تستمر الأحداث والتطورات بالتواتر في اليمن، محمّلة بصبغات متباينة من عدن إلى حضرموت، فيما تصل أصداؤها إلى الجارة الخليجية، السعودية. فقبل أسبوع، شهدت العاصمة المؤقتة عدن، مقتل ثلاثة جنود وإصابة خمسة آخرين في استهداف موكب قائد الفرقة الثانية في ألوية العمالقة، حمدي شكري، بسيارة مفخّخة أثناء مرور موكبه في منطقة جَعوَلَة، شمالي عدن.
وفي الشرق، تحديداً حضرموت، اتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، قوات موالية لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي ودولة الإمارات بإدارة سجون سرية، داخل قاعدة جوية قرب مدينة المكلا الساحلية (جنوبي اليمن)، محملاً إياهما مسؤولية ارتكاب "انتهاكات عديدة" في حق أبناء المحافظة، كما أفاد في مؤتمر صحافي عقده 19 كانون الثاني/ يناير الجاري. وهي الاتهامات التي رفضتها ونفتها دولة الإمارات على الفور.
وفي الرياض، تتواصل مشاورات تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة وسط تسريبات حول توافق بشأن الوزارات السيادية الأربع حيث ستؤول وزارتا المالية والخارجية إلى الشمال، بينما ستكون وزارتا الدفاع والداخلية بقيادة جنوبية.
في غضون ذلك، يتابع المجلس الانتقالي الجنوبي مساره الانفصالي حيث لبّى أنصاره، وللجمعة الثانية على التوالي، دعوة رئيس المجلس، الزبيدي، بالتجمهر في ساحتي الاحتشاد في عدن والمكلا، لإظهار تمسّكهم بمطالبه التي نادى بها قبل التطورات المتلاحقة الأخيرة، بما فيها إعلان حل "المجلس الانتقالي" في 10 كانون الثاني/ يناير الجاري، من الرياض، ورفضه من ممثلي المجلس في اليمن وخارج البلاد، وعقد لقاء تشاوري لعدد من المكونات السياسية الجنوبية تمهيداً للحوار الذي دعت إليه السعودية.
يفرض هذا الواقع عدة تساؤلات مهمة حول مستقبل "الانتقالي الجنوبي"، والقضية الجنوبية بوجه عام، وحول تأثير كلا الأمرين على شكل الحكومة المعترف بها دولياً الجديدة، وهو ما نحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.
يستمر تفاعل الأحداث في اليمن فيما أصداؤه يُسمع صداها في الرياض وينعكس على علاقاتها بأبو ظبي، ويصف عبد السلام ما تشهده بلاده الآن بأنها "تحولات إستراتيجية، كان اليمن بحاجة إليها من أجل صناعة واقع جديد يلمسه اليمنيون بعد سنوات من التقلّبات غير المبرّرة". كيف؟
استهداف نوعي وتحوّلات إستراتيجية
كانت حادثة انفجار سيارة مفخّخة مركونة إلى جانب الطريق المؤدي إلى مدينة عدن، والتي أظهرتها مقاطع فيديو متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي في اليمن، أثناء مرور موكب القيادي العسكري البارز في ألوية العمالقة حمدي شكري، الأولى من نوعها في سياق التطورات التي تشهدها المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً.
ودفع الحادث التحالف العربي إلى التوعد بالضرب بيد من حديد كل من يحاول الإضرار بأمن عدن وانتهاز الظروف الحاصلة لإقلاق السكينة والأمن، بينما وصفته السفارة الأمريكية في اليمن بالحادث غير المبرّر، وهو وصف غير معهود في مثل هذه الحوادث حيث اعتادت الإدارة الأمريكية إلى استخدام مصطلحات مثل "الحادث الإرهابي" وما شابهه في التعقيب عليها.
هذا الوصف ينظر إليه الصحافي المتخصّص في شؤون الجماعات المسلَّحة، عاصم الصبري، على أنه "يتماشى مع الواقع. وبحكم مكافحة الإرهاب والعمل الأمني في السفارات الأمريكية بالدول التي عانت من تنظيميّ داعش والقاعدة، في هذا الوصف إدراك بأن هذه العملية ليست مرتبطة بتنظيم إرهابي، في ظل وجود أطراف سياسيين يحاولون إرباك المشهد في عدن بعد وصول قوات سعودية وإعلان حل "المجلس الانتقالي" من الرياض.
ويربط الصبري، في حديثه إلى رصيف22، الحادثة بالقيادي العسكري السابق في القوات الحكومية أمجد خالد الذي التحق بالحوثيين، واتهمته الحكومة المعترف بها دولياً بتنفيذ عمليات خاصة واغتيالات في محافظات تعز وعدن ولحج بعد ضبط خلية قيل إنها مرتبطة به في مدينة التربة، (جنوبي تعز) في حزيران/ يونيو 2025.
ووفقاً لمعلومات الصبري، فإن "خالد تواصل مع قيادات في تنظيم القاعدة لتنفيذ بعض العمليات في عدن إلا أنها رفضت، بينما وافقت عناصر وقيادات سابقة في تنظيم داعش على عرضه. العملية الأخيرة إحدى ثمار هذا التنسيق الذي يربك المشهد في ظل العمل على إخراج المعسكرات من عدن وإعداد قوات أمنية حقيقية لإدارة المدينة، وهذا لا يروق لبعض الجهات، وعلى رأسها الحوثيون".
وكان قد برز اسم شكري في الأحداث الأخيرة بدخول قوات وحدته التابعة لألوية العمالقة إلى عدن بالتنسيق مع قوات التحالف العربي وإدارته للانتشار العسكري في مدينة عدن عقب سيطرة قوات درع الوطن على محافظتي حضرموت والمهرة.
ويأتي التطور اللافت باستهدافه في ظل استمرار مهمة اللواء السعودي فلاح الشهري في عدن في سياق "تطبيع الحياة" والعمل على إفراغ المعسكرات الرئيسية وتسليمها إلى قوات حماية المنشآت مع الإعلان عن تسليمها إلى السلطة المحلية من أجل تحويلها إلى منشآت ترفيهية.
وهي تطورات يعتبر رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث عبد السلام محمد أنها تتماشى مع ما يصفها بـ"تحولات إستراتيجية يشهدها اليمن، وكان بحاجة إليها من أجل صناعة واقع جديد يلمسه اليمنيون بعد سنوات من التقلّبات غير المبرّرة".
ويضيف عبد السلام لرصيف22: "وحدة القيادة، وغرفة العمليات العسكرية والأمنية جميعها مهمة لاستقرار الأوضاع، وهو ما يبعث على التفاؤل بأن القادم أفضل نحو استعادة 'الدولة'، وما يجري هو طبيعي في ظل تضارب المصالح وحالة اللا دولة التي كانت قائمة".
انتهاكات وسجون سرية
وفي أحدث تطوّر يعكس توتّر العلاقات السعودية - الإماراتية، أعلن العضو المستجد في مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، الخنبشي، عن ما وصفها "سجون سرية تديرها الإمارات وقوات موالية لها في حضرموت".
من بين الاتهامات والانتهاكات التي تحدّث الخنبشي عن وقوعها في هذه "السجون السرية"، جرائم قتل وخطف وتهجير وسطو وتخريب لمقار وممتلكات عامة وحكومية، مؤكداً أنهم وجدوا في قاعدة مطار الريان بالمكلا "تجهيزات مشبوهة ومستغربة من الأشراك والمتفجرات والزنازين تحت الأرض والسجون السرية والمخطوفين والمعذَّبين والمخفيين قسراً".
كما ادّعى "العثور على كميات من المتفجرات والأشراك الخداعية في معسكر مطار الريان، تم تحضير بعضها لتنفيذ عمليات تفجير واغتيالات ضد مدنيين".
نفت وزارة الدفاع الإماراتية كافة هذه الاتهامات بشكل قاطع، واصفةً إياها بأنها "مزاعم وادعاءات باطلة ومضلّلة، لا تستند إلى أي دليل أو حقيقة"، مردفةً في تغريدة على "إكس" بأن هذه الادعاءات عارية تماماً عن الصحة، وتمثل محاولة مرفوضة لتزييف الوقائع وتضليل الرأي العام.
كما أوضحت الوزارة الإماراتية أن القوات الإماراتية أنهت انسحابها الكامل من اليمن بشكل رسمي وعلني في 2 كانون الثاني/ يناير 2026، مشدّدةً على أن "المرافق المشار إليها (في حديث محافظ حضرموت) ليست سوى ثكنات عسكرية، وغرف عمليات، وملاجئ محصّنة، بعضها يقع تحت سطح الأرض، وهو أمر معتاد ومعروف في مختلف المطارات والمنشآت العسكرية حول العالم، ولا يحمل أي دلالات خارجة عن السياق العسكري الطبيعي".
تداول طويل لتشكيل الحكومة
إلى ذلك، تستمر مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة من رئيسها المكلّف شائع الزنداني للأسبوع الثاني في الرياض، في ظل تكهنات باستمرار عدد من الوزراء في مناصبهم مع حضور لأسماء جديدة لوزارات أخرى.
وفي 15 كانون الثاني/ يناير الجاري، أعلن مجلس القيادة الرئاسي قبوله استقالة رئيس مجلس الوزراء سالم بن بريك، وتكليف وزير الخارجية فيها، شائع الزنداني، بتشكيل الحكومة الجديدة. وأثيرت تكهّنات حول عدم موافقة رئيس الوزراء المستقيل على التطورات الأخيرة بشأن إعادة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي والتعامل مع إعلان الانفصال من "الانتقالي الجنوبي".
ورغم تخطّي الموعد المتوقع للإعلان عن الحكومة الجديدة دون جديد، يستطلع اليمنيون في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً ملامح الحكومة الموعودة مع كثير من التوقّعات بأنها ستكون "حكومة تكنوقراط" وفقاً لمقتضيات مستجدات المرحلة.
وهذا ما تعتبره الأحزاب السياسية هروباً من التزام يمنحها حق عدم توفير أي غطاء مستقبلي، بما في ذلك منح الثقة البرلمانية. في حديثه إلى رصيف22، يقول عضو مجلس الشورى اليمني، لطفي فؤاد نعمان، إن "أفضل خيار للحكومة هو التعامل على أساس ممارسة وظائفها الدستورية المتمثلة في خدمة المواطنين كافة، والتركيز على هذا الأمر دون سواه".
يرى نعمان أن التباينات الطبيعية يفترض ألا تعيق عمل الحكومة، بل أن يتم تطويعها لصالح تيسير عملها، موضحاً "إصلاح أحوال اليمنيين، لا يحتاج مزيداً من التعطيل، ليعمل الجميع على إزالة كوابح المسيرة بوعي وبصيرة".
إضافة إلى ذلك، تتمحور مهمة الحكومة حالياً – في رأي نعمان - في خلق الأمل من خلال تكريس نموذج دولة حقيقية تتكامل فيها مؤسسات الدولة التي تستوعب كل القوى الوطنية والمحلية السياسية، وتمكين الكفاءات الإدارية من ممارسة أعمالها داخل مناطق سيطرة الشرعية (يقصد الحكومة المعترف بها دولياً)، وانتظام أولويات العمل ومتطلبات الحياة الأساسية للمواطنين، على حد قوله.
حسابات "الانتقالي"
وفي الجنوب اليمني، تتفاعل التطورات حيث تجمهر الآلاف في عدن والمكلا؛ استجابة لدعوة افتراضية أطلقها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الزبيدي.
فيما يُبدي ترحيبه بأي حوار بين المكونات الجنوبية، يعتبر التميمي أنه "حالياً ليس أوان تحديد رأي من الحراك الحاصل في الرياض، لأن الظروف السابقة له والأجواء التي يجري فيها لا تجعل مسمّى 'حوار' دقيقاً"
وتتنوّع مطالب المتظاهرين المنصارين للمجلس في كل جمعة، بين التنديد بالتدخلات السعودية إلى الترحيب بجهودها في الدفع بحوار جنوبي جنوبي في قلب الرياض، مع إظهار التمسّك بخيار إقامة الدولة المستقلة في الجنوب، وهو ما بدا وكأنه تماشياً مع الضغط الشعبي جنوباً.
وأعلن الزبيدي وممثلو المجلس الانتقالي الجنوبي التمسّك بما أعلنه المجلس في كانون الأول/ ديسمبر 2025. وفي الرياض، يواصل أعضاؤه الذي أعلنوا حلّ مجلسهم مطلع هذا الشهر، مشاوراتهم الاستباقية ضمن الحوار الجنوبي الجنوبي الذي لم يحدَّد موعده بعد. وفي موازاة ذلك، تُعقد لقاءات جنوبية أخرى تجمع وجهاء ومسؤولين على مستوى المحافظات مثل أبين وشبوة، وجميعها تحتضنها الرياض.
وبالنسبة إلى المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي: "حالياً ليس أوان تحديد رأي من الحراك الحاصل في الرياض، لأن الظروف السابقة له والأجواء التي يجري فيها لا تجعل مسمّى 'حوار' دقيقاً".
ويتمنى التميمي، في تصريح لرصيف22، أن تتوافر شروط الحوار المناسبة في أقرب وقت حتى يكون هذا الحراك مثمراً ويؤسّس لحالة من الاستقرار في الجنوب والمنطقة ككل.
كما يبدي التميمي ترحيبه بالحوار بين المكونات الجنوبية من حيث المبدأ، إضافة إلى الرعاية الإقليمية والدولية لحل جذري للمسألة الجنوبية، مع تأكيد التمسّك بالخيارات الشعبية المتمسّكة باستعادة الدولة والتمسّك بالمجلس الانتقالي حاملاً للقضية، بحسب تعبيره.
وينظر التميمي إلى قرارات مجلس القيادة الرئاسي الأخيرة على أنها "فاقدة للشرعية، ومخالفة لكل اللوائح، وأولها لوائح المجلس ذاته، ومخالفة للأسس التي اعتمدت عند تشكيل المجلس". وكان مجلس القيادة الرئاسي اليمني قد أعلن أخيراً إقصاء الزبيدي منه واتهمه بـ"الخيانة العظمى".
وفيما تزداد سخونة التطورات السياسية، يبقى الوضع الإنساني في اليمن أكثر تدهوراً حيث حذّر منسّق الأمم المتّحدة للمساعدات الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، من أن "الوضع (في اليمن) مقلق للغاية… ونتوقع أن تكون الأمور أسوأ بكثير في عام 2026"، لا سيّما في ظل تراجع التمويل الغربي للمساعدات الإنسانية الموجهة لليمن.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
