اليمنيون يسخرون من الحرب بالنكتة

اليمنيون يسخرون من الحرب بالنكتة

حياة نحن والتنوّع

الثلاثاء 17 فبراير 20266 دقائق للقراءة

لم تستطع الحرب أن تصادر روح النكتة من ضمن ما صادرته من اليمنيين. وظلت للفكاهة سحرها القادر على جمع الولاءات الكثيرة حولها، وتبسيط المشهد السياسي المعقّد.

بين من يؤيد السعودية، ومن يؤيد الإمارات، ومن يؤيد الحوثيين، تظل الدعابة قادرة على جمع الناس حول ضحكة واحدة، وعلى تقريب مسافة الغفران والتصالح بينهم، فالنكتة اليمنية هي مساحة مشتركة عابرة للانقسامات، وهذا ما أثبتته في الحرب.

شهد اليمن خلال نهاية العام الماضي وبداية الحالي أحداثاً دراماتيكية متسارعة، بدأت بزحف قوات المجلس الانتقالي الجنوبي "المنحل" المدعوم من الإمارات، والمطالِب بالانفصال، مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2025 للسيطرة على محافظات شرق اليمن، عبر عملية عسكرية أُطلق عليها ''المستقبل الواعد "، وانتهت بهزيمة تلك القوات في أقل من شهر، وإعلان دولة الإمارات سحب قواتها من اليمن، ثم هروب رئيس الإنتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي إلى أبوظبي، بعد تدخل السعودية دعماً للحكومة اليمنية، التي أطلقت بدورها عملية استلام المعسكرات، وانتهت بالسيطرة على جميع المحافظات الشرقية، والجنوبية، من المهرة إلى عدن، وحتى سقطرى.

وأمام هذا الحال، لجأ كثير من أهل اليمن، في منصات التواصل الإجتماعي، وفي الحياة اليومية، إلى الفكاهة والنكتة في الحرب وعليها، في محاولة منهم للتنفيس ربما، والهروب من الواقع، كحال كل الشعوب التي تعاني من اضطرابات، ووضع اقتصادي صعب.

هذا التقرير لا يسعى إلى تقييم السياسيين والعسكريين في اليمن، أو التعريف بهم وبانتماءاتهم، فهذا شأن ضجر منه الناس، لكنه يتوقف عند النكتة السياسية، التي يهرب بها اليمني من أزمات بلده، ومعيشته الصعبة.


بمحض إرادتنا

هذه العبارة وردت في بيان وزارة الدفاع الإماراتية في 30 كانون الأول/ ديسمبر2025، الذي أعلنت فيه خروج ما تبقى من قواتها في اليمن، ومع إن الإجراء جاء بعد تصعيد كبير لقوات الانتقالي للسيطرة على حضرموت والمهرة، بدعم مباشر من أبوظبي.

وبدعم سعودي صرح الرئيس اليمني رشاد العليمي بإعطاء الإمارات مهلة 24 ساعة لخروج قواتها من اليمن؛ إلا أن البيان قال إن انسحاب الإمارات جاء بمحض إرادتها! الأمر الذي أثار سخرية واسعة.

تحولت جملة "بمحض إرادتنا" التي استخدمتها الإمارات لدى انسحابها من اليمن إلى مادة يومية للنكتة، وصار اليمنيون يقولون: "سأذهب إلى النوم بمحض إرادتي"، و“خسر ريال مدريد بمحض إرادته"

وسرعان ما تحولت عبارة "بمحض إرادتنا" إلى ترند يتردد في المنصات، واقتباس ساخر يطلق عبره يمنيون مئات النكات والإفيهات والإسقاطات. من قبيل: "سأذهب إلى النوم بمحض إرادتي"، و"خسر ريال مدريد الكلاسيكو بمحض إرادته".

تفاجأ أنصار وخصوم أبو قاسم هو عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تدعمه الإمارات بسقوطه السريع، بعد أن فرّ إلى أبوظبي، عقب انكسار قواته في محافظات المهرة وحضرموت (شرقاً).

قال الشاعر: "وبنفزع جمب أبو قاسم رئيس مجلس البارود". وهي لغة رأى فيها اليمنيون الكثير من التعالي، قبل أن تحدث الانتكاسة، ليتحول اسم أبو قاسم، إلى مادة للنكتة عند البعض. والفزعة المشار إليها تعني المساندة والدعم، وقد أطلقها أحد شعراء عيدروس، عندما كانت قوات الانتقالي في عز قوتها وجبروتها، تركل كل من يعترض طريقها.


لكن النكتة المؤلمة، تتجسد في بعض الأخبار المتداولة، بأن الإمارات بدأت تفكيك بعض المنشآت والمرافق الخدمية التي كانت تتولى تشغيلها في اليمن، ومن ذلك محطات توليد الكهرباء بالألواح الشمسية.

لاحظ اليمنيون أن العميد طارق صالح عضو مجلس القيادة في اليمن، قائد قوات المقاومة الوطنية، التي كانت الإمارات تدعمها، ظل يردد المصطلح العسكري "إعادة التموضع وترتيب مسرح العمليات" في كل مناسبة تتطلب منه موقفاً حازماً.

فمثلاً قالها عندما انسحب من مواجهة الحوثيين في مدينة الحديدة (غرباً) عام 2018، وكرّرها على سبيل التبرير في بياناته الضمنية المؤيدة لتمرد المجلس الانتقالي شرق اليمن، ليطلق عليه اليمنيون "ملك التموضعات وعميدها".

أما قصة تعيين طارق صالح، وزيراً للأشغال العامة والطرق، فهي مجازية، لكونه أعلن في وقت سابق تفرغه لتعبيد وسفلتة الطرقات -إذا شي حرب حاربنا ولا رجعنا نزفلت- في مدينة المخا التابعة لمحافظة تعز، التي يحكمها خارج إطار مؤسسات الدولة، لأنه لا وجود لمعركة عسكرية يستعد لها.


تملق غير موفق… اليمن السعودي!

أثار رئيس تحرير صحيفة الثورة (الجريدة الرسمية في اليمن) الجدل والسخرية معاً؛ عندما بالغ في التملق والتودد للسعودية، في مقال افتتاحي للصحيفة في كانون الثاني/ يناير 2026، إذ نسب إلى السعودية كل تاريخ اليمن، وحضارته، وشواهده، وقال إن جميعها تدور في فُلك المملكة!

بالغ رئيس تحرير صحيفة في تمجيد السعودية، حتى نسب إليها تاريخ اليمن وأنبياءه وسوراً من القرآن، فردّ يمنيون بسخرية لاذعة: "سورة الأحقاف يا أخ؟... حتى الكرم له حدود!"

تعليقاً على ذلك، قال الكاتب اليمني مروان الغفوري: ''كما نرى فقد تنازل الكاتب، للسعوديين عن كل شيء بما في ذلك الأنبياء وسورتين من القرآن (الأحقاف وسبأ). يملك اليمن في تاريخه الكثير من الملوك والجُزر، ويستطيع أن يتنازل للجيران عن ملكين أو ثلاثة. واثنتين ثلاث جزر، إتس أوكيه، الخير واجد. أما سور القرآن فيا دوب عندنا سورتين والباقي كله سعودي. والأنبياء أغلبهم يهود، وما صدقنا طلع لنا ثلاثة أنبياء واحتمال واحد منهم عُماني، اللي هو الأستاذ هود رحمة الله عليه''. مضيفًا: ''أرجو من الإخوة اليمنيين أن لا يأخذهم الكرم بعيداً حد إهدار الأنبياء والسوَر. فهذه الأشياء تعد من الثروة غير المتجددة. الجزر أوكيه، الكرامة مفيش مشكلة. بس سورة الأحقاف يا أخ سام؟!".


كما يظهر عضو مجلس الرئاسة في اليمن أبو زرعة المحرمي، قائد ألوية العمالقة ''السلفية'' في اللقاءات الرسمية بلا علم اليمن، ولا يضع خلفه صورة الرئيس، أو أي بروتوكول يعكس حضوراً تشريفياً للدولة. ومع إن السبب يعود لمواقف وتوجهات سياسية للرجل، العائد حديثًا من موقف داعم لتمرد عيدروس الزبيدي المنادي بالانفصال، إلا أن اليمنيين تعاملوا مع الأمر بظرافة. قالوا "إن أبو زرعة ذات التوجه السلفي لا يرفع صور الرئيس العليمي، لأن الجماعات السلفية عمومًا تُحرم التصوير والصور، لكنه يلتقي النساء!".


من لم يمت من الحرب مات من الضحك

في خضم هذا الواقع، لم يتوقف المسرح عن أداء دوره. فقد واصل الفنان اليمني عبد الجبار السهيلي تقديم عروضه للتنفيس عن الناس، رافعًا شعارًا بسيطًا في جوهره وعميقًا في معناه: أن الضحك شكلٌ من أشكال المقاومة النفسية. من طفلٍ عمل مبكرًا ليساعد أسرته، إلى ممثلٍ على خشبات المسارح في صنعاء، ثم مهاجرٍ يواصل مشواره الفني في أوروبا، ظل السهيلي مثالًا على كيف يمكن للكوميديا أن تكون ملاذًا في زمن القلق، وأن تمنح الناس فسحة تنفّس حين تضيق الحياة.

هكذا، لم تكن النكتة في اليمن ترفًا عابرًا، بل آلية بقاء؛ طريقةً لقول ما لا يُقال، وللسخرية من واقعٍ يفوق الاحتمال، وللتذكير بأن ما يجمع اليمنيين في عمقهم الاجتماعي والثقافي أكبر من اصطفافاتهم السياسية.





رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image