ليس الجدل وحده، هي تخوفات حقيقية وأسئلة مصيرية كبرى باتت تتصدر المشهد الفلسطيني اليوم مع طرح مشروع الدستور المؤقت للنقاش العام. هذه المرة المسألة لا تقتصر على تعديلات في التشريع، وإنما تمس شكل النظام السياسي المقبل –إن وُجد– وطبيعة المرحلة الأخطر التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة بين واقع السلطة الفلسطينية وما تبقى من اتفاق أوسلو وأفق الدولة. مع هواجس من أن يكون الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد بدأ بالفعل عملية نقل صلاحياته إلى نائبه حسين الشيخ.
وسط كل ما سبق، تتباين القراءات القانونية للمسودة، وتتقاطع مع أسئلة خطرة حول آليات انتقال السلطة، وموقع منظمة التحرير الفلسطينية، وإمكانية تطبيق دستور مؤقت في ظل الاحتلال والانقسام. في هذا التقرير، يرصد رصيف22 أبرز ملامح هذا الجدل، ويستعرض الآراء حول دلالات المشروع وتداعياته المحتملة.
مبدأ التفويض الديمقراطي
أصدر الرئيس محمود عباس في 9 شباط/ فبراير 2026 قراراً رئاسياً بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، من أجل توسيع نطاق المشاركة المجتمعية ودعوة المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية والخبراء والأكاديميين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم عليها خلال 60 يوماً من تاريخ نشر القرار.
هذه الخطوة أثارت سجالات سياسية وقانونية واسعة، تركزت في معظمها على المواد المتعلقة بالرئيس ونائبه، وتراوحت تلك النقاشات والسجالات ما بين إشادات وانتقادات ومطالبات بتعديلات جوهرية. فقد "نصت المادة 79 من المسودة على أن لرئيس الدولة أن يعين نائباً له، وأن يعفيه من منصبه، وأن يقبل استقالته، وفي حال شغور منصب رئيس الدولة بالوفاة أو الاستقالة يحل محله رئيس مجلس النواب، وحال شغور منصب رئيس الدولة لفقدان الأهلية أو عدم قدرته على ممارسة مهامه الدستورية، يُعلن شغور المنصب بقرار من المحكمة الدستورية بناءً على طلب الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، ويباشر رئيس مجلس النواب مؤقتاً سلطات رئيس الدولة".
الإشكالية الحالية تكمن في غياب وضوح دستوري بشأن آلية انتقال السلطة في حال شغور منصب الرئيس، بين رئيس المجلس التشريعي، ورئيس المجلس الوطني. بينما يفتح الدستور الجديد الباب أمام تولي نائب الرئيس الحالي حسين الشيخ
يقول مدير دائرة مناهضة الفصل العنصري في منظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور ماهر عامر، في حديثه لرصيف22: "المادة التي تمنح رئيس الدولة حق تعيين نائب له تثير إشكالية دستورية تمس مبدأ التفويض الشعبي الديمقراطي، لأن إسناد صلاحيات لشخص غير منتخب يتعارض مع الديمقراطية وحرية الاختيار، والنموذج الأمثل هو أن يُنتخب الرئيس ونائبه مباشرة من الشعب بما يضمن احترام رغبة الناخبين وإرادة الشعب".
ويضيف: "الدستور ليس نصاً قانونياً عادياً، ولكنه يشكل أساساً للعقد الاجتماعي الذي تستند إليه شرعية الحكم وينظم العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم، ويؤسس لاستقرار النظام السياسي في الدولة. والمسودة التي لا تشمل متطلبات التحرر الوطني والانعتاق من الاحتلال، ولا تعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، تُخاطر بتكريس واقع السلطة بدل تأسيس واقع الدولة، لا تعبر عن الطموح الشعبي الفلسطيني، وهنا تبرز إشكالية أخرى تتمثل في صعوبة تنظيم استفتاء دستوري أو انتخابات وطنية شاملة تشمل القدس وقطاع غزة والشتات في ظل الاحتلال والحصار والانقسام وسياسات الضم والتهويد، فضلاً عن القيود المفروضة على اللاجئين في دول اللجوء وبلدان الاغتراب".
تركيز للحقوق الفردية وضعف للتأصيل الوطني التحرري
من جانب آخر، يرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني محمد شاهين، في حديثه لرصيف22، أن نشر المسودة في هذه المرحلة خطوة إيجابية إجرائية تفتح باب النقاش العام، لكن تركيزها الغالب على الحريات الفردية والديمقراطية الإجرائية مع ضعف التأصيل الوطني التحرري يجعلها – في صورتها الحالية – غير كافية كوثيقة دستورية انتقالية لشعب يخوض صراع تحرر وطني مستمر ضد احتلال استيطاني استعماري.
ولتحقيق التوازن الدستوري المطلوب، يتعين إدخال تعديلات جوهرية عليها تضمن إضافة مواد صريحة حول الدولة تحت الاحتلال والكفاح الوطني وتأكيد مركزية حق العودة كحق جماعي وفردي غير قابل للتصرف وربط عضوي دستوري قوي بمنظمة التحرير كإطار سيادي جامع ونصوص واضحة حول واجب مقاومة الاحتلال ورفض أي شكل من أشكال التطبيع أو الاعتراف بشرعيته.
طرح المسودة عقب قرارات إسرائيل بتوسيع صلاحياتها في الضفة الغربية، يعكس محاولة فلسطينية لتأكيد "سيادة رمزية".
ويضيف: "التركيز على الحقوق والحريات الفردية والعامة ومنحها مساحة واسعة ومفصلة، بما في ذلك كرامة الإنسان والمساواة وحرية التعبير والتجمع والمحاكمة العادلة وحماية الأسرة وحقوق المرأة والشباب والفئات المهمشة بما يشمل أسر الشهداء وضحايا الإبادة، هذا يوضح التزاماً بمعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين لعام 1966 واتفاقيات جنيف، ويتوافق مع متطلبات الاعتراف الدولي بدولة فلسطين كدولة ديمقراطية تحترم الحقوق الأساسية".
تساؤلات كبرى حول انتقال الرئاسة
إن الهدف غير المعلن من هذه التعديلات هو نقل الصلاحيات تدريجياً وبهدوء إلى حسين الشيخ، بما يضمن استمرارية المنظومة القائمة من دون اضطرابات سياسية، وأن المرحلة الانتقالية في الحالة الفلسطينية لم تعد مؤقتة، بل باتت طويلة وربما دائمة، وهو ما يعكس غياب أفق واضح لإنهاء الاحتلال أو إقامة دولة ذات سيادة كاملة، والإصلاحات الحالية تسير باتجاه تكريس المرحلة الانتقالية وتطبيع التعامل مع الواقع القائم الذي تفرض فيه إسرائيل هيمنتها على الأرض باعتباره معطى سياسياً ينبغي التكيف معه لا مقاومته، يقول عمر عساف، منسق المؤتمر الشعبي 14 مليون، في حديثه لرصيف22.
ويضيف: "حزمة الإصلاحات والإجراءات السياسية في المرحلة الراهنة تهدف إلى تكريس المرحلة الانتقالية وتطبيع التعامل مع الواقع القائم تحت السيطرة الإسرائيلية بعيداً من منطق التحرر الوطني، واستمرار المرحلة الحالية باعتبارها انتقالية دائمة تعكس توجهاً واضحاً نحو انتقال سلس للسلطة باتجاه نائب الرئيس، ومن تلك الإجراءات عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، وهو يأتي ضمن هذا المسار الهادف إلى إعادة ترتيب هرم القيادة الفلسطينية تحسباً لأي فراغ محتمل في موقع الرئاسة، لأن الإشكالية الجوهرية القائمة تكمن في غياب وضوح دستوري بشأن آلية انتقال السلطة في حال شغور منصب الرئيس، حول إذا كانت الصلاحيات ستؤول إلى عزيز الدويك بصفته رئيس المجلس التشريعي المنتخب، أم إلى روحي فتوح رئيس المجلس الوطني، ولكن الإصلاحات والإجراءات الجديدة تفتح الباب أمام تولي نائب الرئيس الحالي حسين الشيخ منصب الرئاسة بصورة مؤقتة، و"لكن المؤقت في التجربة السياسية الفلسطينية كثيراً ما يتحول إلى دائم".
يختلف مع هذا الرأي نائب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني الدكتور حسن خريشة، يقول لرصيف22: "الإشارة في مسودة الدستور واضحة بأن من يتولى منصب الرئيس في حال شغوره هو رئيس البرلمان، وبذلك ينتفي تسلم نائب الرئيس لرئاسة الدولة، وهذا لا يؤسس لتولي نائب رئيس السلطة الفلسطينية حسين الشيخ رئاسة الدولة في حال شغور منصب الرئيس. إن كل ما يتم الحديث عنه من إصلاحات، ومن ضمنها مسودة الدستور، تأتي في سياق الضغط الأمريكي نحو قيام السلطة بإصلاحات بما يتناسب مع الرؤية الأمريكية حتى تكون السلطة الفلسطينية جزءاً من الترتيبات المستقبلية في المنطقة، وهذه اللجنة تم تشكيلها ليس من خبراء ومختصين، ولكن بتمثيل فصائلي من أمناء عامين لفصائل في منظمة التحرير، ويُستبعد جزء مهم من الشعب الفلسطيني، وبخاصة الفصائل غير الممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية".
لم تحدد المسودة طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، ما قد يؤدي إلى نزاعات تشريعية لاحقة عند صياغة قوانين الأحوال الشخصية أو الحديث عن الحقوق والحريات، ولكن النص على أن فلسطين دولة مسلمة قد يطرح سؤالاً أوسع حول باقي الديانات
ويضيف: "يشكل غياب المجلس التشريعي الفلسطيني أحد النواقص الهامة في هذه المرحلة، فإقرار الدستور بحاجة إلى مجلس تشريعي فاعل، وموضوع الدستور هو موضوع سابق لأوانه. اليوم علينا أن نعتمد على أنفسنا من خلال وحدة الموقف الفلسطيني في ظل قرارات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة وبعد الحرب التدميرية على قطاع غزة، وفي ما يتعلق بالاستفتاء وكيف سوف يُنفذ على الدستور في ظل الواقع الصعب للشعب الفلسطيني سواء في قطاع غزة أو تقسيم الضفة وعدم السماح للمقدسيين بالمشاركة، وحول آليات مشاركة فلسطينيي الخارج".
رفض سياسي بالأساس وليس قانونياً مهنياً
"هناك مَن مِن شأنه أن يعترض على تفاصيل هندسية في البناء أو تقسيمه أو طلائه، وهذا حق، وهناك من يعترض على وجود البناء من الأساس. يحق لكل فلسطيني إبداء الرأي في الدستور وتقديم مقترحات بشأن نصوصه، وسيحق لكل فلسطيني إما بموجب استفتاء عام أو تصويت لنواب شعب منتخبين أن يبدي رأيه بقبول الدستور أو رفضه"، يقول جمال نزال، المتحدث باسم حركة فتح وعضو مجلسها الثوري، في حديثه لرصيف22.
ويضيف: "أما الاعتراض على وجود الدستور فلا يحق لأحد. موقف حماس لا يعنينا، فهي أصلاً لا تعترف بالدولة ولا تقبل بالمنظمة، ولا يوافق تنظيم الإخوان على أي دستور في العالم العربي والإسلامي سوى دستور إيران وطالبان، وهذا النموذج غير مقبول في فلسطين. فلا نعرف الفقرات التي لم تعجب حماس، لكنها الحركة التي عارضت قيام سلطة وطنية بمطار ومعابر ودخول قوات الثورة مسلحة لتسلم مناطق سي، ومن ثم وقعت اتفاق تقسيم غزة وتسليم السلاح والحكم لمجلس عالمي".
ويرى عساف أن توقيت الإعلان عن تلك المسودة بعد يوم واحد فقط من قرارات إسرائيلية تعيد هيكلة الإدارة المدنية في الضفة الغربية وتمنحها صلاحيات إدارية ومدنية في المناطق المصنفة (أ، ب) يعكس رغبة فلسطينية في تأكيد السيادة الرمزية في مواجهة الوقائع المفروضة على الأرض، وفي ظل غياب الأفق السياسي واستمرار الانقسام الداخلي وتعذر تنظيم انتخابات شاملة، تجعل من المسودة الجديدة أقرب إلى "إطار انتقالي دائم" أكثر منها "دستوراً لدولة قيد التحقق".
وهذه المسودة لا توحي بأن هناك دولة قريبة ستقام أو باعتبارها قائمة، بل تتعامل مع الواقع السياسي الذي يجسده الاحتلال، أي يُراد لهذا الدستور أن يمهد لاستمرار المرحلة الانتقالية فترة غير محدودة وطويلة.
المادة التي تمنح رئيس الدولة حق تعيين نائب له تثير إشكالية دستورية تمس مبدأ التفويض الشعبي الديمقراطي، لأن إسناد صلاحيات لشخص غير منتخب يتعارض مع الديمقراطية وحرية الاختيار.
في المراحل الانتقالية من تاريخ الشعوب لا تُقاس الدساتير بالنوايا بقدر ما تُختبر بقدرتها على منع طغيان وتغول السلطة التنفيذية في أوقات الأزمات، لأن جوهر الدستور يتمثل في رسم حدود دقيقة بين السلطات ويمنع تمركز الصلاحيات ويضمن توزيعها المتوازن بين السلطات الثلاث في ظل واقع سياسي متغير ومحكوم بقيود الاحتلال كما هو الحال فلسطينياً.
الدستور الذي يُكتب بمعزل عن معركة الوجود والتحرر الوطني يهدد بتحويل فكرة الدولة إلى كيان إداري محدود الجغرافيا والسيادة، منفصل عن شعبه ومتكيّف مع شروط الاحتلال بدل أن يكون تعبيراً عن مشروع التحرر، فهو ليس مجرد وثيقة قانونية، بل انعكاس لواقع الشعب وحقيقة الصراع الذي ما زال مشتعلًا على الأرض والهوية والوجود.
الدين والحريات
يجب حسم الجدل في ما يتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة وأحكام الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع، وتحديد الهرم التشريعي بإضافة نص اعتبار القوانين والمعاهدات الدولية التي انضمت إليها فلسطين جزءاً من النظام القانوني الوطني بما لا يتعارض مع الهوية الدستورية وخصوصية القضية الفلسطينية، يقول الخبير القانوني فؤاد بكر في حديثه لرصيف22.
يضيف: "لم تحدد مسودة الدستور طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، بل اكتفت بالوصف التاريخي، وهذا ما قد يؤدي إلى نزاعات تشريعية لاحقة عند صياغة قوانين الأحوال الشخصية أو عند الحديث عن الحقوق والحريات، ولكن النص على أن فلسطين دولة مسلمة يطرح سؤالاً أوسع حول باقي الديانات وضعفًا في مواجهة السردية الإسرائيلية المطالبة بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية".
ويردف: "وضعت المادة 71 من مسودة دستور الحريات العامة في إطار المشرع الفلسطيني ومنحته الحق في تقييد الحريات العامة لمقتضيات الأمن العام أو الآداب العامة، وذكرت بمصطلح فضفاض قد يستغله المشرع لقمع أي تحركات أو غيرها. وأيضاً في ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ارتبطت بالقدرة المالية للدولة دون إلزام نفسها بمعالجة، وبقيت قضية رمزية. أما في ما يتعلق بالحق بالوصول إلى المعلومة فقد تم تقييدها أيضاً في الحالات التي تضر بأمن الدولة داخلياً وخارجياً، وهذا يحد من ملاحقة أي عملية فساد أو مراقبة إصلاحات السلطة التي تجريها لاحقاً".
ويختم: "وفي ما يتعلق بحرية الإعلام والأحزاب، هناك تقدم ملحوظ لكنه في الوقت نفسه خاضع للرقابة على مصادر التمويل، ومن هنا يخنق الإعلام المعارض أو الصحافة المستقلة عبر تجفيف مواردها أو فرض تعقيدات إدارية تعجيزية، الأمر الذي يقوي إعلام السلطة التنفيذية على الإعلام المعارض ويكون تحت تحكمها الكامل، كما وضعت مسودة الدستور قضايا المرأة في أولى اهتماماتها، لكنه في الوقت نفسه لم تُشر إلى حق تكوين الأسرة إلا في القضايا التقليدية مثل عقد الزواج بين الرجل والمرأة، بينما يحق لأي أسرة تبني ولد أو بنت وتكوين الأسرة في ما بينهم، ولا سيما مع قضايا تتعلق بأسر الشهداء ووجود آلاف من الأيتام في قطاع غزة".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
