مسلسل

مسلسل "جناية حب"... حين يصبح الزمن شريكاً في الجريمة

حياة نحن والتنوّع

الثلاثاء 3 مارس 20264 دقائق للقراءة

لا يمكن وصف المسلسل الكويتي "جناية حب" بأنه دراما عاطفية تدور حول أربعة أشخاص (نواف، نادية، مناير وعامر) فحسب، بل هو محاولة لفهم كيف يتورّط الإنسان في مشاعره حين يؤجل الاعتراف بها.

هذا العمل الذي استند إلى رواية "السندباد الأعمى" للكاتبة بثينة العيسى، هو من بطولة هيا عبدالسلام، بشار الشطي، حسين المهدي، روان مهدي وغيرهم وإخراج سعيد الماروق، هذا التحديد ضروري لأن قوة العمل تنبع من تضافر هذه العناصر لا من اختزالها في اسم واحد.

والأهم أن المسلسل لا يتوقّف عند زمنٍ بعينه، إذ تمتدّ أحداثه من الثمانينات مروراً بالتسعينات وصولاً إلى وقتنا الحالي، وهذا الامتداد ليس إضافة زمنية فحسب، بل جوهر الفكرة التي عالجها درامياً الكاتب المصري بلال فضل ومفادها يتمحور حول ما نؤجّله في مرحلة سيعود إلينا في مرحلة أخرى أكثر وضوحاً وربما أشدّ قسوة.

من الرواية إلى الشاشة

في "السندباد الأعمى"، العمى حالة وجودية: شخصيات تسير وهي تظن أنها لا تُرى، فالرواية تعتمد على تيار داخلي وتأملات نفسية عميقة، حيث الخطأ ليس حدثاً بل وعياً متأخراً، أما في "جناية حب" فالعمى يتحوّل إلى زمن.

لا يمكن وصف المسلسل الكويتي "جناية حب" بأنه دراما عاطفية تدور حول أربعة أشخاص فحسب، بل هو محاولة لفهم كيف يتورّط الإنسان في مشاعره حين يؤجل الاعتراف بها

واختيار فترة الثمانينات والتسعينات إلى وقتنا الحالي لم تكن كديكور نوستالجي، بل كشرط درامي لفهم التأجيل، ففي الثمانينات كانت تُدار العاطفة بالصمت، وفي التسعينات، بعد الغزو العراقي للكويت، يتغير الإيقاع النفسي للمجتمع، وتنكشف هشاشة العلاقات فيه، دائماً الحرب قادرة على كشف كل شيء.

فإذا كانت الرواية تشتغل على الداخل الفردي، فإن المسلسل يوسّع الدائرة لتشمل البنية الاجتماعية، فالحب الذي كانت نهايته جريمة لم يفشل لأنه هش بل لأنه نشأ في بيئة لا تسمح له بأن يُقال بصراحة.

إدانة التراكم لا اللحظة

يكتب المسلسل جريمته على مهل، لا يسأل من الفاعل؟ بقدر ما يسأل كيف وصلنا إلى هنا؟ فالسرد يعتمد على تفاصيل صغيرة، حوار مقتصد، صمت في أحيان كثيرة، نظرة مُحمّلة تراكمات ستصنع الانفجار، والسحر فيه أنه لا يسعى الى التبرير ولا تقديم عظات، بل يضع الشخصيات أمام نتائج خياراتها، فالجريمة هنا لا تُبنى على مفاجأة بل على تراكم، هنا يتورط المشاهد مع الأحداث التي يجب أن يكون يقظاً فيها، وهذا لبّ السحر في هذا العمل حيث يصبح المشاهد جزءاً من تتبع التصاعد الدرامي.

الزمن في هذا المسلسل، المكوّن من سبع حلقات والذي يعتبره البعض من أقوى الأعمال الدرامية في شهر رمضان، هو بطل وليس خلفية، فهو يتعامل مع تفاوت المراحل بوصفها عاملاً نفسياً، ففي الثمانينات، كانت الكويت تعيش استقراراً اقتصادياً واضحاً، يقابله توتر خفي في البنية الاجتماعية يتمثل في انفتاح يتسارع وتقاليد تحاول تثبيت موقعها في نفس الوقت تريد أن تتحرر من قيود كثيرة.

في هذا المناخ، تُدار العاطفة بالصمت، وتُؤجل الأسئلة، وتتقدم السمعة على الحقيقة، فالحب موجود، لكنه غير مُعلَن، والرغبة حاضرة لكنها مراقَبة، ثم تأتي التسعينات كقطيعة لا كامتداد نتيجة الغزو العراقي للكويت مباشرة، فتصبح الشخصيات أكثر هشاشة وفكرة الفقد تسيطر على المشاعر في حضرة محاولات يائسة لإعادة ترميم ما انكسر، هنا تتعرّى العلاقات، فما كان الصمت يحميه يصبح عبئاً وما كان مؤجلاً يطالب بثمنه.

اختيار فترة الثمانينات والتسعينات إلى وقتنا الحالي لم تكن كديكور نوستالجي، بل كشرط درامي لفهم التأجيل، ففي الثمانينات كانت تُدار العاطفة بالصمت، وفي التسعينات، بعد الغزو العراقي للكويت، يتغير الإيقاع النفسي للمجتمع، وتنكشف هشاشة العلاقات فيه، دائماً الحرب قادرة على كشف كل شيء

فبين زمنٍ علّم الشخصيات الكتمان وزمن فرض المواجهة دون استعداد بسبب الحرب وما نتج منها، تحضر "الجناية "بوصفها نتيجة منطقية.

أهمية إدارة المخرج سعيد الماروق للشخصيات في العمل، تكمن في أنه يخلق حالة عدم انحياز من المشاهدين، فالجميع تحت المجهر والجميع شركاء بدرجات متفاوتة. الماروق في هذا العمل فضّل إدارة تصدير المراقبة على الانفعال، الكاميرا قريبة، الإيقاع متأنٍ، والتصاعد الدرامي غير صاخب فالجريمة حالة نفسية تتكوّن لا حدثاً يُنفذ في لقطة.

"جناية حب" عمل يفهم أن بعض الجرائم لا تبدأ بسكين، بل بزمنٍ لا يسمح بالاعتراف، الثمانينات علّمت الشخصيات الصمت، والتسعينات كسرت الوهم، وما بعدها نتيجة، هو لا يعد بخاتمة مريحة ولا بحكم أخلاقي مباشر، مسلسل يكتب جريمته بذاكرة دقيقة، ويثق بمشاهد مستعد لأن يُنصت، وهذا تحديداً ما يمنحه فرادته عن باقي الأعمال.



رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image