كان دائماً يواجه السؤال نفسه، من الجدران المكوّمة فوق بعضها كجثث حجرية، والحديقة المدمّرة حوله، وبقايا الأثاث غير المسروقة والمركونة جانباً لأغراض النار والطهي، ومن نفسه كلما حاول أن يوقظها.
يركض باستمرار في محاولة للهرب من الإجابة. ينبش الركام لينشغل بأيّ شيء آخر، علّه يستطيع رسم بيتٍ آخر، بيت لا يشبه البيوت التي نعرفها؛ حجارة متراصّة وجدران متماسكة وأحلام.
كان بيته يشبه كوخ جرذان. كان رمادياً باهتاً وغامضا ومرعباً. في أيّ لحظة قد يسقط حجر أو سقف فوق رأسه، وكلما سقط شيء بجانبه دون أن يرتطم به، سأله: "عمَّ تخلّيت لتبقى هنا؟".
وكلما مرّ الوقت، أصبح للسؤال صدى أوسع وأثقل: "عمَّ تخلّيت لتبقى هنا؟". يأتي الصوت بانعكاسه، ينحبس بين حجرَين يسندهما الهواء، فينكسر الصوت ويسقط الجدار على رأسه. يسقط سقف/ ذكرى/ صوت.
لفّاف المدينة… والحشيش
هو نفسه عادل الذي تمالك نفسه بصعوبة لئلا يصبح مجنوناً، كي يكون العاقل الوحيد في المدينة. لاعب كمال الأجسام سابقًا، "لفّاف" المدينة والحشيش حديثاً، هو نفسه الذي يردّد باستمرار: "أنا النكتة الثقيلة في وجه الموت".
كما حوّلت الحرب "عادل" من لاعب كمال أجسام إلى شخص يلفّ الحشيش، أنتجت أيضاً أشخاصاً مختلّين. فهي لا تخلق ضحايا فقط، بل تخلق احتمالات، والاحتمالات تخيف أكثر من الحقائق
قبل عامين فقط، كان عادل "أيقونة" الشارع، بكتفين عريضين كأنّه قلعة تصدّ الموت، وابتسامة أمان تتوزع على الأطفال. أبٌ مليء بالأحضان، يحمل الحلوى والأثقال، قبل أن تتبخّر الأرواح وينكسر الكتفان وتُستبدل الأثقال بلفافات الحشيش، كأنّه يلفّ جراح المدينة كلها في ورقة تبغ واحدة.
يخاف الكبار عادةً من الحديث العابر مع أطفالهم. يصرخون عليهم ليدخلوا الخيام المركونة بجانب بيوتهم دون أن يختلطوا به، لكنه يعود إلى نفسه بسيجارة الحشيش؛ شيء ما في هذه المدينة يواسي حزنه، يستطيع أن يفهمه على الأقل كما يظن.
قبل صاروخ
في لحظة رعبٍ، دخلت أختي البيت المدمّر المجاور لكوخ عادل. مكان غريب في مخيم جديد ننزح إليه. الجيران هناك ترعبهم فكرة رؤية أطفالهم يتحدثون معه، وأنا ترعبني فكرة أن ننمسخ منّا حتى لو صار عادل حشّاشاً كبيراً في المدينة.
فور رؤيتها إياه، راحت تركض، فهي تعرف جيداً من صديقاتها أنّه وحش، وعليها أن تحمي نفسها بشدّة منه، كما كلّ الأشياء التي يجب أن تحمي نفسها أيضاً منها في هذه المدينة الضائعة.
حزن عادل لأنّ طفلةً أخرى جديدة في المخيم لم تستطع أن تلمّ شملها بنفسها، بل أبعدته أيضاً كباقي الأطفال. نادى عليها بهدوء: "يا حلوة، كل المنزل لك، يمكنك الحصول على كل ما تريدين من ركامه، أنا سأغادر لا تخافي، هذا بيت أمي وأبي قبل أن يقتلهما الصاروخ".
بصمتٍ نظرت أختي إليه، بينما كنت أراقب من النافذة. لم أرِد أن أتدخل في الحوار، لكنني حاولت أن أكون حذرةً من أجل أختي الصغرى، فالحرب كما حوّلت "عادل" من لاعب كمال أجسام إلى شخص يلفّ الحشيش، أنتجت أيضاً أشخاصاً مختلّين. فهي لا تخلق ضحايا فقط، بل تخلق احتمالات، والاحتمالات تخيف أكثر من الحقائق.
هربت أختي دون أن تجعله يكمل حديثه، وجلس هو على الركام وبكى.
أن تصبح وحشاً مرعباً تهمة لا يمكن أن يتقبّلها عادل حتى لو لفّ حشيش المدينة كله، فهو الأب والزوج والابن الذي بقي وحده في المدينة. نجا وحده دون أن يلتصق الصاروخ به.
احتفظَ بقمامتنا حتى الصباح
ذات مرّة، وضعنا كرتونةً أمام الباب. في اليوم التالي، جاء عادل بعد أن احتفظ بها الليل كله داخل خيمته. همس لنا: "سقطت منكم، أقسم أنني لم افتحها، وها هي ذي كما سقطت".
أن تصبح وحشاً مرعباً تهمة لا يمكن أن يتقبّلها عادل حتى لو لفّ حشيش المدينة كله، فهو الأب والزوج والابن الذي بقي وحده في المدينة. نجا وحده دون أن يلتصق الصاروخ به
نظرنا إلى بعضنا: عمَّ يتحدث هذا الشخص؟ ما الذي سقط منّا و"مهم" إلى هذه الدرجة؟
أخرج من خيمته الكرتونة كما هي وسلّمنا إيّاها. خجلنا أن نقول له إنها قمامة وتركناها بجانب البيت حتى الصباح. نظرت هكذا بصدمة: "عادل احتفظ بقمامتنا حتى الصباح!".
كان يخاف أن يظن البعض به سوءاً، فلو ضاع شيء في المدينة سيكون هو أوّل المتهمين بسرقته. وهكذا يصبح له صيت مليء بالمواجهة؛ أن يكون حرامي. لذا لا ينفكّ يردّد: "أنا حشّاش، أنا ضائع، لكنني لست لصّاً".
لم يستطع عادل إعالة نفسه بغير بضع خشبات يجمعها من مكان إلى آخر ليشتري سيجارة الحشيش، ثمّ يقف بعضلاته المتآكلة كما تآكلت المدينة على دور التكية ليستطيع الحصول على طعامه. وفي آخر اليوم، ينظر إلى وجوه المارّة فيتجه نحو ألطفها، ويقول: "أعطني خبزةً من خبزاتك، أتعشّى عليها".
هكذا يكمل عادل مهمته في المدينة؛ يلفّها مع سيجارة حشيش ويحاول أن يحافظ على نفسه شريفاً. فأن تكون شريفاً وعاقلاً في مدينة سقط فيها الولد والوالد والبيت والأمان شيء مرعب وعبء ثقيل.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
