإيرانية المزعومة. ففي فترة رئاسة أحمدي نجاد، تنامت قوة الحرس الثوري ووسّع نفوذه ليشمل النشاط الاقتصادي والسياسي. واليوم، يحتكر كبار ضباط الحرس الثوري قطاعي الاتصالات والطاقة في الدولة.

الظروف الحالية في إيران مؤاتية لانقلاب عسكري، ولكن هل هذا ما يهدف إليه الحرس الثوري الإيراني؟

في حين أن السيناريوهين الثاني والثالث ليسا خيارين مستبعدين، يظل السيناريو الأول هو الأكثر احتمالاً، إذ يحتاج كل من مجلس خبراء القيادة والحرس الثوري الإيراني إلى شخصية المرشد الأعلى.

وعلى الرغم من اختلاف الآراء في تحديد دور القائد، فإن غيابه سيؤدي إلى ارتباك في صفوف الشيعة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً أن وفاة آية الله علي السيستاني البالغ من العمر 90 عاماً حالياً قد تخلق أيضاً فراغاً في السلطة في النجف في العراق.

يعتمد نفوذ إيران في الشرق الأوسط على الجمع بين الأيديولوجيا وجماعات المقاومة العسكرية مثل حزب الله في لبنان وعدد من الميليشيات في العراق والحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى التوسّع الاقتصادي. وفيما تكافح الدولة داخلياً للحفاظ على استقرار اقتصادها، لا يمكن للحكومة الإيرانية التخلي عن سعيها لتصدير قيم الثورة وتعظيم النصر من خلال صورة الجيش القوي الذي يحمي البلاد. وبهدف الحفاظ على هذه الأسطورة، لا بد من وجود المرشد الأعلى للثورة الإسلامية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard