لم تكن الجغرافيا اليمنية في التاريخ الإسلامي مجرد خلفية صامتة للأحداث، بل كانت - في واقع الأمر- قوة مؤثرة أسهمت بحظ وافر في تشكّل طبيعة الحياة السياسية والمذهبية في البلاد.
في اليمن، تتداخل الجبال الوعرة بالوديان العميقة، وتتفرع الطرق وتتباعد التجمعات البشرية، مما تسبب بالتبعية في صعوبة السيطرة من سلطة مركزية ما، وإيجاد فضاء مناسب لنشوء أنماط اجتماعية وسياسية فريدة الطابع.
في هذا السياق، ساعدت الجغرافيا اليمنية على بقاء الزيدية كإمامة جبلية مستقلة، وعلى نمو الدعوة الإسماعيلية، وعلى استمرار الحركات الاحتجاجية للخوارج، كما اضطلعت بدور مهم في ظهور بعض التيارات الصوفية التي مالت إلى الزهد والعزلة. عبر القرون المتعاقبة، أثرت الجغرافيا في شكل المذاهب الإسلامية وتطورها، وأثّرت هذه المذاهب بدورها في المجتمع المحلي، فأنتجت بنية ثقافية واجتماعية متفردة. وحتى اليوم، يظل اليمن متأثراً بهذا التاريخ الطويل، حيث يظهر التعدد والتنوع واللامركزية في الحياة الاجتماعية والدينية بوصفها امتداداً طبيعياً لعلاقته الخاصة بالمكان والجغرافيا.
لم تكن الجغرافيا في تاريخ اليمن عنصراً محايداً أو خلفية صامتة للأحداث، بل كانت أحد أهم الشروط المُنتجة للمسار السياسي والمذهبي. كيف ساعدت الجغرافيا اليمنية على بقاء الزيدية وعلى نمو الدعوة الإسماعيلية، وعلى استمرار الحركات الاحتجاجية للخوارج؟
الجغرافيا اليمنية
لم تكن الجغرافيا في تاريخ اليمن عنصراً محايداً أو خلفية صامتة للأحداث، بل كانت أحد أهم الشروط المُنتجة للمسار السياسي والمذهبي. فاليمن، كما تصفه كتب الجغرافيين المسلمين، إقليم شديد التعقيد، تتداخل فيه الجبال بالوديان، وتتشابك الطرق، وتتجاور العزلات البشرية من دون أن تنصهر في كيان واحد. وقد أدّى هذا الواقع إلى نشوء نمط خاص من الاجتماع السياسي والديني، يقوم على الفرقة واللامركزية، وقوة العصبية المحلية، مما تسبب في صعوبة إخضاع المجتمع إخضاعاً كاملاً من سلطة مركزية واحدة.
على سبيل المثال، يشير أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني في كتابه "صفة جزيرة العرب" إلى أن "اليمن بلد الحصون والشعاب، لا يُؤتى أهله إلا من مشقة، ولا يُغلبون إلا بخديعة، وأن السيطرة عليه لا تكون بالغلبة وحدها، بل بالمهادنة والتحالف مع أهله". وهو التوصيف الذي يفسّر لماذا تحوّل اليمن، منذ القرون الأولى للإسلام، إلى فضاء حاضن لتجارب مذهبية وسياسية متعدّدة، استطاعت أن تستقر فيه، وأن تعيد تشكيل نفسها وفق شروط المكان، وأن تؤثر في المجتمع بقدر ما تأثرت به.
الزيدية... الإمامة الجبلية وتحوّل المذهب إلى بنية اجتماعية
يُنسب المذهب الشيعي الزيدي إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قُتل على يد الأمويين عقب فشل ثورته في سنة 122هـ. في أواخر القرن الثالث الهجري، دخلت الزيدية إلى اليمن دخولاً منظماً مع قدوم الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين. استثمر الهادي الظروف الصعبة التي عاش فيها اليمن في تلك الفترة التاريخية الحرجة. كان اليمن يعاني من فراغ سياسي نسبي، وتنافس بين قوى محلية متعددة، وضعف سلطة الخلافة العباسية التي تحكم من مركزها البعيد في بغداد.
لم يكتف الهادي بالدعوة الدينية، بل سرعان ما بنى مشروعاً سياسياً مكتمل الأركان، بعدما درس الجغرافيا اليمنية واختار المجال الجغرافي الذي سيتحوّل فيه مشروعه الوليد إلى واقع على الأرض. في هذا السياق، يذكر ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" أن الهادي قصد صعدة -الواقعة شمالي اليمن- لما وجد فيها من منعة طبيعية وقوة قبلية واستعداد نفسي لتقبّل فكرة الإمامة المرتبطة بآل البيت. وهناك تأسست الدولة الزيدية التي استمرت لقرون.
مع الزمن، لم تبقَ الزيدية مجرد مذهب فقهي أو عقدي، بل تحوّلت إلى نمط حكم وإطار جامع للاجتماع السياسي في شمال اليمن. وقد ساعدت الجغرافيا الجبلية على ترسيخ هذا التحوّل؛ فشرط الخروج بالسيف، الذي يُعدّ ركناً أساسياً في النظرية السياسية الزيدية كما يشرح أبو الفتح الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل"، لم يكن ممكن التطبيق في بيئات خاضعة للسلطة المركزية، لكنه وجد في اليمن فضاءً واقعياً للتجسّد. إذ وفرت الجبال والتضاريس الوعرة للإمامة الزيدية قدرة على الصمود، والمناورة، وإعادة التشكل عند كل أزمة، من دون أن ينهار البناء العام للمذهب.
من جهة أخرى، ومع مرور القرون، أثّرت الزيدية في المجتمع اليمني بعمق، إذ أعادت تشكيل العلاقة بين الدين والقبيلة، وبين الشرعية الدينية والقيادة السياسية. فقد أصبح الانتماء الزيدي جزءاً من الهوية اليمنية المحلية في مناطق واسعة، وتحوّلت الإمامة إلى مؤسسة اجتماعية بقدر ما هي دينية. وفي المقابل، لم تبقَ الزيدية على حالها الأولى، بل تأثرت بطبيعة اليمن نفسها، فمالت إلى الواقعية السياسية، وتكيّفت مع التوازنات القبلية، وأنتجت فقهاً عملياً يختلف في كثير من تفاصيله عن الزيدية التي انتشرت في بقاع مختلفة من الحجاز أو العراق أو إيران.
من هنا، يمكن القول إنه لا يمكن فهم حضور الزيدية في الوعي الاجتماعي اليمني المعاصر دون العودة إلى هذا التاريخ الطويل، الذي جعل منها -أي الزيدية- أكثر من مذهب، وجعل الجغرافيا شريكاً رئيساً في تشكيل معالمها وسماتها. فما يبدو اليوم استدعاءً للتراث أو للهوية، هو في جوهره تعبير عن بنية تاريخية عميقة تشكّلت عبر قرون من التفاعل بين الجغرافيا الجبلية الوعرة والمذهب.
ما يبدو في اليمن المعاصر من تعدد، وتعقيد، وصعوبة في الانصهار داخل نموذج واحد، ليس خروجاً عن التاريخ، بل استمرار له. فاليمن، كما كان عبر القرون، ما زال فضاءً تتفاعل فيه الجغرافيا مع الاجتماع، ويُعاد فيه إنتاج الدين والسياسة بأشكال مختلفة
الإسماعيلية... الدعوة السرية وإعادة تشكيل المذهب
عرف اليمن الدعوة الإسماعيلية مبكراً، وكان من أنجح الأقاليم التي استقبلتها قبل قيام الدولة الفاطمية في المغرب في أواخر القرن الثالث الهجري. ويشير القاضي النعمان في كتابه "افتتاح الدعوة" إلى أن دعاة المذهب الإسماعيلي وجدوا في اليمن أرضاً بعيدة من رقابة الخلافة العباسية، كثيرة الحصون، شديدة التمسك بالبيعة، وهي صفات جعلت منها بيئة مثالية لدعوة تقوم على التنظيم المحكم والتراتبية والسرية.
لم تدخل الإسماعيلية اليمن بوصفها حركة جماهيرية صاخبة، بل بوصفها مشروعاً طويل النفس، يعتمد على التعليم، وبناء النخب المحلية، وربط الفكرة بالبنية الاجتماعية القائمة. وقد ساعدت الطبيعة الجبلية، ولا سيما في مناطق مثل حراز ونجران، على إنشاء مراكز دعوية مغلقة نسبياً، يصعب على السلطة المركزية اختراقها. الأمر الذي يتوافق مع الوصف الذي ذكره ابن حوقل في كتابه "صورة الأرض" عندما ذكر أن بعض نواحي اليمن لا يُعرف ما يجري فيها إلا لأهلها، وهو وصف يكاد يكون دقيقاً للبيئة التي تحتاجها الدعوة الإسماعيلية السرية.
مع الزمن، لم تبقَ الإسماعيلية في اليمن مجرد امتداد لدعوة خارجية، بل أعادت إنتاج نفسها محلياً، وتأثرت بالواقع اليمني في لغتها وأساليبها، وحتى في علاقتها بالقبيلة. يظهر ذلك بشكل واضح مع الدولة الصليحية التي حكمت أجزاء واسعة من اليمن في القرن الخامس الهجري. أعلن الصليحيون طاعتهم للدولة الفاطمية التي حكمت من القاهرة. وحافظوا على بقاء المذهب الإسماعيلي بأكثر من طريقة.
في كتابه "أروى ملكة اليمن"، ذكر المؤرخ الإسماعيلي عارف تامر أن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله قد أرسل كبار دعاته للملكة أروى الصليحية، وأنها تعلمت منهم الكثير من علوم المذهب الإسماعيلي "ما رفعها عن حدود الدعاة إلى مقام الحجج الكبار". وكان دعاة اليمن يذهبون إليها في بيتها فيسمعون منها الكثير عن أصول الدعوة "فيأخذون عنها، ويرجعون إليها". ويُنسب إليها فضل نشر المذهب الإسماعيلي في كل من اليمن وعُمان والهند والإحساء والبحرين.
كذلك، وبحسب التقاليد المعروفة عند طائفة البُهرة، فإن الملكة أروى اضطلعت بدور مهم في الحفاظ على سلالة الأئمة الفاطميين في سنة 524 هـ. في تلك السنة، بايع أغلب الفاطميين في القاهرة الحافظ لدين الله ابن عم الخليفة السابق المستعلي بالله، فيما قام البعض بنقل الطيب بن المستعلي إلى الملكة أروى في اليمن، وكان وقتها لا يزال طفلاً رضيعاً. أخفت الملكة الإمام الطيب عن الأنظار، ووفرت له الحماية والأمان، وعينت الدعاة لنشر دعوته في اليمن والهند، وهكذا أسهمت بدور كبير في نشر الدعوة الطيبية، والتي سيُعرف أتباعها في وقت لاحق باسم البهرة. من هنا يتجمع الآلاف من طائفة البهرة في اليوم الثاني والعشرين من شهر شعبان من كل سنة حول مرقد الملكة أروى في جبلة، ويُعدّ هذا التجمع واحداً من أهم الطقوس الدينية المقدسة عند أتباع تلك الطائفة. ما يوضح تأثير اليمن في صبغ المذهب الإسماعيلي بصبغة مختلفة.
في الزمن المعاصر، ما زالت آثار هذه التجربة حاضرة في بعض البنى الاجتماعية والثقافية، حيث يظهر الميل إلى التنظيم المغلق، وإلى قراءة الدين بوصفه منظومة معرفة وهوية، لا مجرد طقوس. وهو حضور لا يمكن فهمه إلا بوصفه نتاجاً تاريخياً لتفاعل طويل بين الفكرة الإسماعيلية والجغرافيا اليمنية المنغلقة.
الخوارج والصوفية... بين الاحتجاج والزهد
دخل الخوارج اليمن منذ القرن الأول الهجري، في سياق هروبهم من المراكز الكبرى التي اشتد فيها القمع الأموي ثم العباسي. ويذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الأمم والملوك" أن كثيراً من فرق الخوارج اتجهت إلى أطراف الجزيرة العربية، حيث تضعف السلطة ويقوى الهامش. وقد وجدوا في اليمن بيئة مناسبة، ليس فقط بسبب بعدها الجغرافي، بل بسبب طبيعتها القبلية التي تميل إلى الاستقلال، وترفض الخضوع المطلق لسلطة تراها جائرة.
لم يكن وجود الخوارج في اليمن عابراً، بل أسهم في تشكيل خطاب احتجاجي دائم، حتى في الفترات التي تراجعت فيها الفرق الخارجية تنظيماً. وقد مثّلت الإباضية الشكل الأكثر قدرة على التكيّف مع الواقع اليمني، إذ مزجت بين الصرامة الأخلاقية والمرونة الاجتماعية. ويشير أبو يعقوب الوارجلاني وهو من علماء الإباضية البارزين، إلى أن نجاح دعوتهم ارتبط بطبيعة أهل اليمن الذين يميلون إلى الاجتهاد والاستقلال في الرأي.
يكشف تاريخ الزيدية والإسماعيلية والخوارج والصوفية في اليمن أن هذا البلد لم يكن يوماً أرضاً فارغة للأفكار الوافدة، بل كان شريكاً في إعادة تشكيلها. فقد أثّرت الجغرافيا الجبلية في بنية هذه المذاهب
إلى جانب هذا الخط الاحتجاجي، احتضنت اليمن أيضاً تيارات زهد وتصوف، وجدت في العزلة الجغرافية مجالاً للانكفاء على الذات، والبحث عن المعنى بعيداً من صراعات السلطة. ويشير جلال الدين السيوطي في كتابه "حسن المحاضرة" إلى أن علماء اليمن كانوا أقل مخالطة للسلاطين، وأكثر ميلاً إلى الزهد، وهو ما منح التصوف اليمني طابعاً هادئاً، غير صدامي، لكنه عميق التأثير في الأخلاق العامة والبنية العلمية.
بشكل عام، أثّر التصوف في المجتمع اليمني من خلال ترسيخ قيم الصبر، والتكيّف، والاحتمال، وهي قيم ساعدت المجتمعات المحلية على البقاء في بيئة قاسية، جغرافياً وسياسياً. وفي المقابل، تأثر التصوف نفسه بطبيعة اليمن، فابتعد عن الطابع الاحتفالي، واقترب من الزهد العملي والمعرفة الأخلاقية. بعكس التصوف المصري على سبيل المثال، وهو الذي مال للصيغة الاحتفالية الشعبية في العديد من الفترات التاريخية.
في السياق المعاصر، يظهر هذا الإرث في أشكال متعددة من التدين الشعبي، والاحتجاج الأخلاقي الصامت، والبحث عن معنى يتجاوز الصراع المباشر، وهو امتداد طبيعي لتاريخ طويل من التفاعل بين الهامش والفكرة.
بين الاستمرارية والقطيعة
يكشف تاريخ الزيدية والإسماعيلية والخوارج والصوفية في اليمن أن هذا البلد لم يكن يوماً أرضاً فارغة للأفكار الوافدة، بل كان شريكاً في إعادة تشكيلها. فقد أثّرت الجغرافيا الجبلية في بنية هذه المذاهب، كما أثّرت هذه المذاهب بدورها في تشكيل المجتمع اليمني، في علاقة جدلية مستمرة. وما يبدو في اليمن المعاصر من تعدد، وتعقيد، وصعوبة في الانصهار داخل نموذج واحد، ليس خروجاً عن التاريخ، بل استمرار له. فاليمن، كما كان عبر القرون، ما زال فضاءً تتفاعل فيه الجغرافيا مع الاجتماع، ويُعاد فيه إنتاج الدين والسياسة بأشكال مختلفة، لكن ضمن منطق تاريخي واحد: منطق المكان الذي يرفض الاختزال.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
