في شوارع سوريا اليوم لا يحتاج المرء إلى نقاش سياسي طويل ليدرك أنّ الألم صار معياراً؛ في الطريق إلى عملي أسمع الناس يتجادلون بصوتٍ منخفض، ليس عمّن يحكم، بل عمّن يتألّم أكثر. هذه عائلة فقدت ابنها غرقًا أثناء محاولة الهرب، وتلك صبية نزحت من منطقتها بعدما قُصفت بالبراميل، وهذا الشائب يرفع صوته كل يوم بعبارة "نحن أيضاً مظلومون"، وكأن الاعتراف بألم الآخر أصبح تهديداً لألمنا نحن، وكأنّ المظلومية مورد نادر يجب الاحتفاظ به قبل أن ينفد.
شيئًا فشيئاً، تحوّل الحديث عن الألم إلى لغة يومية، لغة تحدد من يُسمح له بالحديث، ومن يُترك صامتاً. لم تعد المطالبة بالحقوق مسألة أساسية، بل أصبح السؤال: من سيُعترف بألمه أولاً؟
خيام تغرق وصمت مستتر
قبل أيام فقط، غرقت مخيمات النازحين/ات في ريف إدلب تحت مياه الأمطار. المشهد بات مألوفاً ومتكرراً: خيام تغرق، فرش تتلف وأطفال يقفون وسط الوحل بانتظار أن تجف الأرض التي ينامون عليها. الجديد ليس ما حدث، بل فكرة أنه ما زال يحدث بعد أكثر من اثني عشر عاماً على النزوح.
لم يتحدث الناس عن السياسة، بل عن الغياب: "وين الدولة؟ ليش بعد التحرير بعدنا بالخيم؟ ليش ملفنا متروك؟ أنت يا مسؤول الدولاب دار علينا نحنا ما بنشحدكم بس حالتنا مذرية، ملينا من تبديل الفرش وتشذيب قماش الخيمة بدنا نعيش تحت سقف وتدفى أطفالنا".
هناك من يعيش مظلوميته في طين المخيم، وهناك من يحملها في جسده وذاكرته لسنوات. في الحالتين، لا تتحول المعاناة إلى حق، بل تبقى معلقة في الهواء بانتظار اعتراف أو إدارة مؤقتة
تلك الاستفهامات والشكوى لا تصدر عن جماعة تبحث عن اعتراف رمزي بمظلومية، بل عن بشر يعيشون في وضع غير قانوني من حيث المبدأ. الخيمة ليست مسكناً، والعيش تحت المطر ليس ظرفاً استثنائياً بل شكل من أشكال التعليق القسري للحياة. مظلوميتهم ليست في الغرق فقط، بل في كونهم خارج أي تصور للحق الطبيعي في السكن، وخارج أي جدول زمني للخروج من الوضع المؤقت.
في مخيمات إدلب، لا تحتاج المظلومية إلى سردية كبرى، يكفي أن يكون بيتك من قماش، وأن يُدار وجودك بمنطق الإغاثة لا بمنطق الحقوق. أهلنا في المخيمات لا يطالبون بأن يكونوا أكثر ألماً من غيرهم، بل بأن يتوقف هذا الألم عن كونه شرطاً لبقائهم بيننا مرئيين.
ومع ذلك، تبقى قضيتهم معلقة؛ لا هم ضحايا حرب جارية، ولا هم ناجون دخلوا في مرحلة حياة طبيعية بل هم مثال حي على كيف تتحول المظلومية إلى وضعٍ دائم، وكيف يصبح الحرمان سياسة صامتة لا تحتاج إلى قمع مباشر.
ما حدث ليس كارثة طبيعية فقط، بل فشل مستمر في تحويل الإنسان من ملف إغاثي إلى صاحب حق؛ فحين تُترك الخيمة لتغرق مرة بعد مرة، فإن الرسالة واضحة: حياتك قابلة للتأجيل، ومعاناتك لا تُعد انتهاكاً طالما يمكن تصويرها ثم تجاوزها.
وهنا نصل إلى أن ما يجمع بين الخيام الغارقة في إدلب، والقصص الفردية التي نسمعها في المدن الأخرى، ليس نوع المأساة بل شكلها السياسي. فهناك من يعيش مظلوميته في طين المخيم، وهناك من يحملها في جسده وذاكرته لسنوات. في الحالتين، لا تتحول المعاناة إلى حق، بل تبقى معلقة في الهواء بانتظار اعتراف أو إدارة مؤقتة.
ملامحّ الفقد في وجوهٍ أعرفها
بعد أيامٍ قليلة من حادثة غرق المخيمات، التقيت صديقة بعد انقطاع سنة وشهرين، جلست تحكي عن خوفها وكأنه جزء من روتينها اليومي، عن مدينة لم تعد تشبه نفسها، ليس بسبب الشوارع، بل لأن الوجوه المعتادة قد اختفت. شعرت أن الأمان هنا لا يُقاس بالشرطة أو الحواجز، بل بمن يخدمك أمنياً؛ هل هو من منطقتك أم من محافظة أخرى؟
في دمشق حيث تسكن عائلتها، تقول إن أبناء الحي ممن يخدمون في المؤسسات الأمنية يمنحون شعوراً ولو هشاً بأن أحداً يعرفها، أما في طرطوس فالغربة داخل المكان أشد قسوة من الغربة عنه، ثم قالت الجملة التي أثقلت قلبي: "نحن متهمون حتى نثبت لهم العكس". مجرد البقاء في مدينة بعينها أصبح سبباً لأن يُنظر إليك كفلول، وكأن الهوية الجغرافية صارت ملفاً أمنياً، لكن ألمها الأكبر لم يكن في هذا الخوف اليومي، بل في مظلومية غياب والدها، وهو ضابط سابق في الجيش اختفى سنة 2013، ولم تعرف العائلة حتى الآن هل هو حيّ في سجن ما، أم منفي، أم صار رقماً بلا قبر. عائلة كاملة تعيش على احتمال، وعلى فراغ لا اسم له.
شعرت بثقل ما يعانيه كل إنسان في صمت الحياة السورية، وأدركت كم يمكن للألم أن يكون صامتاً، وكم هو صعب أن يُرى ويُسمع
حين أنهت صديقتي حديثها لم تطلب حلّاً أو عدالة انتقالية وحتى تكثيف جهود السلطة بملف المفقودين، بل قالت ببساطة: "نريد فقط أن يشعر الآخرون بنا". هي لم تطلب تعويض، بل اعتراف حقيقي بمظلوميتها أيضاً ولو اختلف مضمونها. في تلك اللحظة بدا واضحاً أنّ المظلومية لم تعد تجربة شخصية فقط، بل صارت جسراً هشاً بين الفرد والمجتمع، إن لم يُعبر عنه الآخرون بالشعور، يبقى الألم معلقاً في الهواء، بلا معنى كأنه لا يكتمل إلا إذا رآه أحد.
شعرت بثقل ما يعانيه كل إنسان في صمت الحياة السورية، وأدركت كم يمكن للألم أن يكون صامتاً، وكم هو صعب أن يُرى ويُسمع. هذه اللحظات جعلتني أعيد التفكير بكل ما يعنيه الشعور بالآخر، دون مقارنة، دون ترتيب، فقط إدراك للإنسانية نفسها.
ما يربط بين مشهد الأطفال الغارقين في مياه المخيمات، وبين صديقتي التي تعيش حزن غياب الجواب عن سؤالها المستمر: "أين أبي؟"، ليس نوع المأساة بل شكلها السياسي والاجتماعي نفسه. وفي كلتا الحالتين، يُترك الإنسان في وضعٍ مؤقت، بلا حق مضمون، وبلا اعتراف كافٍ بمعاناته.
هذا الرابط بين الألم الجماعي والفردي يكشف الحقيقة الأصعب: المظلومية ليست فقط تجربة شخصية أو حدثاً عارضاً، إنما هي أداة اجتماعية وسياسية تتحكم في إمكانية وصول الحقوق، وتفرض على كل إنسان قياسات جديدة للإنسانية سواء تحت المطر في المخيم، أو بين وجوه غير مألوفة في مدينتك، فهل يكفي إذاً أن تكون ضحية لتُسمع؟
الألم وحده يقرر القيمة والحق؟
حين ننظر إلى سوريا بعد سنة وشهرين من سقوط نظامها السابق، يكون واضحاً كيف أنّ المظلومية لم تعد مجرد شعور أو تجربة شخصية، بل هي معيار يُقاس به وجود الإنسان نفسه وحقوقه، الحق في الطعام، في السكن، في التعليم، وحتى الحق في البقاء، لم يعد مضموناً لكل إنسان بمجرّد كونه إنساناً، بل أصبح مشروطاً بقدرتنا على إثبات حجم معاناتنا للآخرين.
من غمرت المياه خيمته في إدلب يُنظر إليه أحياناً كـ "أحق بالاعتراف"، بينما من عاش تجربة صعبة ولكن أقل وضوحاً قد يُترك على الهامش، وكأنّ الألم وحده يقرر القيمة والحق.
الحديث عن ألمنا نحن السوريين أصبح شرطاً للظهور، والمقارنة بين الجراح اليومية وسيلة لتحديد من يُسمح له بالحق في الوجود والاعتراف.
وهنا تظهر المفارقة، في عالم يُقاس فيه الإنسان بمدى معاناته يتحوّل التعاطف إلى وظيفة مؤقتة، والحقوق إلى امتيازات مشروطة، لا إلى قاعدة ثابتة تحمي الجميع. لذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف معنى الحقوق الإنسانية والتعاطف؛ أن يُرى كل إنسان، أن يُحترم حقه في الحياة والكرامة، وأن تكون العدالة والشعور بالآخر مستقلين عن أي معيار للألم أو مقارنة بين المظلومات. يجب أن لا يُختبر الألم ليُسمع، ولا أن يُقاس ليُعترف، بل يكفي أن يكون الإنسان إنساناً.
لا يكون التعاطف الحقيقي في مقارنة حجم المآسي أو في اختبار من يستحق الظهور أكثر، بل في القدرة على الوقوف إلى جانب الآخر دون تحويل ألمه إلى مادة للمفاضلة، فالتعاطف ليس موقفاً أخلاقياً متعالياً بل ممارسة إنسانية تُقاس بالفعل، لا بترتيب الضحايا في سلمِ المعاناة، ورغم ذلك، ما زلت أشهد على أشكال أخرى من التعاطف، هي أقلُ ضجيجاً وأكثر صدقاً؛ أشخاص يسمعون القصص دون أن يقيسوا حجم الفقد، يواسون دون أن يحاكموا، يقدمون المساعدات اللوجستية والمالية لأهالي المخيمات وأهالي الساحل ويشاركون بالعون دون أن يحوّلوا الألم إلى منافسة. هذه المساحة الصغيرة هي ما تبقى من إنسانية في أرض سوريّة، اختُزل فيها الحق في المشاركة والكرامة إلى حدوده الدنيا.
"من يعاني أكثر يستحق أكثر"
هل سنختار أن نرى الآخر أم سنغلق أعيننا على رقابة المظلومية؟ الجواب ليس سهلاً، لأنه يتشابك مع معايير اجتماعية وسياسية تحدد من يُسمح له بالظهور، ومن يبقى على هامش الحياة.
الشعور بالآخر يجب أن ينبع من الإنسانية نفسها، لا من مقارنة المآسي، ولا من شرط إثبات الألم. والتحدي الأكبر أمامنا هو التحرر من منطق "من يعاني أكثر يستحق أكثر"
في سوريا اليوم، التي أصبحت المظلومية لغة شبه رسمية للوجود، يصبح التعاطف تحدياً يومياً، والحق في المشاركة الإنسانية معركة صغيرة وكبيرة في الوقت نفسه.
أشعر أننا بحاجة إلى إعادة التفكير فيما يعنيه التعاطف وحقوق الإنسان. الشعور بالآخر يجب أن ينبع من الإنسانية نفسها، لا من مقارنة المآسي، ولا من شرط إثبات الألم. والتحدي الأكبر أمامنا هو التحرر من منطق "من يعاني أكثر يستحق أكثر".
ربما يكون المستقبل السوري مرهوناً بهذا النوع من التعاطف، تعاطف يتجاوز المقاييس ويعيد الحقوق إلى أصحابها، لا كامتياز لمن صرخ بصوتٍ أعلى، بل كحق لكل إنسان في الحياة والكرامة.
وفي هذه المسافة بين الألم والحق، بين المظلومية والوجود، يتجلى الأمل بأن يصبح الشعور بالآخر فعلٌ عفوي وصادق، لا واجباً مفروضاً، فإذا استطعنا أن نشعر بالآخر دون حسابات أو مقارنات، يمكننا أن نعيد للوجود السوري معناه، ونمنح الحقوق الإنسانية قوتها الحقيقية بعيداً من رقابة المظلومية السورية الحالية والتي اختُطفت منّا حتى لحظات التعاطف.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
