30 ليلةً من التكرار… ماذا حدث لموسم رمضان؟

30 ليلةً من التكرار… ماذا حدث لموسم رمضان؟

مدونة نحن والتنوّع

الثلاثاء 24 فبراير 20268 دقائق للقراءة

في موسم رمضان الدرامي، في كلّ مهرجان غنائي، وفي كلّ رفّ أدبي، نلمح وجهاً مألوفاً يعود إلينا من الماضي: أغانٍ أُعيد توزيعها، مسلسلات أُعيد تمثيلها، روايات أُعيد طبعها، ونجوم لا يكفّون عن العودة، كأنّهم الأشباح الوحيدة التي لم نغلق بابها بإحكام.

لا يكاد يمرّ عام إلا ويُعلَن فيه عن نسخة جديدة من عمل قديم، أو معالجة معاصرة لحكاية سبق أن عشناها، أو استدعاء لزمن يُقال عنه إنه كان أجمل، أصدق، وأعمق.

المسألة لم تعد مجرد تحية وفاء للتراث، ولا محاولة لإعادة قراءة عمل كلاسيكي بمنظور حداثي. ما يحدث في كثير من الأحيان هو شيء مختلف: إعادة إنتاج خالية من المخاطرة، تكرار محسوب، واستثمار مضمون في ذاكرة الجمهور.

نحن لا نحتفل بالنوستالجيا كما تفعل ثقافات أخرى، بل نغرق فيها حتى أعناقنا، ندمنها، ونستبدل بها كل محاولة للمستقبل.

كأنّ خيالنا أصابه العطب. كأننا فقدناه في حادث طريق، ولم يتوقف أحد عنده، ولم يُقِم له أحد جنازةً.

نلوذ بما نعرف

النوستالجيا في أصلها ليست خطراً. هي شعور إنساني طبيعي، يربط الإنسان بماضٍ دافئ، بطفولة مطمئنة، وبأغنية كانت ترافقه في أوّل حب، أو بمشهد سينمائي شاهده مع أبيه في ليلة بعيدة. لكن حين تتحول النوستالجيا إلى آلية إنتاج ثقافي مستدامة، وإلى سياسة غير معلنة لإدارة الذوق العام، تصبح مرضاً عضوياً في بنية الإبداع.

في رمضان تحديداً، حيث تُقاس قيمة الأعمال في ثلاثين ليلةً، وتتكدّس المعايير حول "التراندات" لا عمق الأثر، يبدو استدعاء نصّ قديم أو "فورمات" ناجح، ضرباً من التأمين التجاري... لماذا؟

المشكلة ليست في أن نعود إلى الماضي، بل في أن نعجز عن مغادرته. أن نعيد كتابة الأغاني ونمجّدها، ونعيد إنتاج الأفلام والمسلسلات القديمة لا لنمنحها بُعداً حداثياً، بل لأننا لا نعرف كيف نكتب عملاً جديداً. أن نعود إلى نجيب محفوظ ويوسف إدريس لا كقرّاء جدد يسائلون النصوص، بل كمقلّدين يردّدون نغمات الأصيل في محاولة يائسة لصنع طيف جديد من ظلّ قديم.

قد يُقال إنّ السبب اقتصادي. شركات الإنتاج تبحث عن المضمون، عن اسم معروف يضمن عائداً إعلانياً، وعن حكاية مجرّبة لا تفاجئ السوق. وقد يُقال إنّ الجمهور يريد ما يعرفه، وإنّ الأذواق تميل إلى المألوف، والمخاطرة مكلفة. كلّ هذا صحيح جزئياً. لكن الحقيقة ربما أعمق من الحسابات المالية، وأخطر من منطق السوق.

نحن نعيش عصر انكسار خيالي جماعي. أمّة خرجت من القرن العشرين مخلخلةً، مثقلةً بالهزائم السياسية والاقتصادية، وفاقدةً الحلم الجامع. حين يغيب المشروع الكبير، تغيب معه القدرة على التخيّل. وحين لا نملك صورةً واضحةً للمستقبل، يصبح الماضي ملاذاً آمناً.

في غياب أفق مشترك، نلوذ بما نعرف. نستعيد الأغاني التي كانت تُعزف قبل أن تتكاثر الخيبات، ونشاهد المسلسلات التي كانت تُعرَض في زمن أقلّ ارتباكاً، ونقرأ الروايات التي كُتبت في لحظة كان فيها الكاتب يعتقد أنّ التغيير ممكن.

الماضي، في هذه الحالة، ليس مجرد ذكرى، بل تعويض نفسي عن حاضر مضطرب ومستقبل غامض. لكنّ الثقافة التي تعيش على التعويض لا تنتج عالماً جديداً، هي تكتفي بترميم الصور القديمة.

مشكلتنا ليست فقط في الإبداع، بل في التوجّه العام. نكتب ونغنّي ونصوّر بينما نظلّ نحدّق في المرآة الخلفية. نسير عكس السير، ونتساءل بدهشة: لماذا لا نصل؟ نكتب عن "الزمن الجميل" أكثر مما نحلم بزمن قادم. نغنّي "أهواك" أكثر مما نهوى شيئاً جديداً. نستعيد الماضي لا من باب الوفاء، بل من باب العجز عن التخيّل.

احتكار الذوق

الخيال لا يولَد من فراغ. هو يحتاج إلى بيئة تسمح بالمجازفة، وإلى مساحة يمكن فيها للفنان أن يخطئ دون أن يُتّهم، وأن يجرّب دون أن يُقصى، وأن ينتقد دون أن يُحاصر بالسخرية أو التجاهل. الإبداع الحقيقي لا ينشأ في مناخ الخوف، ولا في ظلّ احتكار الذوق، أو تحت سقف حسابات ضيّقة ترى في كل تجربة جديدة تهديداً لا فرصة.

هنا تظهر مشكلة أخرى: الاستحواذ واحتكار السلعة. في كثير من المجالات الثقافية، لا يتعلق الأمر فقط بتفضيل القديم، بل بإغلاق المجال أمام الجديد. الاستحواذ لا يعني دائماً النجاح بقدر ما يعني الاستعداد لإحكام السيطرة، وعدم ترك مساحة، ولو ضئيلة، للتنافس. حين تسيطر جهة واحدة على المنصّات، أو حين تتكرّر الأسماء نفسها في كل موسم، لا لأن أصحابها هم الأفضل بالضرورة، بل لأنهم الأقدر على البقاء داخل الدائرة، فإنّ الإبداع يتحوّل إلى حلبة مغلقة.

رمضان الذي يُفترض أن يكون ذروة الخيال الدرامي، يغدو مرآةً لقلق السوق وخوفه من المغامرة، أكثر مما هو احتفال بابتكار يفتح أفقاً مختلفاً للمشاهد.

احتكار الذوق أخطر من احتكار السلعة؛ لأنّ السلعة يمكن استبدالها، أمّا الذوق فإذا تمّ توجيهه باستمرار نحو المألوف، فقد يفقد قدرته على استقبال المختلف. حين يتربّى جمهور كامل على إعادة الإنتاج، سيشعر بالقلق أمام أيّ عمل لا يشبه ما اعتاده. وهنا ندخل في دائرة مفرغة: المنتجون يقولون إنّ الجمهور لا يريد الجديد، والجمهور لا يرى الجديد أصلاً كي يريده.

ليست كل إعادة إنتاج خطأ. في تاريخ الفن العالمي، هناك أعمال أُعيد تقديمها بجرأة، وأضيف إليها منظور مختلف أو قراءة سياسية معاصرة، أو معالجة تقنية مبتكرة. الفرق يكمن في النية والرؤية. هل نعيد العمل لأنّ لدينا ما نقوله، أو لأننا لا نملك شيئاً آخر نقوله؟ هل الإعادة هنا حوار مع الماضي أو هروب من المستقبل؟

نحن بحاجة إلى نقد جريء يقول بوضوح: ليس كلّ ما ورثناه يصلح للعيش الدائم. التراث ليس مقدساً بمعنى الجمود، بل بمعنى الحوار. يمكن أن نختلف معه، أن نعيد تأويله، أن نضعه في سياق جديد. أمّا أن نحوّله إلى صنم نعيد صقله كلّ عام، فهذا قتل مزدوج: قتل للتراث نفسه، وقتل لإمكانية التجديد.

المسألة أيضاً تربوية. كيف نربّي جمهوراً يرى الجمال في شيء لم يرَه من قبل؟ كيف نقنعه بأنّ الدهشة قيمة، وأنّ الارتباك أمام عمل جديد ليس دليلاً على رداءته، بل على اختلافه؟ الذوق يتشكل بالتعرّض، بالتنوّع، وبالمقارنة. وحين تُغلق النوافذ كلها إلا نافذة الماضي، سيظنّ المشاهد أنّ الهواء لا يأتي إلا منها.

ألبوم مغلق

نحتاج إلى منصّات تؤمن بما هو جديد، ولا تكتفي بإعادة تسويق القديم. نحتاج إلى مؤسسات تمنح الفرصة للأصوات الشابّة، لا باعتبارها زينةً موسميةً، بل باعتبارها استثماراً طويل الأمد. نحتاج إلى سياسات ثقافية ترى في التجريب ضرورةً، لا رفاهية.

والأهم، نحتاج إلى شجاعة فردية. كل كاتب يقرّر أن يسلك الطريق المضمون لأنه أسهل، يساهم، ولو دون قصد، في تكريس هذا الجمود. وكلّ منتج يرفض نصاً مختلفاً لأنه لا يشبه ما نجح سابقاً، يعمّق الأزمة. وكلّ ناقد يكتفي بمدح المألوف لأنه يحظى بإجماع، يفقد دوره الحقيقي.

الخيال ليس ترفاً، إنه وقود الشعوب الحيّة. الأمم التي تتقدّم هي تلك التي تجرؤ على تصوّر عالم لم يوجد بعد، ثمّ تحاول، عبر الفنّ والعلم والسياسة، أن تقترب منه. أمّا الأمم التي تكتفي باستعادة صورها القديمة، فتعيش في ألبوم مغلق، تتصفح الصور نفسها، وتبكي على وجوه لم تعُد كما كانت.

ماذا لو جرّبنا؟

السؤال الحقيقي ليس: لماذا نعيد إنتاج الماضي؟ بل: لماذا نخاف من إنتاج المستقبل؟ ما الذي يجعلنا نطمئنّ إلى المكرّر ونرتاب من المختلف؟ هل هو فقدان الثقة؟ أو تعب تاريخي طويل؟ أو نظام ثقافي لا يكافئ إلا الطاعة والتشابه؟

ربما كلّ ذلك معاً.

حين يتربّى جمهور كامل على إعادة الإنتاج، يشعر بالقلق أمام أيّ عمل لا يشبه ما اعتاده. وهنا ندخل في دائرة مفرغة: المنتجون يقولون إنّ الجمهور لا يريد الجديد، والجمهور لا يرى الجديد أصلاً كي يريده

لكن الاعتراف بالمشكلة هو البداية. حين ندرك أننا نسير عكس السير، يمكننا على الأقل أن نتوقف، أن نراجع الاتجاه، وأن نسأل أنفسنا: ماذا لو جرّبنا؟ ماذا لو فشلنا؟ ماذا لو خسرنا موسماً وربحنا جيلاً؟

إعادة الإنتاج قد تمنحنا ربحاً سريعاً، وتصفيقاً مألوفاً، وإحساساً مؤقتاً بالأمان. لكنها لا تصنع مستقبلاً. المستقبل يحتاج إلى خيال، والخيال يحتاج إلى شجاعة، والشجاعة تحتاج إلى مساحة.

إن لم نفتح تلك المساحة، سنظلّ نعيد الحكاية ذاتها بأسماء مختلفة وأداء أقلّ. سنبقى نمثّل مسرحيةً بلا جمهور حقيقي، لأنّ الجمهور ذاته سيتحوّل إلى متفرّج شارد يحفظ الجمل قبل أن تُقال.

وفي النهاية، لن يكون السؤال: متى تُسدل الستارة؟ بل: هل كان هناك عرض جديد أصلاً؟

يتجلّى هذا الميل إلى إعادة الإنتاج بأوضح صوره في الموسم الرمضاني، حيث تتحول الدراما إلى سباق كثيف على نسب المشاهدة والإعلانات، وتصبح المخاطرة رفاهيةً لا يحتملها المنتجون. في رمضان تحديداً، حيث تُقاس قيمة الأعمال في ثلاثين ليلةً، وتتكدس المعايير حول "التراندات" لا عمق الأثر، يبدو استدعاء نص قديم أو "فورمات" ناجح، ضرباً من التأمين التجاري. فالموسم الذي كان يوماً مختبراً لولادة كلاسيكيات جديدة، صار في كثير من الأحيان ساحةً لإعادة تدوير المألوف: أجزاء لاحقة بلا ضرورة فنية، ومعالجات جديدة لحكايات استُهلكت، وحنين محسوب إلى نجاحات سابقة.

هكذا يغدو رمضان، الذي يُفترض أن يكون ذروة الخيال الدرامي، مرآةً لقلق السوق وخوفه من المغامرة، أكثر مما هو احتفال بابتكار يفتح أفقاً مختلفاً للمشاهد.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Popup Image