شاب مصري في بدلة رقص إذلالاً… بضاعتكم الذكورية رُدّت إليكم

شاب مصري في بدلة رقص إذلالاً… بضاعتكم الذكورية رُدّت إليكم

رأي نحن والنساء نحن والحرية

الاثنين 16 فبراير 20266 دقائق للقراءة

حين نحذّر ونقول إن الذكورية لا تضرّ النساء وحدهن، وإنها في بعض الأحيان قد تحطّم الكثير من الرجال، يقابَل هذا بسخرية من الكثير من أصحاب هذا الفكر وصاحباته.

نظرياً، الذكورية ستمنح كافة المكاسب لـ"الذكور"، وتسلب في المقابل كافة الحقوق والاستحقاقات من النساء. لكن على أرض الواقع، غالباً ما تقتصر المكاسب على الذكور "الأقوياء" وحدهم. فعبارة "البكاء ليس للرجال"، باختلاف صيغها في اللهجات العربية المحكية، كانت سبباً في حرمان كثير من الرجال من أبسط حقوقهم في التعبير عن مشاعر الضعف والألم والخذلان الطبيعية، وكثيراً ما كانت سبباً أيضاً في توبيخ والسخرية من العديد من الرجال الذين لم يستطيعوا أن يكبحوا جماح دموعهم فباغتتهم بسقوط علني حُسب عليهم.

تعاطفت مع إسلام، وحزنت لأجله، لكنني في الوقت نفسه، غضبت من تصوير ارتداء الملابس النسائية وكأنه نهاية العالم وأسوأ انتقام. وإن كان هذا ما نبت في عقول الذكوريين والذكوريات على مر السنين

قبل بضعة أيام، ضجّت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في مصر بمقطع مصوّر يظهر فيه شاباً في ملابس نسائية، ملابس رقص شرقي تحديداً، بينما يمشي في شارع ويتعرّض للضرب والإذلال. اتضح لاحقاً أن الشاب، ويُدعى إسلام، متهم بـ"خطف" فتاة من قريته وارتباطه عاطفياً بها رغماً عن أهلها، وأن أهل الفتاة فعلوا ذلك لاستعادة "شرفهم" أمام أهل القرية والانتقام من الشاب والتنكيل به وبذويه.

ويُحاكم في القضية رقم 1188 لسنة 2026 إداري مركز بنها، 6 متهمين/ات بعدما أجبروا الشاب على ارتداء الملابس النسائية، بدلة رقص، وتصويره واقفاً على كرسي تارة ومتجولاً في الشوارع تارةً أخرى، في ما يُشبه "الزفّة"، كـ"وضعية مهينة تجلب العار" الذي لن يزول عن الشاب وعائلته، ولا سيّما بعد نشر الفيديو.

مع التنديد الكامل بهذا السلوك الهمجي الذي يعكس بلطجة واستعراض عضلات وعنف وإكراه لهذا الشاب، وبعيداً من صدق اتهام أهل الفتاة من عدمه حيث إن الأمر يتعلّق بشخصين بالغين ينبغي أن تكون لديهما الحرية في اختيار الشريك من دون إجبار، لفتني بشدة ما يعكسه هذا الفعل من تحقير للنساء وكراهية فجّة لهن. جميع من تعاطفوا مع الشاب وحزنوا لأجله هالهم أن رجلاً يرتدي ملابس نسائية وكأنما قامت القيامة، لم تكن أزمتهم الرئيسية في ضربه أو سحله أو إجباره على الفعل بقدر ما أغضبهم "إهدار كرامته" بظهوره وتصويره في زي نسائي.

تعاطفت مع إسلام، وحزنت لأجله، ولم أفكّر في أسباب التنكيل به حتى، لأنه لا مبرّر لدي في فعل الإذلال أو الإرغام على شيء ولا العنف بالطبع. لكنني في الوقت نفسه، غضبت من تصوير ارتداء الملابس النسائية وكأنه نهاية العالم وأسوأ انتقام. وإن كان هذا ما نبت في عقول الذكوريين والذكوريات على مر السنين والتصق بأذهانهم/ن فليس مستبعداً أن يكون سبباً كافياً لكل هذا الغضب من الفعل، وكل هذا التضامن مع ضحيته، إسلام.

تسمية الحادثة إعلامياً بواقعة "الملابس النسائية" تكريس آخر لهذه النظرة الدونية للنساء، بل وهي نتاج مباشر لثقافة تحويل النساء إلى مسبّة يتبادلها الذكور في ما بينهم. فحين يكون الشاب مهذباً أو يخشى المغامرة أو لا يستخدم العنف، يُطلق عليه رفاقه "سوسو" أو "سوسن" أو اسم أي سيدة، كـ"توبيخ" و"إهانة". وحين يريد رجل أن يحقّر رجلاً يسبّه بذكر اسم والدته أو زوجته أو "يُعايره" بـ"أهل بيته" وملابسهن أو أفعالهن إلخ.

لا يتوقف ذلك على سياقات اجتماعية محدودة أو ضيقة بل مع الأسف يظهر على الشاشات وعبر السوشال ميديا ويتفاخر به علناً. لكنه في بعض السياقات يكون أكثر وضوحاً وفجاجة من غيره، مثل سياق الرياضة والمنافسات الكروية في مصر. أتذكر جيداً كيف سخر جمهور كرة القدم من لاعب نادي الزمالك المصري سابقاً طارق حامد وتنمّروا عليه حين أُصيب في الملعب ووصلت الدماء إلى الشورت، فوصف بالـ "حائض".

وفي السياق نفسه، شاع ارتباط اسم لاعب الزمالك الأسبق أيضاً باسم مرسي باسم "بسمة" كمسبّة بسبب تسريحة شعره آنذاك. حالياً، أُلصق اسم لاعب النادي الأهلي الحالي إمام عاشور باسم "إيمان". الشاهد في هذه الحوادث وما يماثلها، أنه إذا أراد شخص ما إذلال رجل، يُطلق عليه اسماً نسائياً أو جعل اسمه يقترن بأي أمر أنثوي…

في المقابل، غالباً ما تعالت الدعوات إلى خطورة تشويه النساء ووصمهن ووضع ملابسهن وأفعالهن في خانة "جلب العار للرجل"، هذا الأمر الذي أخذ يتفاقم في مصر في السنوات الأخيرة، وطفح أخيراً في سلسلة من الحوادث المثيرة للفزع والغثيان.

في غضون أيام، شاهدنا كيف دعم العشرات ودافعوا عن متحرّش وقح وقف بكل جرأة يتحدّى ضحيته وسط جمع من أشباه البشر الذين كانوا يهاجمونها ولا يقدّرون فزعها وصرخاتها ولم يستمعوا لها حتى. الأنكى أن ظهر لاحقاً "ضيفاً" على شاشة إحدى القنوات التلفزيونية ليتحدّْث عن الواقعة وعما "شعر" به لحظة تصوير الفتاة له واتهامه بالتحرّش بها… فعلاً حدث ذلك دون انتظار صدور الحكم في القضية التي رفعتها الفتاة ضده، وكأنما الحكم "تحصيل حاصل" وقد حُسمت المواقف بمناصرة المتحرِّش.

بالتزامن، قتل رجل زوجته بأكثر من 40 طعنة (في رواية أخرى بـ19 طعنة)، وخرج يبرّر جريمته علناً، عبر حسابه في فيسبوك، بـ"الخيانة الزوجية"، وأيضاً وجد من يصطف إلى جانبه وهو القاتل الهارب من العدالة. عشرات الحوادث التي تظهر فيها بقوة "شيطنة النساء وإلقاء اللوم عليهن" في أي شيء، وكيف لا والحُجّة الأبرز جاهزة: أليست حواء هي التي أخرجت آدم من الجنة؟

الحل ليس فقط كما يطالب غالبية المتضامنين مع إسلام عبر تشديد العقوبة على من ضربوه وأجبروه على ارتداء ملابس على غير إرادته -كما ينبغي وصفها- والتجوّل بها. الحل هو أن يفهم ويقتنع الجميع أن النساء لسن سُبة وكل ما يتصل بهن ليس وصمة

لكن الحقيقة التي ينبغي أن يستمع إليه هؤلاء الذين يغذّون ويتغذّون على تحقير النساء أن الحادثة التي تعرّض لها إسلام، كما لم تكن الأولى، فلن تكون الأخيرة وسيظل هذا الفعل والأفعال على شاكلته تؤذي المزيد من الشباب والرجال تماماً كما تضر ملايين النساء والفتيات في كل يوم بلا ذنب.

والحل ليس فقط كما يطالب غالبية المتضامنين مع إسلام عبر تشديد العقوبة على من ضربوه وأجبروه على ارتداء ملابس على غير إرادته -كما ينبغي وصفها- والتجوّل بها، كي يرتدع أي شخص آخر قد يفكّر في تكرار هذا الفعل. الحل هو أن يفهم ويقتنع الجميع أن النساء لسن سُبة وكل ما يتصل بهن ليس وصمة. فلا الدورة الشهرية والحيض وصمة أو "عاراً" ينبغي الحديث عنه همساً، ولا الملابس النسائية وصمة لو أراد رجل ارتداءها كما يحلو لبعض النساء ارتداء "تي شيرت رجالي" أو غيره، ولا أسماء النساء وصمة إذا نودي به أي شخص.

إذا انتهت هذه الثقافة التحقيرية فقط، وتبدّلت قناعات أصحابها، فلن تتكرّر هذه الواقعة بالتأكيد. ولكل ذكوري/ة آلمه ما تعرّض له إسلام، انتبه/ي هذه بضاعتكم/ن رُدّت إليكم/ن.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image