استمرار غياب الخدمات الأساسية عن شفا بدران… لماذا لا تفي الحكومة الأردنية بتعهداتها؟

استمرار غياب الخدمات الأساسية عن شفا بدران… لماذا لا تفي الحكومة الأردنية بتعهداتها؟

حياة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 13 فبراير 202619 دقيقة للقراءة

"بنشوف قوارض أول مرة بنشوفها. أحياناً، بتفيض الحفرة الامتصاصية وتتحوّل البيئة المحيطة إلى بؤرة روائح خانقة، عدا عن انتشار الذباب والحشرات"، يخبرنا الأستاذ المتقاعد حسونة صلاح (70 عاماً) الذي يسكن في منزله المكون من ثلاثة طوابق الذي يجمع فيه أبناءه وأحفاده، في حي المروج في منطقة شفا بدران، بالعاصمة الأردنية عمّان، منذ ما يقرب من 17 عاماً. علماً أن منزله -كما العديد من منازل المنطقة- لم تصله خدمات الصرف الصحي حتى الآن.

قد يخيّل للقارئ أننا نتحدث عن منطقة نائية أو عشوائية، لكن شفا بدران، وبتأكيد السلطات والمصادر الرسمية الأردنية، هي "واحدة من أرقى وأكثر مناطق العاصمة عمان نمواً في السكان". لكنها تعاني من "فجوة خدمية" يشكو منها السكان منذ سنوات بدون استجابة رسمية، فقط وعود متكرّرة.

توجد منطقة شفا بدران في أقصى شمال العاصمة الأردنية عمان، وتتبع إدارياً لواء الجامعة الذي يضمّ خمس مناطق تتبع أمانة عمان الكبرى. وتقع شفا بدران على ارتفاع يتراوح بين 700 إلى 1000 متر عن سطح البحر، وتعتبر من أكثر مناطق شمال عمان جذباً للسكان. وتشتمل المنطقة على 14 حياً، من أبرزها الأمير حمزة، وطاب كراع، ومرج الفرس، وأم شطيرات، وعيون الذيب.

ولا يبدو أن المنطقة التي تعدّ من بين أكثر مناطق المملكة الأردنية من حيث زيادة عدد السكان في السنوات الأخيرة، تحظى باهتمام المؤسسات الرسمية، بل ولا تواكب هذه الزيادة السكانية مشاريع تنموية أو خدمية بما في ذلك في ما يتعلّق بالخدمات الأساسية من المياه والصرف الصحي والكهرباء وتطوير البنية التحتية وفي مقدمتها تعبيد الطرق والشوارع واستكمال إنارتها.

وعلى الرغم من شكاوى السكان المستمرة منذ عقود، ووعود رسمية لا تتوقف بتحسّن الوضع وحل الأزمات، بل وتوافر التمويل اللازم للمشاريع الأساسية والخطط التنموية وغيرها من الموافقات والإجراءات لتنفيذ المشاريع، لم يطرأ جديد على وضع سكان شفا بدران، بل تزداد أعدادهم وبطبيعة الحال تتعمّق معاناتهم اليومية.

في هذا التحقيق، يرصد رصيف22 معاناة سكان شفا بدران، هذا الجزء في العاصمة الأردنية الذي يرزح تحت وطأة التهميش والنسيان، ويُذكّر السلطات الأردنية بالتزاماتها تجاه المنطقة وأهلها، وبوعودها المتكرّرة بحل الأزمات جذرياً، فضلاً عن تسليط الضوء على أبرز الميزانيات المرصودة لتحسين الأوضاع المعيشية في المنطقة، وأسباب عدم إنجاز مشاريع مهمة مخصّصة لها ميزانيات مؤثرة.

الصرف الصحي حلم وانقطاع المياه الطويل جزء من روتين الحياة… كيف يتسبّب غياب الخدمات الأساسية في تفاقم انعدام العدالة الاجتماعية في شفا بدران الأردنية؟

الصرف الصحي جوهر أزمات المنطقة

غياب التغطية الكاملة بشبكات الصرف الصحي مشكلة مزمنة في الأردن. وبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، نحو 80% فقط من أنظمة الصرف الصحي الحالية تُدار بأمان. كما أن 70% و20% فقط من سكان الحضر والريف، على الترتيب، لديهم وصول إلى مياه الصرف الصحي المعالجة.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2017، وقّعت وزارة المياه والري الأردنية اتفاقية لتدشين المرحلة الأولى من مشروع الصرف الصحي في شفا بدران، بقيمة تزيد على خمسة ملايين دينار (نحو سبعة ملايين دولار أمريكي)، "مموّل بنسبة 90% من الحكومة الألمانية، و10% من موازنة الحكومة الأردنية"، لخدمة ما يناهز 30 ألف مواطن.

تعثّر المشروع، وتعذّر على شركة المقاولات المحال إليها استكمال تنفيذه. فوقّعت وزارة المياه والري، في عام 2020، "اتفاقية إحالة تنفيذ حزمتين جديدتين من أعمال مشروع صرف صحي شمال عمان – شفا بدران بقيمة إجمالية 6 ملايين دينار أردني (نحو 8 ملايين ونصف مليون دولار) على شركة أبراج العرب"، مع وعد بأن تستغرق أعمال المشروع "365 يوماً"، مما يعني تسليم المشروع نهاية عام 2021.

لم يتحقّق ذلك أيضاً، وحتى الآن، وقد أوشك الشهر الثاني من 2026 على الانتصاف، ما يزال سكان شفا بدران لا يعرفون لماذا لم يُستكمل مشروع الصرف الصحي في منطقتهم. علماً أنه في عام 2022، قال أمين عام سلطة المياه آنذاك، بشار البطاينة، في تصريح عبر قناة المملكة الحكومية، إنه تم التغلّب على العراقيل الفنية وبات تنفيذ المشروع يسير "بدون أي تأخير"، متعهداً باستكمال تنفيذه في الربع الأول من عام 2023.

"نعوم على حفر امتصاصية"

بالعودة إلى حسونة صلاح، فهو يقول لرصيف22: "الحي يعوم على حفر امتصاصية، بعض السكان في شفا بدران يتمتّعون بشبكات الصرف الصحي بينما نحن محرومون منها". كان حسونة يشاهد أعمال تنفيذ متصلة بمشاريع الصرف الصحي في أجزاء من المنطقة، وهو يشدّد على أنها لم تكن منتظمة.

أما عضو جمعيات المجتمع المحلي، المختار محمود الحجاج، فهو الآخر يسكن في شفا بدران تحديداً في منطقة مرج الفرس منذ عام 1973. يقول لرصيف22، تعقيباً على شكوى حسونة: "السلطات درست احتياجات المواطنين للصرف الصحي عاميّ 2015 و2016، وبدأ التنفيذ عام 2017 لكن المشكلة أن الأشخاص الذين سكنوا وأنشأوا المباني في المنطقة بعد هذه السنة لم يُشمَلوا في أعمال توصيل الصرف الصحي" التي لم تنتهِ بالأساس.

والحفرة الامتصاصية (وتُعرف أيضاً بـ"حفرة تصريف" أو "حفرة تجميع مياه عادمة مؤقتة") هي بنية بسيطة تُستخدم في المناطق التي لا تتوافر فيها شبكة صرف صحي رسمية. تتكون عادة من حفرة تُحفَر في الأرض، تُجمع فيها المياه العادمة (من المنازل، والوحدات السكنية) لتُمتص تدريجياً في التربة، أو لتتبخّر أو تتسرّب إلى طبقات التربة تحتها أو تفريغها عبر صهاريج النضح.

تصنف الحفر الامتصاصية كحل مؤقت -وفي بعض الأحيان يصبح دائماً- للمناطق غير المخدومة بشبكة الصرف الصحي، في المناطق أو الأحياء التي لا تتوافر فيها البنية التحتية للصرف الصحي، حيث تعتبر حينها وسيلة ضرورية للتخلّص من المياه العادمة.

لا تقتصر معاناة الأسر اليومية في بعض مناطق شفا بدران، التي لم تصلها خدمات الصرف الصحي، إلى المكاره الصحية والبيئية الناتجة من الحفر الامتصاصية فقط، بل هناك أيضاً التكلفة الاقتصادية إذ تشكّل عبئاً على الأسر والعائلات. يشرح حسونة: "صهريج النضح يكلِّفنا شهرياً ما بين 25-30 ديناراً (بين 35 و42 دولاراً تقريباً) في النقلة الواحدة، ونحتاج إليه مرتين في الشهر، أي ما يقارب 60 ديناراً (نحو 85 دولاراً) شهرياً".

مهندس* مبانٍ وعضو سابق لدى أمانة عمان الكبرى، علي عوض (اسم مستعار)، يقول إن "النمو السكاني الكبير في المنطقة لم يقابله تطوير حقيقي للبنية التحتية يتناسب مع أعداد السكان". ويصف عوض شبكات الصرف الصحي القائمة بالفعل بأنها تعاني من تهالك شديد، ويشير إلى الكثير من الحفر العميقة (التي قد تصل إلى ثلاثة أمتار) المتصلة بأعمال مشاريع الصرف الصحي غير المستكملة وتراكم مخلّفات الحَفر على جوانب الطرقات، مما يشكّل خطراً على المارة والسيارات، مبرزاً حاجة هذه الشبكات إلى الصيانة المتكررة.

ويتابع عوض، في حديثه إلى رصيف22، بأن الحفر الامتصاصية تمثّل "مكرهة صحية خطيرة"، إذ تؤدي إلى روائح كريهة، وانتشار الحشرات، وتالياً تأثيرها على الصحة العامة، والأسوأ أنها قد تُسرِّب ملوِّثات إلى المياه الجوفية، إلى جانب كلف إنشائها العالية على السكان.

وبحسب المادة 3 من نظام منع المكاره ضمن حدود أمانة عمان لسنة 2024، يُحظر على أي شخص إحداث المكاره المنصوص عليها والتي يصنّفها بأنها "إحداث أي حفرة أو قناة أو تجمّع مائي أو مجرى أو مسيل أو بالوعة أو بئر أو مرحاض أو مزبلة أو مدخنة أو مخبز أو أتون أو ما شابه ذلك أو الإبقاء على أي منها بصورة تلحق ضرراً بالغير أو بالصحة العامة".

في غضون ذلك، لم يتوقّف حسونة صلاح عن طرق الأبواب وتوجيه الشكاوى وجاهياً إلى لجان الأعضاء المحلية في أمانة عمان الكبرى وسلطة المياه، لمدة تناهز ثماني سنوات، على أمل تمديد شبكات الصرف الصحي إلى منزله بدلاً من الحفرة الامتصاصية. لكن، إلى وقت نشر هذا التقرير، لم يتلقّ استجابة، كما يخبرنا. ولا تتوقف شكاوى بقية السكان وطرقهم أبواب الدولة والإعلام المحلي -بما في ذلك الرسمي- وغيرها من الجهات المعنية أيضاً.


مياه الشرب... عبء مالي آخر

ولا تقتصر معاناة سكان شفا بدران على غياب شبكات الصرف الصحي عن عدد من مناطقها، فحتى المياه الصالحة للشرب والاستخدام الآدمي لها قصة أخرى، ترويها ربا حجاج* إحدى المقيمات في المنطقة حيث تتحدّث إلى رصيف22 عن واقع لا يقل صعوبة عن أزمة غياب الصرف الصحي عن بعض المناطق.

بوجه عام، أزمة المياه في الأردن هي مشكلة ملحة ومزمنة حيث يحلّ الأردن ثانياً في ترتيب أكثر بلدان العالم فقراً في مصادر المياه إذ تناقصت حصة الفرد السنوية من المياه العذبة المتجددة والمتاحة حاليا لتصل إلى 61 متراً مكعباً، أي تقل كثيراً عن أقل حصّة معقولة للفرد عالمياً والبالغة 500 متر مكعب.

ليس هذا فحسب بل إنه فيما يملك أكثر من 98% من السكان إمكانية وصول إلى مصادر مياه محسّنة، 93% فقط منهم لديهم وصول إلى مصدر مُدار بأمان و86% فقط متصلون بشبكات المياه.

وفي المناطق الحضرية، يزوَّد المواطنون بالمياه مرة واحدة في الأسبوع، مقابل أقل من مرة كل أسبوعين في المناطق الريفية. علماً أن هذه المعدلات تنخفض خلال فصل الصيف.

ومطلع عام 2023، أصدر الأردن الإستراتيجية الوطنية للمياه في الأردن (2040-2023) والتي تستعرض "رؤية قطاع المياه والعمل المشترك مع المؤسسات الحكومية والأفراد والموجهة نحو تحقيق الأمن المائي المستدام كمطلب أساسي للصحة، والازدهار، والنمو".

وتقر الإستراتيجية بـ"حاجة الأردن الماسة إلى زيادة مصادر التزويد المائي وإلى إدارة أمثل لموارد المياه الحالية"، لافتةً إلى دور عوامل مثل التغيرات الديموغرافية والنمو السكاني السريع وتأثيرات تغير المناخ والاستخدام المفرط والاستنزاف المستمر للمياه الجوفية والاعتماد على المياه المشتركة مع دول الجوار" في حالة الشح المائي التي تعانيها البلاد.

بالعودة إلى ربا، فبين نقص المياه، وارتفاع أسعار الصهاريج "يعني، صرنا نخفّف (استخدام) مياه على قدر ما نستطيع، وهذا يؤثِّر في حياتنا اليومية، وهو غير صحي أيضاً، هناك أشياء كثيرة تحتاج إلى المياه، يعني بتصير تأجِّل حياتك اليومية بسبب المياه مثلاً الغسيل أو التعزيل والتنظيف… والبيت كله يتأجَّل"، تضيف.

تُقيم ربا في حي "طاب كراع" بمنطقة شفا بدران منذ تسع سنوات. تذكر أنها خلال السنوات الأولى لإقامتها في المنطقة لم تواجه أي مشاكل تتعلّق بتوافر المياه الصالحة للاستخدامات الحياتية اليومية، إلا أن معاناتها بدأت -كما تقول- منذ عام 2023، حيث أصبح انقطاع المياه الطويل جزءاً من روتين حياتها.

"كل ما لاحظنا زيادة في عدد السكان، أصبحت المياه تنقطع أكثر. في البداية لساعات، وبعدها لأيام، وأحياناً تمر أسابيع دون أن تصلنا المياه خصوصاً في صيف 2025، اضطررنا أن ندفع مبالغ إضافية لتأمين المياه، مثلاً اشترينا خزّانات مياه زيادة للبيت"، تضيف ربا.

على مدى سنوات طويلة، تابع المختار محمود الحجاج شكاوى الأهالي، وهو يرى أن السبب الأساسي في الوضع الراهن بالمنطقة هو ازدياد عدد السكان الذي يشكّل ضغطاً كبيراً على البنية التحتية وخصوصاً شبكات الصرف الصحي.

وبحسب الحجاج، وبصفته مختاراً، ووفق الشكاوى التي تصل إليه من السكان، "خلال فترة الصيف، تنقطع المياه باستمرار، ويشتري السكان خزانات المياه بسعر ما يقارب 60 إلى 70 ديناراً (بين 85 و90 دولاراً) شهرياً، منهم من يشتري مرة أو مرتين في الشهر بسعة مترين أو ثلاثة أو أربعة أمتار بحسب الحاجة والاستخدام" وعدد أفراد الأسرة وغيرها من العوامل المؤثّرة على استخدام المياه.

ويصف الحجاج المشهد قبل نحو 10 إلى 15 عاماً، قائلاً: "لم نكن نشهد انقطاع المياه مثل اليوم. لكن الآن مع زيادة عدد السكان والضغط على المنطقة، وتوزيع فترات المياه على الأحياء من السلطة، أصبحت معاناة. تارةً تأتي المياه وتارةً أخرى لا تأتي".

"ممكن تستمر ثلاثة أو أربعة أسابيع ما تيجي المياه"، هذا ما تلفت إليه ربا، قبل أن تواصل: "صار زيادة في ارتفاع أسعار المياه بسبب زيادة الطلب على تنكات المياه، كان يكلفنا شراء تنك مياه بسعة مترين 10 دنانير (14 دولاراً)، ولكن مع ارتفاع الأسعار صارت 15 ديناراً (نحو 20 دولاراً)، أي ما يقارب 30 ديناراً (40 دولاراً تقريباً) شهرياً، على مرتين".

في شفا بدران، إحدى أرقى مناطق العاصمة عمان ومن أكثرها نمواً سكانياً، "تبدأ مشاريع تعبيد الشوارع، ثم تتوقّف فجأة دون إنجاز، فنُفاجأ بأن 'العمل توقّف إلى إشعار آخر'، فيما تبقى الحفر مفتوحة، وتُشكّل خطراً"

بدوره، يؤكد الحجاج: "نعم، هناك شكوى من بعض الأحياء السكنية، المرتفعة بانقطاع المياه لأسبوعين"، مستدركاً "في المناطق المرتفعة بخاصة في الصيف ومع عودة المغتربين قد يحدث ذلك".

تنقّل غير آمن… بين الحفر

أما سلمى نصار*، التي تسكن في منطقة الكوم الغربي في شفا بدران منذ عام 2015، فتصف لرصيف22 حال الشوارع التي لا يتوقّف الحفر فيها بسبب تحوّل المنطقة إلى البناء وإنشاء المزيد من العمارات السكنية وغيرها من المشاريع الإنشائية.

لقطة للطريق في شفا بدران

تقول: "فيه حَفْر كل فترة والثانية، كان يتكرّر الحفر والسيارات تضطر إلى الميل لتفادي الحفر والمطبات، في الشوارع الرئيسية خصوصاً، بتصير السيارات تميل أثناء السير حتى تتجاوزها".

يقول عضو أمانة عمّان سابقاً، عوض، إن أعمال تمديد شبكات الصرف الصحي تسبّبت في تدهور واضح في حالة الشوارع، حتى باتت متهالكة وغير صالحة للاستخدام، مما يشكل خطراً على السلامة العامة أثناء قيادة السيارات ومرورها.

ويضيف أن أغطية المناهل أصبحت غير مثبتة بإحكام، وبعض الحفر الناتجة من الأعمال الميدانية تصل أعماقها إلى نحو ثلاثة أمتار، مما قد يعرّض المارة، وخصوصاً الأطفال منهم، لخطر السقوط، كما يزيد احتمالية وقوع حوادث سير. والمَنَهل هي الفتحة التي تسمح بدخول مياه الأمطار أو الصرف الصحي إلى شبكات الصرف أو القنوات تحت الأرض.

"المطالبات بتعبيد الشوارع الرئيسية في شفا بدران، إضافةً إلى الطرق الفرعية التي فُتحت لخدمة المنازل، لا تزال دون استجابة تُذكر. خطط التنفيذ تأخَّرت عن موعدها، رغم حاجة المنطقة، ومدة إنجاز أعمال التعبيد يجب أن تكون أسرع"، يشرح عوض.

ربا حجاج تقول إنها تعاني هي الأخرى من تدهور وضع الطرق، مبرزةً "حال الطرق والشوارع لا يقلّ سوءاً عن أزمة المياه. أواجه حفراً منتشرة تُجبرني على الالتفاف لمسافات أطول، مما يزيد الكلفة والوقت"، قاصدةً انتقالها من حي إلى آخر داخل شفا بدران.

وتشدّد ربا: "تبدأ مشاريع تعبيد الشوارع بين الحين والآخر، ثم تتوقّف فجأة دون إنجاز، فنُفاجأ بأن 'العمل توقّف إلى إشعار آخر'، فيما تبقى الحفر مفتوحة، وتُشكّل خطراً على الأطفال الصغار، وتزرع فينا قلقاً دائماً من حوادث قد تقع في أي لحظة".

فضلاً عن الطرق غير المعبّدة والمليئة بالحفر، تواجه سلمى تحدّيات متعدّدة خلال رحلتها اليومية مع وسائل النقل العام في شفا بدران، للوصول إلى مكان عملها في الوقت المناسب، والتي لا تمر دون معاناة أو تأخير، وهي تتمنى أن تتحسّن المواصلات العامة في المنطقة في ما يتعلّق بمختلف الوجهات.

وقبل عام 2019، كانت سلمى تعتمد على باصات الكوستر العمومي، وهي حافلات متوسطة تتسع عادة إلى 23 أو 25 راكباً، وتستخدم في خطوط النقل داخل المدن. لكن منذ ذلك العام، بدأت رحلات باص عمان (التي يتسع الواحد منها لـ42 إلى 52 راكباً) إلى منطقة شفا بدران، وأصبح خياراً إضافياً أمامها خصوصاً عند الذهاب والعودة من مكان عملها، بجانب الباصات العمومية.

الكوستر العمومي وباص عمان

وعن الاضطرار لاستخدام باصات العمومي في بعض الأحيان، تقول سلمى: "الطريق من بيتي إلى الشارع حيث يوجد الباص يستغرق ثلث ساعة مشياً على الأقدام، يعني إذا كان دوامي صباحياً، تكون المعاناة مضاعفة، الباصات تكون مكدّسة بالركاب، فأضطر أن أخرج قبل الموعد بنصف ساعة إضافية حتى أضمن مقعداً للجلوس".

ولا تُتاح وسائل النقل العمومية من شفا بدران إلى كافة الوجهات، مما يضطر سلمى في بعض الأوقات إلى اللجوء إلى سيارات الأجرة عبر تطبيقات النقل الإلكترونية، مما يزيد من معاناتها اليومية وتكلفة تنقلاتها، ويجعل الاعتماد على وسيلة واحدة لتلبية احتياجاتها أمراً صعباً.

نمو سكاني سريع... وبنية تحتية لا تلبّيه

وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، ارتفع عدد سكان لواء الجامعة، حيث تقع شفا بدران، خلال الثماني سنوات الماضية (بين عامي 2016 و2024) بنسبة 19.4%. ويشير آخر تعداد للبلاد، عام 2015، إلى أن عدد سكان شفا بدران يزيد على 72 ألف نسمة، يسكنون مساحة 45.7 كيلومتراً مربعاً. وارتفع العدد في نهاية عام 2024 إلى 88 ألفاً و782 نسمة.

عدد سكان شفا بدران

رغم هذه الزيادة المطردة في السكان، لم تولها السلطات الأردنية الاهتمام الكافي من ناحية تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية لتلبية احتياجات هذه الأعداد المتزايدة من السكان، مما أثّر في جودة الحياة بشفا بدران وتسبّب في تفاقم الفجوة في العدالة الاجتماعية بين المنطقة ومناطق أخرى تابعة لأمانة عمان.

وفي حين أن قطاع الصرف الصحي من أكثر القطاعات التي تحظى بنسب تخصيص مرتفعة من المنح والمساعدات الخارجية على مستوى المملكة الأردنية، بحسب ما تُظهره التقارير السنوية الصادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي الأردنية، ورغم رصد ملايين الدينارات بالفعل لحل أزمة الصرف الصحي في شفا بدران، تظل المشكلة قائمة.

وفي ما يتعلّق في شفا بدران تحديداً، وفقاً للتقارير السنوية الصادرة عن وزارة المياه والري، رصدنا تخصيص عدة مشاريع لمنطقة شفا بدران خلال الفترة ما بين عامي 2016 و2024، من المنح والمساعدات ومن الموازنة العامة التي وجهت إلى مشاريع تحسين وإعادة تهيئة المياه وشبكات الصرف الصحي في المنطقة على نحو خاص.

من المسؤول عن هذا الواقع؟

وفق قانون الإدارة المحلية الأردني رقم 22 لسنة 2021، في المادة 15 منه، يُناط بالمجلس البلدي ضمن حدود البلدية "إقرار مشاريع الخطط الإستراتيجية والتنموية والاستثمارية ودليل احتياجات منطقة البلدية وتحديد الأولويات"، فضلاً عن "التخطيط الحضري والعمراني للبلدية واستحداث وتخطيط وتنظيم الشوارع وإلغاؤها وتعديلها وتعيين عرضها واستقامتها وتسميتها أو ترقيمها وترقيم بناياتها".

ومن مهامها أيضاً "التنسيق مع الجهات المعنية لإنشاء شبكات الصرف الصحي وإنشاء دورات المياه وإدارتها"، و" التنسيق مع الجهات المعنية في إدارة تزويد السكان بالكهرباء والماء والغاز"، و"الموافقة على العقود والاتفاقيات ومذكرات التفاهم والتوأمة على أن تقترن بموافقة الوزير إذا كانت مع جهة من خارج المملكة".

وعليه، تواصل رصيف22 مع أمانة عمان الكبرى عبر البريد الإلكتروني ولم يصلنا أي رد. كما تواصلنا عبر واتساب، مع الناطق الإعلامي باسم أمانة عمان الكبرى، ناصر الرحامنة، والذي أعرب عن دهشته من اهتمام رصيف22 بـ"خبر داخلي بحت وخاص"، وطلب أن يتواصل معه مباشرةً ووجاهياً "مندوب" رصيف22 في الأردن. وعقب محاولات تواصل متكرّرة، عبر واتساب أيضاً، توقف عن الرد على رسائلنا ولم يجب عن أسئلتنا.

في 2026، يعيش سكان إحدى مناطق العاصمة الأردنية، التي تمتلك مزيجاً فريداً بين الحداثة والتاريخ، في انتظار دورهم للحصول على أبسط الخدمات الأساسية بعد عقود من الوعود الحكومية التي لا تنفذ، ورغم توافر التمويل

تواصل رصيف22 عبر البريد الإلكتروني مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي الأردنية لسؤالها عن متابعة الدول والجهات الخارجية لنفقات المنح المخصصة منذ سنوات لمشروع الصرف الصحي المعطّل في المنطقة. لكن لم يصلنا أي رد حتى النشر.

الجدير بالذكر أن الأمم المتحدة تعتبر الحصول على المياه والصرف الصحي من حقوق الإنسان الأساسية، لما لهما من أهمية بالغة لصحة وكرامة ورفاهية الجميع. اعتُرف بحق الإنسان في الحصول على مياه شرب آمنة لأول مرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان كجزء من القانون الدولي الملزم في عام 2010 فيما أُقر صراحةً بحق الإنسان في الصرف الصحي كحق مستقل من الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015.

وبحسب المفوضية السامية لحقوق الإنسان والحق في المياه وخدمات الصرف الصحي، فإنه "بالرغم من التقدّم المحرز، إلا أنه لا تزال هناك تحديات لبلوغ الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة وللتصدّي لحالات عدم المساواة بين البلدان وضمن البلد الواحد في الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي الأساسية".

في الأثناء، قد لا يتصوّر كثيرون كيف يعيش سكان إحدى مناطق العاصمة الأردنية التي تمتلك مزيجاً فريداً بين الحداثة والتاريخ، في انتظار دورهم للحصول على أبسط الخدمات الأساسية في عام 2026. لكنه الواقع الناجم عن عقود من التجاهل والتهميش وصم الأذن عن مطالبهم الحقّة من الحكومات المتعاقبة.

واقع يعبّر عنه حسونة بقوله: "نعيش اليوم في مكاره صحية لا تُحتمل. أنا والكثير من الإخوان في الحي في انتظار طويل لوصول شاحنات النضح. أنا شخصياً الآن (وقت إجراء المقابلة معه) أنتظر منذ ثلاثة أيام مجيء سيارة النضح".

وتختصره ربا حجاج بقولها: "يعني بتصير تأجل حياتك اليومية بسبب المياه مثلاً الغسيل أو التعزيل والتنظيف وشؤون البيت كلها بتتأجَّل…".

تعتقد ربا حجاج أن "التجاهل" الذي تعانيه شفا بدران "مش دايماً بيكون عن قصد؛ مرات الجهات المسؤولة ما بيوصلها حجم المشكلة الحقيقي، ومرات البطء الإداري ونقص المتابعة بيخلّي المطالب تضيع بين الأولويات". مع ذلك، لا تنفي وجود "تجاهل متعمّد أو تفضيل مناطق على مناطق بسبب نظام إداري مش ماشي صح"، وهو السبب الذي لأجله تدعو إلى رفع الصوت و"وضع المشكلة أمام المسؤولين بطريقة مناسبة لأن الضغط الواضح والهادئ هو الذي يجعل الأمور تتحرك، والحقائق هي التي ينبغي أن تتحدث، وليس الصدام".

أما حسونة صلاح، فيشدّد على أن "هناك تعطيلاً للأعمال كاملة، خصوصاً من أمانة عمان الكبرى… زمان كان في وعود للتعبيد، وتوسيع الصرف الصحي، كل ذلك توقف، كأنه صار في تجميد للعمل، الآن ما في حتى إنارة للشوارع، بالنسبة للمواصلات المنطقة شاسعة وواسعة، في بعض المواصلات. لكن بصراحة غير كفاية للمنطقة لأن المنطقة تتوسع في استمرار، وعدد السكان فيها يزداد، وبحاجة إلى تطوير الأعمال وبخاصة الأعمال الحكومية (مراكز صحية أو مراكز دفاع مدني وهكذا)".

*اسم مستعار بناءً على طلب المصدر لاعتبارات السلامة الشخصية.

فضّلت معدة التحقيق النشر باسم مستعار لاعتبارات السلامة الشخصية. وحيث أنها من أبناء المنطقة، استعان رصيف22 بصحافي محلي لإجراء بعض المقابلات على الأرض، مع العلم أنه فضّل عدم أيضاً عدم ذكر اسمه.

أُنتج هذا التحقيق بدعم من منظمة Civil Rights Defenders.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image