كيف ساهم الحرس الثوري في انهيار الاقتصاد الإيراني؟

كيف ساهم الحرس الثوري في انهيار الاقتصاد الإيراني؟

سياسة نحن والحرية

الجمعة 9 يناير 20269 دقائق للقراءة


القمع أو الرغيف أو الاثنان معاً؟ بغضّ النظر عن السبب الذي أشعل الشرارة الكبرى في الشارع الإيراني، وأجّج المظاهرات الأخيرة، شكّل التراجع الاقتصادي والتدهور الخدماتي الذي تعيشه إيران منذ العام 2018، عاملَين أساسيَّين في ما نراه اليوم، لتأتي مشاركة التجّار وإضرابات "البازار" في الاحتجاجات وتشير إلى لحظة "إنذار اقتصادي" بالغ الدلالة في إيران.

"بازار تبريز" تاريخياً حليف تقليدي للنظام. وخروج هذه الفئة عن صمتها يعكس وصول التدهور الاقتصادي إلى حدّ عطّل آليات السوق نفسها، من تسعير السلع إلى تقدير القدرة الشرائية، مما جعل استمرار النشاط التجاري مستحيلاً. وحين يحتجّ البازار، فإنّ الأزمة لا تعود محصورةً في الفئات الهشّة أو الشارع الغاضب، بل يعني أنها وصلت إلى قلب المنظومة الاقتصادية التي لطالما وفّرت للنظام قدراً من الاستقرار والشرعية الاجتماعية.

ارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات خانقة، وانهارت قيمة العملة المحلية بشكل غير مسبوق، ما أدى بطبيعة الحال إلى ارتفاع فاحش في أسعار سلع أساسية وكمالية، في السوق المحلي، مع تآكل القدرة الشرائية للإيرانيين.

ليس هذا فحسب، إذ تزامن ما سبق مع تراجع حادّ في جودة الخدمات العامة الأساسية، كالتعليم والصحة وإصلاحات البنية التحتية، مما فاقم السخط الشعبي الذي وجّه أصابع الاتهام إلى السياسات الحكومية.

في هذا التقرير، يرصد رصيف22 كيف أدى الانهيار الاقتصادي إلى إشعال فتيل الغضب الاجتماعي.

أثر العقوبات الأمريكية

بحسب تقرير نُشر حديثاً من المعهد الدولي للتنمية المستدامة منذ عام 2018، عانت إيران من واحدة من أشدّ حلقات التضخم المزمن في العالم النامي، مع ارتفاع سنوي للأسعار بمعدل يتراوح بين 40% و45%. لكنّ هذا التدهور تفاقم بسرعة بعد 2023، حيث بلغ التضخم ذروات تاريخية.

قفز معدل التضخم السنوي في إيران إلى نحو 43% في العام الأخير 2025، وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، فقد تسبب هذا التضخم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بمعدل 44.5%، ما أدى إلى تآكل دخل الأسر في ظل ارتفاع الكلفة وتراجع القدرة الشرائية، وتسبب في انزلاق نصف الأسر الإيرانية إلى ما دون خط الفقر.

ما سبق ليس الأسوأ. الفقراء ليسوا وحدهم المتضررين؛ فقد اتسعت رقعة الضرر أو "عدم الأمان الاقتصادي" لتشمل شرائح واسعةً من الطبقة المتوسطة، حتى إنّ 40% من الإيرانيين باتوا مهدّدين بالانزلاق نحو الفقر قريباً بحسب المصدر نفسه، ما انعكس بشكل مباشر على القيمة الشرائية للريال الإيراني.

دولا واحد بـ"40 ألف ريال إيراني"

في السنوات الأخيرة، دخل الريال دوامة هبوط متسارعة؛ بمعنى أنه فقد جزءاً هائلاً من قيمته التاريخية (نحو 20،000 ضعف قيمته خلال أربعة عقود). فقد نشرت "يورونيوز"، تقريراً اقتصادياً يقدّم مقارنةً سريعةً لفهم حجم التراجع، فقد كان الدولار يعادل نحو 70 ريالاً حين اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، أما وفق سعر صرف اليوم فقد بلغت قيمة الدولار الأمريكي 42،000 ريال إيراني.

منذ عام 2018، عانت إيران من واحدة من أشدّ حلقات التضخم المزمن في العالم النامي، مع ارتفاع سنوي للأسعار بمعدل يتراوح بين 40% و45%. لكنّ هذا التدهور تفاقم بسرعة بعد 2023، حيث بلغ التضخم ذروات تاريخية

ساهمت عوامل عدة في هذا الانهيار، على رأسها العقوبات التي قيّدت عائدات النفط والعملات الصعبة، بالإضافة إلى السياسة النقدية التوسعية التي اضطرت إليها الحكومة لتمويل عجز الموازنة عبر طباعة المزيد من النقود. كما أدّت محدودية احتياطيات النقد الأجنبي وصعوبة وصول إيران إلى أموالها في الخارج، إلى إضعاف الثقة بالريال بشكل حادّ. أما داخلياً، فيعتقد جزء كبير من المعارضة الإيرانية أنّ استثمار طهران في الحروب والجماعات الخارجية في سوريا وإيران ولبنان ساهم في إفقار المواطنين.

كانت النتيجة ارتفاعاً انفجارياً في أسعار السلع المستوردة، واضطراباً في السوق؛ فإيران تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية حاجاتها من الغذاء والدواء والمواد الخام، ومع كل انخفاض في سعر الريال، كانت تكلفة هذه السلع ترتفع بشكل فوري، ما غذّى دوامة التضخم وأوقع المستهلك الإيراني ضحية ارتفاعات متتالية في الأسعار.

وكما هي الحال في كل تراجع اقتصادي، أشعل الانهيار النقدي موجات من الذعر المالي بين المواطنين، فسارع كثيرون منهم إلى تحويل مدّخراتهم إلى عملات صعبة أو أصول ثابتة، مما زاد الضغط على الريال. وتبدّدت المدّخرات وتبخرّت قيمة الرواتب، وانهارت القدرة الشرائية للأسر أمام أسعار ترتفع بوتيرة جنونية.

الصحة والتعليم والبنية التحتية

في ظلّ التضخم الذي يلتهم الموازنات الحكومية، وتراجع عائدات الدولة، والعقوبات، وانهيار العملة، دفعت الخدمات الأساسية الثمن، فخرج المعلّمون في إضرابات واحتجاجات متكررة خلال السنوات الأخيرة، مطالبين برفع الأجور وتحسين ظروف العمل، إلا أنّ الردّ كان في كثير من الأحيان أمنياً.

قفزت أسعار بعض الأدوية إلى 700% خلال عام واحد، ونتيجةً لذلك يواجه آلاف المرضى الإيرانيين نقصاً في أدوية مثل الإنسولين وعلاجات السرطان والتصلّب المتعدد.

أما قطاع الصحة، فشهد هو الآخر أزمةً خطيرةً في توفر الأدوية والمستلزمات الطبية. عقب إزالة الدعم عن استيراد الأدوية في 2022، تضاعفت أسعار المواد الخام الطبية سبعة أضعاف ما شلّ إنتاج الأدوية محلياً، وتسبب في نقص حادّ في الأدوية الأساسية في المستشفيات والصيدليات.

وتشير تقارير إلى أنّ أسعار بعض الأدوية قفزت بمعدلات تصل إلى 700% خلال عام واحد، مما جعل الحصول على العلاج أمراً شبه مستحيل لشريحة واسعة من المرضى. ونتيجةً لهذه الأزمة، يواجه آلاف المرضى من الإيرانيين نقصاً في أدوية حيوية مثل الإنسولين وعلاجات السرطان والتصلّب المتعدد، مع كلفة علاج باهظة تدفع بكثيرين إلى حافة الإفلاس.

على صعيد البنية التحتية والخدمات الأساسية، تهالكت مرافق حيوية كشبكات الكهرباء والمياه والطرق. كما تشهد البلاد موجات من انقطاع الكهرباء خلال ذروة الطلب في فصلَي الصيف والشتاء، بسبب عجز البنية التحتية الكهربائية عن تلبية الطلب، كما تفاقمت أزمات شحّ المياه في مناطق عدة (خاصةً إقليم خوزستان)، نتيجة شبكات قديمة وإدارة مائية متعثرة.

وكان البنك الدولي قد أشار إلى هذا التراجع في تقرير له، وإلى أنّ استمرار نقص المياه والطاقة في إيران يعطّل النشاط الاقتصادي ويؤثر على حياة السكان، مع التذكير بوجود عوامل ضاغطة أخرى كتدهور معايير السلامة والبناء نتيجة الفساد والإهمال في قطاع الإنشاءات، ما جعل المدارس والمستشفيات والطرق ضحية نقص التمويل وسوء الإدارة، وزاد شعور المواطنين بالحرمان والظلم.

دور للحرس الثوري في تعميق الأزمة

مع تفاقم الضغوط المعيشية، تحوّل الاقتصاد الإيراني إلى ساحة صراع مباشرة بين الدولة والمجتمع. فبينما أصرّ النظام على تحميل العقوبات الأمريكية كامل المسؤولية عن ارتفاع الأسعار وانهيار العملة، رفض الشارع هذا التفسير الأحادي، رابطاً الأزمة بالفساد وسوء الإدارة.

خلال احتجاجات 2022 و2023، عبّر المتظاهرون بوضوح عن قناعتهم بأنّ السياسات الحكومية، لا العقوبات وحدها، دفعت البلاد إلى حافة الانهيار، ورفعوا شعارات سياسيةً غير مسبوقة تعكس تآكل الشرعية، ورفع المتظاهرون شعارات تربط بين تردّي الاقتصاد وفساد القيادة السياسية، حيث سُمعت هتافات مثل "الموت للدكتاتور" و"الموت لخامنئي" في شوارع عدد من المدن الإيرانية.

في المقابل، ردّت السلطة بمقاربة أمنية، فقُمعت الإضرابات العمالية واحتجاجات المعلمين بالاعتقالات بدل الإصلاح والحوار. وبالتوازي، تعزز الدور الاقتصادي للمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري، التي باتت تهيمن على قطاعات حيوية وتتمتع بامتيازات خاصة في الوصول إلى العملة الصعبة، ما خلق اقتصاداً مزدوجاً غير خاضع للرقابة.

تعزز الدور الاقتصادي للمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري، التي باتت تهيمن على قطاعات حيوية وتتمتع بامتيازات خاصة في الوصول إلى العملة الصعبة، ومع استمرار العقوبات وتراجع القطاع الخاص، بات المواطن يشعر بأنّ النظام يعمل لمصلحة نخبة ضيقة، فيما يتحمل باقي المجتمع كلفة الانهيار

ومع استمرار العقوبات، ازداد نفوذ هذه الشبكات، وتراجع القطاع الخاص المدني، واتسعت الفجوة الاجتماعية. هكذا بات المواطن يشعر بأنّ النظام الاقتصادي يعمل لمصلحة نخبة ضيقة، فيما يتحمل المجتمع كلفة الانهيار، ما حوّل الأزمة الاقتصادية إلى وقود دائم للاحتجاج والصدام السياسي.

ما قبل عقوبات 2018 الشاملة

لفهم أبعاد التدهور الحالي، تجدر مقارنة الفترة الراهنة بالفترة التي سبقت إعادة فرض العقوبات الأمريكية الشاملة عام 2018، بعد إبرام الاتفاق النووي عام 2015، ورفع كثير من العقوبات في 2016، حيث شهد الاقتصاد الإيراني تحسّناً ملحوظاً.

عاد إنتاج النفط إلى الارتفاع مما حرّك عجلة النمو؛ وحققت إيران نمواً اقتصادياً قوياً في 2016 بلغ نحو 12% مدفوعاً بطفرة الصادرات النفطية، تلاه نمو بنحو 3.7% في 2017، كما تراجعت معدلات التضخم في تلك الفترة الذهبية القصيرة إلى أدنى مستوى تضخم تشهده البلاد منذ عقود.

لم تدُم تلك الانفراجة طويلاً؛ فقد شكّل انسحاب الولايات المتحدة الأحادي من الاتفاق النووي في أيار/ مايو 2018، نقطة تحول جذريةً أعادت الاقتصاد الإيراني إلى دوامة الانكماش.

خلال الفترة 2022-2026، تلاقى أثر العقوبات الخارجية الخانقة مع الأخطاء والسياسات الداخلية ليُنتجا عاصفةً كاملةً ضربت الاقتصاد الإيراني في الصميم. انعكس هذا التدهور المالي والاقتصادي بشكل مباشر على الحياة اليومية للإيرانيين، فأفرغ موائدهم وهدد صحتهم وتعليم أبنائهم، وقوّض الثقة بقدرة الدولة على تأمين أبسط مقومات العيش الكريم.

يرى المعهد الدولي للتنمية المستدامة، أنّ الخروج من النفق لن يكون ممكناً دون إصلاحات جذرية تشمل ضبط التضخم عبر كبح التمويل بالعجز، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإحياء قطاعات الإنتاج بعيداً عن هيمنة شبكات الفساد. لكن هذه الخطوات تبقى صعبةً في ظل البيئة السياسية الحالية.

ما هو واضح أنّ معاناة الإيرانيين الاقتصادية تحولت إلى عامل تفجير اجتماعي وسياسي لا يمكن تجاهله؛ فحين يصبح الخبز نادراً وعملة البلد بلا قيمة، تشتعل المطالب في الشوارع، ما لم يحدث تغيير حقيقي يعيد للاقتصاد عافيته وللمواطنين كرامتهم.



رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard
Popup Image