بعد حرب الإبادة على غزة، وعجز آلة الحرب الإسرائيلية عن الانتصار فيها وفرض إرادتها بالقوة العسكرية، يلجأ الاحتلال الإسرائيلي إلى أساليب أخرى لتنفيذ مخططاته العدوانية في محاولة بائسة لتصفية القضية الفلسطينية، من خلال طرح أجندات ومشاريع قديمة جديدة، تتضمن توجّهات مدنيةً وهياكل إداريةً تكنوقراطيةً ومشاريع اقتصاديةً تنفَّذ بطريقة تدريجية بهدف تقويض حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته الفلسطينية المستقلّة.
قبل أيام، نفّذ الجيش الإسرائيلي عمليةً عسكريةً في مدينة الخليل، خاصةً في الأحياء الجنوبية منها، مستخدماً لأوّل مرّة منذ الانتفاضة الثانية ناقلات جند مدرّعةً، ونشر القنّاصة على أسطح البنايات، وفرض حظراً لمنع التجول. ولكن حجم الإنجازات كان متواضعاً جدّاً، اذ لم تسفر تلك العملية سوى عن مصادرة ثماني قطع من السلاح الخفيف، واعتقال 14 فلسطينياً، وتفتيش نحو 350 منزلاً خلال أسبوع كامل من المداهمات، بالإضافة إلى محاولة الاحتلال التواصل مع بعض وجهاء العشائر من أجل حلّ خلاف بين عائلتين متخاصمتين.
خلف هذه العملية العسكرية تكمن رؤية سياسية أعمق. وفقاً لصحيفة "القدس العربي"، اقترح الباحث الإسرائيلي مردخاي كيدار، المحاضر في جامعة بار إيلان، فكرة "الإمارات الفلسطينية الثمانية" وحكم العشائر كحلّ للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر تقديم نموذج يرتكز على تقسيم الضفة الغربية إلى معازل منفصلة، تتحول فيها كلّ مدينة إلى كيان إداري وسياسي منفصل له مرجعية عشائرية وإدارية تتعامل مع إسرائيل، وهذه الإمارات هي: قطاع غزّة، جنين، نابلس، رام الله، أريحا، طولكرم، قلقيلية، والخليل. ويستند كيدار في مقترحه إلى أنّ القبيلة والعائلة تشكّلان اللبنة الأساسية للمجتمع الفلسطيني الذي ما زالت ثقافة القبيلة هي الثقافة السائدة فيه، وتتفوّق على أي ثقافة حزبية أو مدنية أخرى، ولذلك لا بدّ من الاستناد إليها في أيّ حلّ مستقبلي مع الفلسطينيين.
تاريخياً، عمل الاحتلال الإسرائيلي على هندسة الواقع السياسي الاجتماعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما يخدم مشاريعه من خلال منح المخاتير وأعيان العشائر والعائلات امتيازات خاصة، ليكونوا وسطاء ما بين المجتمع الفلسطيني والإدارة المدنية الإسرائيلية. أسفرت تلك العلاقة عن مشروع روابط القرى الذي أريد له أن يكون مشروعاً سياسياً بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولكنّ اندلاع الانتفاضة الأولى في العام 1987، بقيادة أبناء الفلاحين والطبقات الفقيرة، أطاح بالمشروع وأعاد زمام المبادرة إلى القوى الشعبية والوطنية. اليوم، وبعد أربعة عقود من تلك المحاولة الفاشلة، يعود الاحتلال إلى محاولة تكرار التجربة مجدّداً.
"ضدّ أيّ اختراق أو بديل"
يقول عضو اللجنة العشائرية العليا للمحافظات الشمالية، الشيخ نافذ الجعبري، في حديثه إلى رصيف22: "نحن كعشائر ضدّ أي اختراق أو بديل يحاول الاحتلال فرضه في الوطن، تحت ما يسمّى الإمارات الثمانية أو روابط القرى، وموقف العشائر ثابت ويرفض رفضاً قاطعاً كل هذه المحاولات، وقد أجمعت العشائر في محافظة الخليل بكل عائلاتها وأطيافها على رفض هذه المحاولات الهادفة إلى شقّ الصف الوطني والعشائري، فنحن نتبع سلطتنا الوطنية الفلسطينية وأجهزتها الأمنية ومؤسساتها الرسمية ونساندها، وموقفنا موقف سلبي من كل ما يشاع عن تدخّل الإسرائيليين في محاولة لخلق قيادات بديلة".
ويضيف: "موقف العشائر هو موقف ثابت ومساند للمؤسسات الفلسطينية الرسمية لفرض السلم الأهلي في المحافظة، والخليل هي مدينة مقسّمة إلى قسمَين؛ H1 وH2، ويقع على كاهل العشائر العمل في منطقة H2، لأنه من غير المسموح للأجهزة الأمنية الدخول إليها. لذلك يكون للعشائر الدور القوي والأساسي في تحقيق السلم الأهلي، ومعظم القضايا تُحلّ من قبل رجال العشائر، فالمكوّن العشائري في محافظة الخليل قوي جدّاً ويتمّ الاستعانة به في محافظات الوطن كافة، لذلك يتمّ تسليط الضوء دائماً على دور العشائر في محافظة الخليل".
بين الاقتصاد والمقاومة
من جانب آخر، يقول الناشط السياسي فايز السويطي، في حديثه إلى رصيف22: "الخليل بلدة عشائرية محافظة، والعشائرية تحكم أكثر من السلطة والدين، وتتمسّك العشائر بموقفها الوطني. في الانتفاضتين الأولى والثانية شاركت الخليل مشاركةً نوعيةً في العمل النضالي المقاوم للاحتلال، بالإضافة إلى أن الخليل أكبر محافظات الضفّة ومحرّكها الاقتصادي، فلذلك يحسب لها الاحتلال ألف حساب ويحاول العمل على ترويضها وتحييدها من المشاركة في واجبها النضالي، فيقوم بتسريب السلاح وإثارة الفتن، خاصةً في البلدة القديمة حيث يمتلك السيطرة الإدارية والأمنية المباشرة. ومن ناحية ثانية، يخطّط الاحتلال لتقسيم الضفة إلى إمارات عدة منها إمارة الخليل حيث يتواصل مع بعض الشخصيات العشائرية لتسليمها الحكم بديلاً عن السلطة، لكن المواطنين والوجهاء والشرفاء في المحافظة سارعوا إلى التصدي لتلك المحاولة وتمّ إفشال هذا المخطط".
اقترح كيدار، فكرة "الإمارات الفلسطينية الثمانية" وحكم العشائر كحلّ للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر تقديم نموذج يرتكز على تقسيم الضفة الغربية إلى معازل منفصلة، تتحول فيها كلّ مدينة إلى كيان إداري وسياسي منفصل له مرجعية عشائرية وإدارية تتعامل مع إسرائيل
ويضيف: "السلطة شكّلت مجلساً عشائرياً في كل محافظة، موالياً لها، تعتمد عليه في حل القضايا وإظهار الوجه الوطني للعشائر، ولكن الاحتلال الذي أغرق المدينة بالسلاح يحاول الآن التحكم في هذا السلاح الفالت (سلاح الزعران والخارجين عن القانون)، الذي أصبح يزعج المستوطنين، وفي الوقت ذاته يعمل على ضمّ المنطقة الجنوبية من المدينة حيث أعلن عن نقل صلاحيات بلدية الخليل في الإشراف على الحرم الإبراهيمي الشريف إلى ما يُعرف بـ’مجلس مستوطنات الخليل’.
ويتابع السويطي: "على الرغم من استمرار الخلافات العشائرية في البلدة القديمة وتغذيتها من قبل الاحتلال، إلا أنّ السلطة الفلسطينية ووجهاء العشائر والقوى الوطنية ما زالوا يتحكمون في الوضع وعازمين على إفشال مخططات الاحتلال في تشكيل ما يُعرف بإمارة الخليل وإثارة الفتن والفوضى في المدينة، بهدف تنفيذ مخططات الضمّ والتهجير.
"خرجت قبل عام تقريباً شخصيات مقرّبة من الاحتلال الإسرائيلي، خصوصاً من بنغفير وسموترتش، بما يسمّى السلام الاقتصادي، وما يسمّى إمارة الخليل، ووعود بعودة عشرة آلاف عامل للعمل داخل إسرائيل وبناء منطقه اقتصادية في محافظة الخليل لتحسين الوضع الاقتصادي للعمال الفلسطينيين. ولكن موقف فصائل العمل الوطني ومنظمة التحرير الفلسطينية والرفض العشائري في محافظ الخليل، أدت إلى سكوت هذه الزمرة من الرجال الذين لا يعرفهم أحد، وحتى عائلاتهم أصدرت بيانات شجب واستنكار لما يسمّى إمارة الخليل، وجميع فصائل "م. ت. ف" في محافظة الخليل أصدرت بيانات تدين ما خرج من هذه الشخصيات المرتبطة مع الاحتلال"، يقول عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الفلسطيني وأمين سرّ فصائل العمل الوطني في محافظة الخليل، ماهر السلايمة، في حديثه إلى رصيف22.
محاولة استعمارية
ويضيف السلايمة: "إنّ فصائل منظمة التحرير الفلسطينية تدين وتحذّر من هذه ‘الأطر الموازية’، واستمرار محاولات الاحتلال في العمل على تشكيل هياكل موازية، بما في ذلك ما يُعرف بـ’الإدارة المدنية’ أو الهياكل العشائرية في غزة والضفة"، عادّاً ذلك جزءاً من مخططات تصفية النظام السياسي الفلسطيني، مفيداً بأنّ "تجسيد الوحدة الوطنية لا يتمّ إلا تحت مظلّة منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الشرعية، وأيّ تعاون خارجي مع كيانات محلية (عشائرية أو غيرها)، محاولة لضرب القرار الوطني المستقل وإحداث شرخ داخلي".
ويشدد السلايمة على أنّ "أي إطار بديل (عشائرياً كان أو تكنوقراطياً)، خارج مظلّة منظمة التحرير يمثّل محاولةً استعماريةً تهدف إلى تحويل القضية من قضية تحرّر وطني إلى قضية إدارية ومعيشية تحت سيطرة الاحتلال".
نقل نموذج غزّة إلى الضفّة؟
وفقاً للمركز الفلسطيني للأبحاث ودراسة السياسات "مسارات"، فقد حذّرت شخصيات فلسطينية بارزة من المخاطر الجسيمة المترتبة على إدراج تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزّة ضمن مشروع ترمب لفرض الوصاية وتصفية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، عادّةً أنّ هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن الهياكل الدولية المعلنة مؤخّراً، مثل مجلس السلام والمكتب التنفيذي، والتي جرى فرضها دون مشاركة فلسطينية حقيقية. ودعت هذه الشخصيات إلى قطع الطريق على مخططات تكريس فصل قطاع غزة والتعامل معه كمشروع عقاري استثماري، وما يتمّ تداوله من أفكار بشأن نقل نموذج لجنة إدارة غزة إلى الضفة الغربية، أو حتى تعميمه ليشمل تشكيل إدارات محلية في كلّ مدن الضفة، في سياق تفكيك السلطة الفلسطينية، وتفتيت الكيانية الوطنية الفلسطينية الموحدة.
"القيادات المحلية" هو نموذج الحكم الذي تعمل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على تطبيقه في الضفّة الغربية، لتتخلّص تل أبيب من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة وقرارات محكمة العدل الدولية واستحقاق حلّ الدولتين والمسار التفاوضي
من جانب آخر، يختلف الخبير في قضايا الحكم المحلي، باسم حدايدة، في حديثه إلى رصيف22، مع هذا الرأي، ويقول: "من الصعب جداً نقل نموذج اللجنة الإدارية في قطاع غزة إلى الضفة الغربية، وهذا يعود إلى أسباب فنية وإدارية وسياسية، فالضفة الغربية توجد فيها مؤسسات السلطة الوطنية التي تقوم بتوفير الاحتياجات الخدماتية كافة للمواطنين وجهاز إداري رسمي ومؤسسات مدنية وأمنية قائمة، بالإضافة إلى حاضنة من الفصائل الفلسطينية وحكومة فلسطينية واعتراف سياسي دولي في الأمم المتحدة، لذلك من الصعب جداً تطبيق هذا النموذج في الضفة الغربية".
نموذج القيادات المحلية (Leadership Actors)
"إن نموذج القيادات المحلية (Leadership Actors) كأحد أشكال الحكم الذي يقع ما بين حكم العشائر والنظام السياسي، هو نموذج الحكم الذي تعمل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على تطبيقه في الضفة الغربية، وهو النموذج الذي تحاول إسرائيل من خلال تطبيقه التخلص من الاستحقاقات المترتبة عليها بصفتها "السلطة القائمة بالاحتلال"، وذلك من خلال لجنة تكنوقراط على غرار اللجنة الموجودة في غزة، ومجلس السلام الذي يتمّ العمل عليه ليكون بديلاً عن منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها، وتالياً تتخلص إسرائيل من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة وقرارات محكمة العدل الدولية ومن استحقاق حلّ الدولتين والمسار التفاوضي"، يقول الباحث في قضايا الصراع، نزار نزال، في حديثه إلى رصيف22.
ويضيف: "إذا نجحت التجربة في غزة وتمّ القضاء على المقاومة الفلسطينية من خلال لجنة التكنوقراط وتبعيتها للمندوب السامي وغياب المرجعية السياسية، وهي السلطة الوطنية الفلسطينية، فمن المؤكد أنّ إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تفكّران جدّياً خلف الأبواب الموصدة بأن تنقلا نموذج غزة إلى الضفة الغربية، ولكن هذا يعتمد على نجاح التجربة في غزّة، فإسرائيل تريد أن تنهي المشروع الوطني الفلسطيني وتحسم الصراع من خلال لجنة في الضفة الغربية أيضاً".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
