"استعادة حضرموت" VS "دولة الجنوب"... هل يتجه اليمن إلى دولة اتحادية؟

سياسة نحن والحرية

الاثنين 5 يناير 202612 دقيقة للقراءة

شهر من الأحداث المتسارعة شهده اليمن. نهاية عام 2025 وبداية 2026 كانت مختلفة في البلاد هذه السنة حيث تشكّلت في هذه الفترة القصيرة معالم سيطرة أطراف ينادون بالعودة إلى ما قبل عام 1990.

لكن التدخّل السعودي الأخير عبر دعم القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً لاستعادة حضرموت والمهرة كشف عن تضارب مصالح حاد وخلاف علني غير معتاد مع الجارة الخليجية الإمارات. وجاء هذا التدخّل عقب قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن رشاد العليمي بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات وإخراج قواتها من البلاد "حفاظاً على أمن المواطنين كافة، وتأكيداً على الالتزام بوحدة اليمن وسيادته واستقراره، وسلامة أراضيه، ولضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة كلها لمواجهة انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية".

وتقود السعودية تحالفاً عسكرياً عربياً في اليمن منذ عام 2015، تحت شعار "ردع المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران وإعادة السلطة للحكومة المعترف بها دولياً". لكن هذا التحالف ساهم في إطالة أمد الصراع وتفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية والسياسية في البلاد على مدار عقد من الزمن. وكانت الإمارات جزءاً من هذا التحالف لكنها انسحبت منه وانحازت إلى بعض المكونات التي كانت متحالفة مع الحكومة المعترف بها دولياً، مما أدّى في نهاية المطاف إلى انهيار التحالف المناوئ للحوثيين وزيادة الانقسام بين الأفرقاء السياسيين في اليمن، وتضارب المصالح بين السعودية والإمارات.

تكشف التطورات الأخيرة في اليمن خطيئة المجلس الانتقالي الجنوبي: "التمدّد غير المدروس في قطاع جغرافي لا يمثل حاضنة حقيقية"، لكن التطورات تندرج ضمن سياق إقليمي أعقد. كيف ذلك؟

وكان توجُّه المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تدعمه الإمارات نحو الشرق تحديداً إلى حضرموت والمهرة (جنوبي البلاد)، وهما غنيتان بالموارد ومتاخمتان للسعودية، بمثابة تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة إلى السعودية. فانطلقت قوات "درع الوطن" المدعومة من المملكة والتابعة للحكومة المعترف بها دولياً إلى جانب "قوات الطوارئ" لاستعادة السيطرة على المحافظة ضمن عملية "استلام المعسكرات" التي أعلن عنها وتولى قيادتها محافظ حضرموت سالم الخنبشي في الثاني من كانون الثاني/ يناير 2026.

وسط هذه الأحداث المتقلبة، أعلن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، عن ما أطلق عليه "الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي"، متضمناً فترة انتقالية من عامين، يعقبها استفتاء متعلّق بـ"تقرير المصير"، مع الإبقاء على باب الحوار مع القوى كافة. لكن السعودية، وبعد استعادة الحكومة التي تدعمها حضرموت، سارعت إلى الدعوة إلى مؤتمر يضم كافة القوى الجنوبية من أجل وضع "تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية بما يلبي تطلعات الجنوبيين المشروعة"، في ما قالت إنه "استجابة" لطلب الرئيس العليمي، وهي الدعوة التي قوبلت بالترحيب من جميع الأطراف بمن فيهم المجلس الانتقالي الذي رهن موافقته باشتراطات من وحي إعلانه الدستوري الذي لم يتجاوب معه أحد.

استعادة حضرموت

شتاء ساخن يعيش على وقعه اليمن بدأ من الشرق، ولا يزال مستمراً في ضوء مجريات تتجدّد يوماً بعد آخر، بعيداً من السرديات والتحليلات المتتابعة لواقع سياسي حيّر البلاد والعباد.

الأحد 4 كانون الثاني/ يناير الجاري، وصل محافظ حضرموت، الخنبشي، إلى مدينة سيئون في وادي حضرموت، حيث التقى مشايخ وأعياناً قبليَّة وقيادات عسكرية ومسؤولين في السلطات المحلية بالمحافظة، في ما بدا وكأنه "تطبيع للحياة" وعودة للعمل الحكومي في المؤسسات وإيذان بمرحلة جديدة في المحافظة الغنية بالنفط والأكبر مساحة في البلاد.

العودة جاءت عقب الإعلان عن استعادة المحافظة من قوات المجلس الانتقالي التي سيطرت عليها، طوال شهر كانون الأول/ ديسمبر 2025، التي رفضت - وفقاً لتصريحات المحافظ من سيئون - كافة المحاولات المطروحة للوصول إلى حلول سلمية، وهو ما فرض التوجّه نحو العملية العسكرية.

محافظ حضرموت وقائد قوات "درع الوطن" فيها، اتهم المجلس الانتقالي بقطع مئات الكيلومترات بعدة وعتاد كبيرين من أجل السيطرة على مناطق النفط، مؤكداً أن الحكومة المعترف بها دولياً بصدد إصدار عقوبات تستهدف المجلس الانتقالي الجنوبي.

وخلال معركة حضرموت الأولى، مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2025، قُتل ما لا يقل عن 32 جندياً من منتسبي المنطقة العسكرية الأولى في سيئون، وأصيب 45 آخرين. في حين أسفرت المعركة الثانية، في أوائل كانون الثاني/ يناير الجاري، عن سقوط ما لا يقل عن 80 قتيلاً و152 جريحاً في صفوف قوات المجلس الانتقالي، مقابل 14 قتيلاً و34 جريحاً في صفوف القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً.

خطيئة المجلس الانتقالي

هزيمة الانتقالي الجنوبي يعزوها الكاتب السياسي مصطفى الجبزي، في حديثه إلى رصيف22، إلى "التمدّد غير المدروس في قطاع جغرافي لا يمثل حاضنة حقيقية"، قائلاً إن ما حدث يندرج في سياق إقليمي أعقد جعل اليمن ومحافظات الشرق خصوصاً ساحة تنافس بين السعودية ذات الجوار والثقل الإستراتيجي، والإمارات التي يصفها بـ"المقتنصة للفرص"، وهو ما فهمته السعودية تهديداً لأمنها القومي لا سيّما من الشقيقة الخليجية الإمارات التي باتت تربطها بإسرائيل علاقات قوية قادت إلى التهيئة لإقليم أرض الصومال الانفصالي في الصومال كـ"دولة وليدة" نالت أخيراً اعتراف إسرائيل.

ويتوقع الجبزي أن المجلس الانتقالي سيفقد المكاسب السياسية التي راكمها نتيجة إصراره على الذهاب إلى نهاية المطاف والإصرار على الانفصال متوهماً أن ثمّة "تفويضاً شعبياً" سيقوده إلى ذلك.

على إثر ما حدث، تعالت دعوات بعض أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الضغط على عيدروس الزبيدي للتنحّي عن رئاسة المجلس بسبب ما اعتبره هؤلاء فشلاً في الإدارة الداخلية والسياسة الخارجية للمجلس، باعتبار أنه يتحمَّل وحده مسؤولية الإخفاق الذي حصل.

الحل لدى الرياض؟

فور الإعلان عن موافقة السعودية على طلب الرئيس اليمني بعقد مؤتمر للحوار حول القضية الجنوبية في الرياض، توالت ردود الأفعال المرحبة من قيادات وكيانات جنوبية، بدأها محافظ شبوة عوض العولقي الذي أرسل رسالةً إلى قيادة "التحالف العربي" يؤكد فيها رغبته بالعمل مع السعودية على "تطبيع الحياة" في محافظته، ويؤيد الدعوة إلى الحوار. ومن بعده نائب رئيس المجلس الانتقالي وعضو مجلس القيادة الرئاسي قائد قوات العمالقة المدعومة إماراتياً عبد الرحمن المحرمي الذي نشر بياناً بمعزل عن المجلس الانتقالي، ثم تلاه ترحيب من الانتقالي الجنوبي لكنه كان مشروطاً بالبناء على مضامين "الإعلان الدستوري" لما أطلق عليها "دولة الجنوب العربي".

ووصف المجلس الانتقالي المبادرة السعودية بأنها "فرصة حقيقية لحوار جاد يحمي مستقبل الجنوب ويصون أمنه واستقراره ويضمن تحقيق تطلعات شعب الجنوب".

على الرغم من التفاؤل بالمبادرة السعودية والدعوة إلى حوار شامل للوصول إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية تلبي تطلّعات جنوبي اليمن المشروعة، يعكس الواقع استمرار الصراع بين الحليفين السابقين في "تحالف الشرعية" ضد الحوثيين. فهل يكمن الحل في "دولة اتحادية" لتفادي نزعات الانفصال ومساعي الحكم الذاتي؟

في الأثناء، يتوقع الكاتب ومدير تحرير موقع "يمن فيوتشر"، نشوان العثماني، أن تعطي الدعوة السعودية إلى الحوار "مساراً مختلفاً بغية الوصول إلى حل يمثِّل كامل الطيف الجنوبي، وعدم حصر التمثيل على المجلس الانتقالي الذي رحَّب بالدعوة مع عدد من المحسوبين عليه".

ويضيف العثماني في حديثه إلى رصيف22: "البلاد إزاء معادلة جديدة ربما تؤدِّي إلى توحيد أجهزة الدولة وانسجام الحكومة المعترف بها دولياً أكثر تجاه المشروع الأساسي الذي يهدف إليه التحالف العربي، ومن ثمَّ الأهداف المعلنة للحكومة (يقصد المعترف بها دولياً) وهو استعادة الدولة من سلطات الحوثيين في صنعاء".

"نستطيع القول إن مرحلة جديدة بدأت الآن، تختلف عن سابقاتها، ربما نرى القرار ضمن الائتلاف الحكومي موحَّداً هذه المرة"، يُردف العثماني.

لكن ورغم الدعوة إلى الحوار في السعودية، وترحيب مختلف الأطراف بها، اتهمت الحكومة المعترف بها دولياً المجلس الانتقالي بفرض العزلة على مدينة عدن الساحلية، في مؤشر على تفاقم العداء بين الحليفين السابقين ضمن "تحالف الشرعية".

وكان عيدروس الزبيدي قد أعلن، في 2 كانون الثاني/ يناير 2026، عن مرحلة انتقالية مدتها سنتان قابلة للتمديد مرة واحدة، تقام خلالها دولة مستقلة على حدود "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" سابقاً وعاصمتها عدن، ضمن ما أطلق عليه "الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي".

ويضع الإعلان خريطة طريق لإنجاز "الدستور الدائم" عبر "لجنة وطنية"، ثم استفتاء شعبي على هذا الدستور، يعقبه إقرار قانون الانتخابات، وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية، لتنتهي هذه المرحلة الانتقالية المتصوَّرة مع مباشرة الرئيس المنتخب مهامه، وفق الدستور الجديد المفترض.

ورفضت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً هذا الإعلان واعتبرته "لا يحمل أي قيمة قانونية" بل ويمثّل "تمرداً على الشرعية اليمنية". في حين قال وكيل وزارة العدل في هذه الحكومة، فيصل المجيدي، في تصريح لقناة "يمن شباب"، إن الإعلان الدستوري للمجلس الانتقالي "لا يحمل أي قيمة قانونية، ولا يتوافق مع الدستور والقانون اليمنيين".

أما الإمارات، التي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وفي أول رد فعل على إعلان الزبيدي الانفصال، فبادرت بالتعبير عن قلقها الشديد ودعت إلى "تغليب الحكمة، وضبط النفس، والحرص على استتباب الأمن والاستقرار في البلاد"، مشددةً على "حرصها الراسخ على أمن واستقرار وازدهار اليمن والمنطقة" وعلى "أهمية وقف التصعيد، وتغليب لغة الحوار على المواجهة، ومعالجة الخلافات القائمة بين الأشقاء اليمنيين عبر التفاهم والتوافق على حلول سياسية مستدامة، من خلال نهج عقلاني ومسؤول يُعلي مصلحة الوطن وأبنائه".

"الدولة الاتحادية" هي الحل؟

ويُنظر إلى ما حدث في شرق اليمن على أنه سيعيد ترتيب "الشرعية" -أي الحكومة المعترف بها دولياً والأطراف المواليين لها- المدعومين من السعودية مع العمل على أطر وتوافقات جديدة ضمن السياق ذاته، تبدأ بتوحيد القيادة لكافة التشكيلات العسكرية والأمنية، ورفض النزعات الانفصالية التي يرى البعض أنها لم تعد مجدية. وما بين هذا وذاك، تبقى استعادة حضرموت، بتأييد سعودي، في ظل ما أظهرته حكومة العليمي من نية لدعم تمكين أصحاب الأرض من إدارة شؤونها، متضمنةً رسائل عدة على رأسها أن مشهداً جديداً يتشكَّل في اليمن وعلى من أراد المواكبة أن يلحق. فإذا لم يفعل، فربما لن يكون له أي دور مستقبلي.

يؤكد دشيلة أن التطورات الأخيرة تبرهن على أن فرض المشاريع السياسية بالقوة العسكرية لن ينجح في اليمن، معتبراً أن الحوار السياسي هو الأمل ليس في الإبقاء على الدولة في اليمن بشكلها المركزي الحالي وإنما كـ"دولة اتحادية" تستوعب نزعات الانفصال والحكم الذاتي

هذا ما يذهب إليه الباحث السياسي اليمني عادل دشيلة، في حديثه إلى رصيف22، حيث يضيف: "الأحداث أثبتت أن فرض المشاريع بالقوة العسكرية لم ينجح. حاول الحوثيون فرض مشروعهم على مدى أكثر من عقد من الزمن ولم يعترف بهم العالم ولا الإقليم ولا حتى اليمنيون، وهو ما كرّره ولا يزال يحاول فعله المجلس الانتقالي لكنه يصطدم بالواقع الذي يؤكد صعوبة تنفيذ مشروع سياسي كهذا بالقوة العسكرية".

وهو يشرح: "نحن الآن أمام ثلاث محافظات (شبوة والمهرة وحضرموت) في المناطق الشرقية ذات ثقل اجتماعي وجغرافي واقتصادي وسكاني ترحب بالحوار الذي دعت إليه السعودية. إذا رفض المجلس الانتقالي هذا الحوار، فسيبقى مكوّن سياسي وعسكري موجود في منطقة إقليم عدن وحتى لو فرض الأمر الواقع فسيتضرر المواطن البسيط من هذا الواقع كما يحدث في المناطق الشمالية. وإن جنح للحوار السياسي، فسيكون في صالحه" بحيث يضمن لنفسه دوراً في التسويات التي ستترتب على هذا الحوار.

ويرى دشيلة أن الدولة في اليمن لن تبقى بشكلها المركزي الحالي في ظل التطورات الأخيرة والنزعات الانفصالية ورغبة البعض في فرض الحكم الذاتي، والحل الأقرب للأزمة هو وجود "دولة اتحادية"، على أساس الحوار ونزع سلاح جماعات ما دون الدولة واحتكاره في يد الدولة مع وجود ضمانات إقليمية ودولية لتنفيذ هذا المشروع الذي قد يستغرق فترة زمنية طويلة.

في هذه الأثناء، يبقى اليمنيون ينتظرون ما ستؤول إليه تطورات ما بعد أحداث حضرموت، وانعكاسات التدخّل السعودي الذي فرض واقعاً يكرّس حضوراً أوسع للحكومة المعترف بها دولياً، وسط توقعات بتمكين قوات درع الوطن من بسط نفوذها على ما تبقى من المحافظات التي تمت استعادتها من سيطرة جماعة الحوثي كأبين وعدن ولحج والضالع وسقطرى وأجزاء واسعة من تعز.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

وراء كل تقرير في رصيف22، أيام من العمل: من التفكير والتحرير إلى التحقق والإنتاج البصري.

نحن نراهن على النوع، والصدق، والانحياز إلى الحقيقة والناس.

وحتى يستمرّ هذا العمل، نحتاج إلى من يؤمن بأنّ الجودة والحرية تستحقان الاستثمار.

Website by WhiteBeard
Popup Image