ماذا ينتظر إيران في 2026؟ أبرز 5 سيناريوهات

ماذا ينتظر إيران في 2026؟ أبرز 5 سيناريوهات

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 13 يناير 20269 دقائق للقراءة

لن تمرّ الاحتجاجات التي نراها في الشارع الإيراني مرور الكرام. وبغضّ النظر عن نتيجتها، فما قبلها لن يكون كما بعدها؛ هذا على الأقلّ ما تُجمع عليه التوقعات العالمية، بعيداً عما ستسفر عنه.

أمام هذا المفترق التاريخي، تخرج الأسئلة الصعبة: هل سيستمرّ النظام قائماً مهما تصاعدت الضغوط؟ هل يُمكن أن تنقل موجات الاحتجاج إيران إلى مرحلة سياسية جديدة؟ وهل ينجح القمع في إسكات الشارع أو يولّد موجات جديدةً؟

في هذا التقرير، يتوقف رصيف22 أمام أبرز توقعات مراكز الأبحاث والدراسات العالمية حول مستقبل الاحتجاجات في إيران خلال 2026.
تشاتام هاوس… أي ضربة خارجية ستقوي النظام

في الورقة المنشورة في 12 كانون الثاني/ يناير 2026، يرى المركز أن مصير إيران في المدى القريب غير محسوم، ولا يمكن الجزم بأنّ البلاد تتجه إلى سقوط وشيك للنظام أو إلى استقرار نهائيّ. بمعنى آخر، إيران تدخل مرحلة عدم يقين سياسي، لا مرحلة انتقال واضحة المعالم.

أبرز السيناريوهات هو أن إيران دخلت مرحلة "عدم اليقين السياسي"، حيث يبقى التهديد الحقيقي من اتساع الاحتجاجات وتآكل السيطرة وتراجع الولاءات، بينما قد تؤدي أي ضربة خارجية إلى إنقاذ النظام عبر الالتفاف حوله أو إعادة إنتاجه بصيغة أكثر قسوة

بحسب تشاتام هاوس، التهديد الوجودي الحقيقي للنظام الإيراني هو داخلي بالدرجة الأولى، ويتمثّل في اتساع رقعة الاحتجاجات وتآكل السيطرة في الأطراف، لا في تهديدات ترامب أو إسرائيل. والعامل الحاسم في تقرير مستقبل النظام هو ما يجري في الأحياء والمحافظات، وكذلك في الاحتفاظ بـ"الولاء" داخل مؤسسات الدولة، أما الضغوط الخارجية فلن تتمكّن من إحداث تغيير فعلي إذا لم تترافق مع "تصدّعات داخلية".

وترى الورقة أنّ التدخّل العسكري هو ما قد "ينقذ النظام"؛ إذ إنّ ضربةً محدودةً قد تؤدي إلى "الالتفاف حول العلم"، بينما قد يؤدي تصعيد أعنف أو اغتيال رأس النظام إلى إعادة إنتاج السلطة بصيغة أكثر قسوةً، تحت قيادة الحرس الثوري.

مركز المستقبل… ما من سقوط وشيك للنظام

في توقعاته، يشير مركز المستقبل للدراسات الإستراتيجية وتقييم المخاطر، إلى أنّ الاحتجاجات الجارية هي اختبار مركزي لقدرة الدولة على إدارة ما تُسمّى "كلفة الاستقرار"، في ظلّ اقتصاد محدود الهوامش ونظام سياسي مركّب. التوقع الأساسي هو أنّ الدولة تمتلك خبرةً وأدوات تمكّنها من الاحتواء الأمني والتكتيكي، لكنها في المقابل تواجه ضغوطاً معيشيةً وبنيويةً تجعل أيّ نجاح ميداني مؤقتاً وهشّاً. لذلك، يرجّح المركز سيناريو الاحتواء مع تنازلات محدودة بدل الانهيار السريع أو التغيير الجذري، مع بقاء جذور الغضب قائمةً وقابلةً لإعادة التفجّر.

أما على المدى القريب، فيرى المركز أنّ الاحتمال الأرجح هو تحوّل الاحتجاجات إلى موجات متقطعة أو أشكال ضغط غير مباشرة، كالإضرابات، أو العصيان المدني سواء الجزئي أو الكلي، إذا لم يُقدَّم النظام مخرجاً اقتصادياً مقنعاً، أو خطاباً جديداً قادراً على امتصاص السخط الشعبي.

كما يحذّر من أنّ استمرار الضغوط الاقتصادية وتزامنها مع التصعيد الخارجي قد يدفعان نحو تدويل الأزمة، ما يزيد كلفة إدارتها داخلياً لكن دون تغيير حاسم.

يرى البعض أن الاحتجاجات تمثل اختباراً لقدرة الدولة على إدارة "كلفة الاستقرار"، ويرجح مركز المستقبل احتواءً أمنياً صارماً مع تنازلات محدودة لا السقوط الوشيك.

خلاصة دراسة مركز المستقبل أنّ إيران مقبلة على استقرار هشّ وما من سقوط وشيك للنظام. لكن من دون عودة إلى ما قبل الاحتجاجات، بل إلى مسار قابل للتكرار وتآكل تدريجي في الثقة والشرعية.

كارنيغي… خسارة النظام إقليمية قبل أن تكون محليةً

في توقعاتها، تشير ورقة كارنيغي حول المستقبل الإيراني إلى أنّ التحدّي الأخطر الذي يواجه إيران في المدى القريب لا يقتصر على الاحتجاجات الداخلية، برغم اتساعها، بل يتمثل في التحوّل العميق في البيئة الجيوسياسية المحيطة بها. فحتى لو تمكّن النظام من تجاوز موجة الغضب الداخلي، وهو أمر تمكّن من تجاوزه من قبل، فإنّ ما يصعب عكسه هو تفكك منظومة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران منذ 2011.

فما جرى بعد خريف 2023، من إضعاف حماس وحزب الله، وسقوط نظام الأسد، وتكريس "مناطق عازلة" إسرائيلية في كلّ من غزة ولبنان وسوريا، يعني وفق كارنيغي أنّ زمن الهيمنة الإيرانية في المشرق انتهى على الأرجح، أو على الأقلّ لم يعد قابلاً للاستعادة بالشكل السابق.

وفي القوقاز الجنوبي، يضيف التحليل أنّ إيران تواجه بيئةً إقليميةً أكثر عدائيةً وتعقيداً نتيجة صعود أذربيجان بدعم تركي إسرائيلي، وتراجع الدور الروسي، واتساع الحضور الأمريكي والغربي على حدودها الشمالية. هذه التحولات، المتزامنة مع دور مباشر لفريق ترامب في رسم ترتيبات أمنية جديدة، تضع طهران أمام واقع إستراتيجي جديد يحدّ من قدرتها على المناورة.

خلاصة كارنيغي أنّ إيران تدخل مرحلة انكماش نفوذ إقليمي طويل الأمد: قد تصمد الدولة في الداخل، لكن إيران ما بعد 2023 أضعف إقليمياً، ومحاصَرة بنظام أمني جديد، ومجبرة على التكيّف إذا أرادت الدولة الحالية النجاة.

بروكنغ… الإيرانيون يسألون عن النظام القادم

يرى مركز بروكنغ، أنّ الدولة الإيرانية دخلت منذ مطلع 2026 مرحلةً يمكن وصفها بأنها "بداية مسار ثوري طويل"، حتى لو لم تُفضِ إلى سقوط فوري للنظام. ويرى أنّ الاحتجاجات، التي انطلقت من انهيار العملة وتحوّلت سريعاً إلى شعارات سياسية معادية للنظام، تمثّل أخطر تحدٍّ داخلي تواجهه الجمهورية الإسلامية منذ 1979.

وبرغم القمع الدموي الواسع وقدرة الدولة الكبيرة على المراقبة والضبط، فإنّ بروكنغ يؤكد أن "النظام يفتقد أي مسار مستدام لمعالجة جذور الأزمة: لا حلول اقتصاديةً حقيقيةً، ولا شرعية سياسية متجددة، ولا قدرة على استعادة الهيمنة الإقليمية التي تآكلت بفعل الهزائم الخارجية". لذلك، حتى إن نجح في إخماد الشارع مؤقتاً، فإنّ الأزمة ستبقى كامنةً، لأنّ أسبابها قائمة.

مركز مثل "كارنيغي" يرى التحدي الأخطر لإيران ليس داخليًا فقط، بل في تفكك نفوذها الإقليمي منذ 2023، حيث لم تعد هيمنتها في المشرق قابلة للاستعادة،مع مواجهة بيئة إقليمية أكثر عدائية، ما يفرض عليها التكيّف مع انكماش نفوذ طويل الأمد رغم احتمال صمودها داخلياً

وفي التقدير المستقبلي، يذهب بروكنغ إلى أنّ النظام الإيراني يتجه نحو تآكل بطيء يقرّبه من الانهيار أكثر مما يبعده عنه، في سياق يشبه "الانهيار البطيء لا الانفجار السريع". ويخلص المركز إلى أنّ ما يجري ليس مجرد انتفاضة عابرة، بل تحوّل عميق في الخيال السياسي الإيراني: الإيرانيون لم يعودوا يسألون "من يحكم بعد؟"، بل "ما هو النظام الذي يمكن أن يأتي بعد الجمهورية الإسلامية"، وهو ما يجعل التغيير وإن بدا اليوم صعباً، أقرب إلى حتميّة مؤجلة منه إلى احتمال مستبعد.

رويترز… نحن أمام عام مفصلي

ترى وكالة "رويترز"، في تحليلها لما يجري في إيران، أنّ المظاهرات ليست اقتصاديةً فحسب، بل كشفت فجوةً متزايدةً بين نظام ديني هرِم ومجتمع شابّ لم يعد يرى في أولويات الدولة، من البرنامج النووي إلى دعم الأذرع الإقليمية، ما يخدم حياته اليومية. وبحسب التقرير، فإنّ أدوات النظام التقليدية القائمة على القمع المقرون بتنازلات محدودة لم تعُد مضمونة الفعالية، وأنّ "انهيار الثقة" لا يقلّ خطورةً عن انهيار الريال، مع تراجع الإيمان بالشعارات الثورية وازدياد الرفض الشعبي للخيارات الإقليمية المكلفة.

بحسب مركز "بروكنغ"، دخلت إيران دخلت مساراً ثورياً طويلاً دون سقوط فوري، ويرى أن سؤال الشارع تحول من: مَن هو الحاكم؟ إلى ما هو النظام القادم؟

على العكس من مراكز دراسات عالمية، ترى "رويترز" أنّ التغيير يبدو أقرب إلى الحتمية منه إلى الاستحالة، لكن مساره غير مضمون: وانهيار النظام ممكن لكنه ليس مؤكداً. فالقيادة، وعلى رأسها المرشد، تواجه مأزقاً بلا مخارج سهلة في ظلّ تآكل الردع الإقليمي، وضغوط داخلية متراكمة، وتهديدات خارجية تزيد الحسابات تعقيداً. وتخلص "رويترز" إلى أنّ إيران تقف أمام مفترق طويل الأمد: قد ينجح النظام في الصمود مؤقتاً، لكن كلفة البقاء ترتفع، والقدرة على إعادة إنتاج الاستقرار السابق تتضاءل، ما يجعل 2026 عاماً مفصلياً في مسار لم يُحسم بعد.

المصير ليس إيرانياً فقط

تتقاطع هذه التقديرات، على اختلاف زواياها، عند حقيقة واحدة: إيران في 2026 لم تعُد كما كانت قبل الاحتجاجات، لكن ما ستؤول إليه الأمور هو أمر لا يتجرأ على حسمه أحد. الأكيد أنّ لا سقوطاً وشيكاً ولا استقرار قريب، فما نراه هو بلد دخل إلى منطقة سياسية واقتصادية رمادية، تتعاظم كلفة الحكم، وتتراجع القدرة على إعادة إنتاج المعادلة القديمة داخلياً وإقليمياً.

فهل يملك النظام وقتاً يمكّنه من إنتاج الحلول أو بالأحرى إعادة تدويرها؟ وهل تتحول الاحتجاجات إلى مسار طويل يعيد تعريف الدولة، وبين الشارع ومؤسسات السلطة، وبين الداخل المضغوط والبيئة الإقليمية المتحوّلة؟ يبقى المستقبل الإيراني معلّقاً، لا على ما سيقوله الخارج، بل على ما سيصمد في الداخل أو يتصدع.

وفي قلب هذا المشهد المفتوح، تطفو أسئلة أبعد: هل مبادرة طهران إلى إبداء استعدادها لاستئناف المفاوضات النووية مع إدارة ترامب، محاولة لشراء الوقت وتخفيف الضغط، أو اعتراف غير مباشر بأنّ النظام بات يحتاج إلى تسوية خارجية ليحمي نفسه من الداخل؟

ثم ماذا عن الحلفاء والأذرع الإقليمية التي بُنيت على مدى عقود من لبنان إلى العراق واليمن وغزة، إذا دخلت إيران مسار مساومة كبرى، أو إذا ضعف النظام أكثر، أو حتى إذا سقط في المستقبل؟ هل تتحول هذه القوى إلى عبء تفاوضي يتمّ التخلّي عنه، أو إلى لاعبين مستقلين يبحثون عن رعاة جدد؟

سؤال المصير الإيراني أوسع بكثير من إيران نفسها.





رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

وراء كل تحقيق، قصة بحث طويلة، وفريق يراهن على الدقة، لا السرعة.

نحن لا نبيع محتوى... نحن نحكي الواقع بمسؤولية.

ولأنّ الجودة والاستقلال مكلفان، فإنّ الشراكة تعني البقاء.

Website by WhiteBeard
Popup Image