تمويل العدالة المائية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا... أزمة إدارة وحوكمة؟

تمويل العدالة المائية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا... أزمة إدارة وحوكمة؟

حياة نحن والبيئة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 17 فبراير 20266 دقائق للقراءة

تمثل الحاجة إلى العدالة المائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحدياً سياسياً ملحاً، إذ تواجه الحكومات ضغوطاً نتيجة تغيّر المناخ الذي يهدّد الموارد المائية. وتعتبر المنطقة واحدة من بين الأكثر ندرة بالمياه في العالم. لكن تنوّعها الجغرافي يعني أن مختلف بلدانها تواجه سلسلةً من التحديات عند تأمين المياه والغذاء لسكانها بطرقٍ عادلة ومستدامة.

وبعض هذه البلدان مُطالب بمعالجة الاختلالات البنيوية في حوكمة المياه، بما فيها التوزيع غير العادل، وضعف البنية التحتية، وتفاوت فرص الوصول إلى المياه بين السكان في المناطق الحضرية والريفية وبين السكان المقيمين والنازحين. في المقابل، تواجه دول أخرى موجات جفاف متزايدة، تدفع مساحات واسعة من المناطق التي تعتمد على الزراعة كمصدر للدخل إلى أوضاع اجتماعية واقتصادية هشة.

من منظور العدالة المائية، لا تقل عمليات وهياكل تنمية المياه المتعلقة بشفافية صنع القرار والمشاركة والديمقراطية أهميةً عن الإنصاف والعدالة في الوصول إلى المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كيف؟

ويزيد تغيّر المناخ والنمو السكاني والتوترات المرتبطة بالمياه العابرة للحدود، من تعقيد الجهود الوطنية والإقليمية الرامية إلى ضمان إدارة عادلة ومستدامة للموارد المائية.

في موازاة ذلك، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أطلقت منظمات المساعدات والتنمية الدولية مشاريع تعاون تقني ركّزت في الغالب على إمدادات المياه في المناطق الريفية وأنظمة الري. وخلال العقود الثلاثة الماضية، قاد البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة، إلى جانب وكالات المساعدة الثنائية والاتحاد الأوروبي، هذه الجهود، ولعبت المؤسسات المالية الدولية (IFIs) دوراً هاماً في تنمية قطاع المياه – من خلال الترويج لمقاربات مثل الإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM)، وتقديم الدعم لإدارة المياه العابرة للحدود وحوكمة المياه.

ويمكن تتبّع هذا الدعم عبر كمٍ هائل من الوثائق والمؤتمرات التي تُبرز أشكال المساعدة التقنية والتمويل المخصّصة لمشاريع تنمية المياه المختلفة؛ من ضمنها بناء السدود ومشاريع الري ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، وارتبطت هذه المبادرات غالباً بادعاءات تتعلّق بمبادئ الاستدامة والإدارة الرشيدة للمياه.

ومن منظور العدالة المائية، لا تقل عمليات وهياكل تنمية المياه المتعلقة بشفافية صنع القرار والمشاركة والديمقراطية أهميةً عن الإنصاف والعدالة في الوصول إلى المياه.

نظرة عامة سريعة

على صعيد استخدام المياه، تعد الزراعة أكبر مستهلك لها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إذ تستحوذ في معظم الحالات على ما يصل إلى 80% من إجمالي استخدام المياه. فاقم التحوّل نحو زراعة المحاصيل النقدية خلال الستين أو السبعين عاماً الماضية الوضع.

فرضت المحاصيل التي تتطلّب كميات كبيرة من المياه، مثل القمح والأرز والفواكه الكثيفة الاستهلاك للمياه، أو الخضروات المزروعة للأسواق الخارجية، ضغوطاً إضافية على إمدادات المياه المتاحة. علاوة على ذلك، يضيف النمو السكاني السريع وتزايد التحضر، مزيداً من الأعباء على الموارد المائية.

ومع استمرار إستراتيجيات إدارة المياه الحالية، يُتوقّع أن يرتفع الطلب على المياه، فستحتاج المنطقة إلى 25 مليار متر مكعب إضافي سنوياً بحلول عام 2050 لتلبية احتياجاتها.

حتى الآن، ركّزت حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكلٍ أساسي على زيادة الإمدادات، من خلال بناء المزيد من السدود واستغلال المياه الجوفية وتحلية المياه، مع إيلاء اهتمام أقل بكثير للكفاءة أو تحسين الحوكمة. ويأتي ذلك بكلفة مالية وبيئية باهظة. وأتاح الإفراط في استخدام المياه الجوفية واللجوء إلى تحلية المياه لصناع السياسات تأجيل اتخاذ إجراءات بشأن خيارات الري الفعالة.

وتهيمن هذه الحلول التقنية على الخطط والإجراءات الراهنة في بلدان المنطقة، مقابل تجاهل إستراتيجيات الاستدامة وصنع السياسات الطويلة الأمد.

حوكمة المياه في مواجهة الحداثة الاقتصادية

يعكس واقع إدارة المياه في المنطقة بعدين رئيسيين؛ الأول هو السعي إلى تحقيق الحداثة الاقتصادية الذي يتجلّى في الزراعة المكثفة الموجهة إلى أسواق التصدير ومشاريع توسيع الإمدادات المائية على نطاقٍ واسع، بما يحمله ذلك من آثار خطيرة على الاقتصادات الريفية والبيئة.

أما الثاني، فيتمثّل في ضعف أو عدم فاعلية حوكمة المياه، ما يُفاقم أوجه القصور في إدارتها. ففي السياقات التي تتركّز فيها عملية صنع القرار، تصبح القرارات الضرورية لتوزيع عادل وكفؤ للمياه بين الاحتياجات المتنافسة، غير شعبية سياسياً، ما يؤدي في بعض الحالات إلى تقاعس الحكومة وبالتالي إلى مزيد من سوء إدارة الموارد المائية.

لا تعود التحديات المتعلّقة بأمن المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى العوامل الجغرافية وتأثير تغيّر المناخ فحسب، بل أصبحت بشكلٍ متزايد مشكلة إدارة وحوكمة. فكيف يمكن معالجتها؟

تشكل المياه العابرة للحدود في المنطقة مصدراً إضافياً للتوتر الجيوسياسي، لا سيما على طول حوض نهر النيل وحوض دجلة والفرات وحوض نهر الأردن، فضلاً عن التوترات القائمة بين الدول المتجاورة. ويتطلّب ذلك إجراء مفاوضات وإبرام اتفاقيات عادلة لضمان وصول منصف إلى المياه وتحقيق العدالة الاجتماعية للمجتمعات المتأثرة مباشرة بمناطق الأحواض المشتركة.

لا تعود التحديات المتعلّقة بأمن المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى العوامل الجغرافية وتأثير تغيّر المناخ فحسب، بل أصبحت بشكلٍ متزايد مشكلة إدارة وحوكمة.

يركز هذا التقرير على مفهوم العدالة المائية، أي ضمان الوصول إلى المياه وحوكمتها بشكلٍ عادل ومستدام بما يحمي سبل عيش الناس ورفاههم. فضلاً عن أن إعادة ترتيب أولويات إدارة المياه، يساعد إطار العدالة المائية على مساءلة ديناميات القوة القائمة فيما يبقى السؤال الملح: أي أصوات أو آراء يُعتدّ بها في إدارة الموارد المائية وحوكمتها؟ بالنظر إلى الدور الكبير الذي تؤديه المؤسسات المالية الدولية (عبر المنح أو القروض) في تمويل برامج ومشاريع تنمية المياه.

*أعدّت دانا أبي غانم، هذه الدراسة التحليلية وهي باحثة حول الظلم المائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مبادرة الإصلاح العربي (ARI)، وهي عالمة اجتماعية تحمل دكتوراه في الاستدامة الحضرية من جامعة نيوكاسل. لديها أكثر من 15 عاماً من الخبرة في البحث الأكاديمي، ويغطي عملها بشكل عام الطاقة والمجتمع، والحياة اليومية، وخدمات البنية التحتية في السياقات الحضرية في الجنوب العالمي. يمكن الاطّلاع على النص الكامل عبر هذا الرابط.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image