"ما بحك جلدك إلا ظفرك"... كيف سأتعرف إلى غزة الجديدة؟

مدونة نحن والحرية

الاثنين 9 فبراير 20268 دقائق للقراءة

لا أعرف المدن على هيئة خريطة تُعاد طباعتها أو صياغتها بيد باردة تجلس تحت التكييف. فالمدينة تتشكل بالخطى والعرق والأقدام المرهقة من الوقوف والمشي، وهكذا تشكلت غزة بآلام الكادحين فيها، وأصوات الحالمين من أهلها، بمستقبل ليس مثالياً، لكنه قابل للعيش.

المدينة كائن يتكوّن ببطء، يخطئ، يشيخ، ويتعلّم كيف يتعايش مع عيوبه. وحين يُطلب مني أن أتخيل شكل غزة الجديدة، التي ينوي العالم تشكيلها، أشعر بالقلق والانسلاخ من مستقبلي هنا. لا أريد غزة المحسّنة، أريدها على شكلها الراسخ في ذاكرتي، بصوتها المزعج، وترابها الذي يملأ أنفي، أريد ضجري كاملاً كما عشته في السابق.

أريد مدينة حقيقية. نعم، غزة كانت حقيقية على الرغم من الكذبات الكبيرة التي عشت عليها، كنت أنخدع بها كثيراً، لكني راضٍ بالطريقة التي غالباً ما استفزتني.

مدينة تعكس صورة أهلها

إن تحولت غزة إلى ريفييرا أو دبي، كما يخطط لها، ستفقد نسبها لهذه الأرض، وتكون كأنها قطعة "بازل شاذة" على خريطة فلسطين.

غزة التي أعرفها لم تكن جميلة لأنها مريحة، بل لأنها بلا زينة، بملامح عادية، لكنها تعجبني ولطالما أغرمت فيها.

أحب أهل غزة أرضهم لأنها تشبههم، متفردة مثلهم، بأخطائها وأسلوبها الهمجي، بفوضاها ورائحة بحرها المختلطة برائحة مياه الصرف الصحي.

إن تحولت غزة إلى ريفييرا أو دبي، كما يخطط لها، ستفقد نسبها لهذه الأرض، وتكون كأنها قطعة "بازل شاذة" على خريطة فلسطين

كانت غزة قاسية، نعم، لكنها لم تكن متصنّعة.

كانت تعكس صورة أهلها في كل شيء: في الارتباك، في الصخب، في العناد، وفي القدرة الغريبة على الاستمرار.

أما المدينة التي يُخطط لها العالم الآن، فهي نظيفة أكثر مما يجب، مرتبة غير مرغوب فيها لشعب اعتاد التعب.

كل شيء في المستقبل يخيفني، فجأة اكتشفت أن بنيان غزة كان سندة ظهر لكل الغزيين. كانت البيوت والمباني متوسطة الارتفاع هي القوة التي نحملها في يومنا، لنبدو مطمئنين.

أنا لا أرفض الإعمار على طريقتهم، لأنني أحب الخراب.

أرفضه لأن من سيبني غزة لا يعرفها، ولم يتعثر من قبل بحفرة على الطريق، ومع ذلك يحبها.

أخشى أن تُبنى غزة كما تُبنى أي مدينة أخرى، بلا هيبة، بلا عثرة، بلا زقاق أرى خلاله كل أصحابي وجيراني، فأشعر بالألفة.

غزة كضرورة اجتماعية

غزة الجديدة ستكون بلا ذاكرة، لن تحتاج إلى من يسكنها، حياتها ستكون بمن يزورها، وهذا فرق قاتل. من يصنع الروح للمدينة هم أهلها وليس الغرباء.

غزة كانت تُعرف من رائحتها قبل أن تُرى. من اختلاط البحر بالوقود، والخبز بالغبار، والرطوبة بالعرق.

كانت تُسمع قبل أن تُشاهد، من أصوات الباعة، والشتائم العابرة، وضحكات الأطفال التي تقطع الطريق فجأة.

غزة مدينة لا تمشي فيها وحدك، حتى وأنت وحيد. المساحات الضيقة فيها كانت تعصرنا، لكننا لم نكن نتوه فيها، نعرف كل جدار وكل حجر، كل شيء فيها كان قطعة من جسدي، فكيف أتقبل أن أعيش بجسد آخر؟

الأزقة الضيقة في غزة لم تكن خطأً معمارياً، كانت ضرورة اجتماعية، لتستمر قصص الناس وأصواتهم، لتكتمل رواية شعب محتل، يرسم أرضه المسلوبة بالمخيلة.

الاقتراب الجسدي كان يصنع معرفة، والاحتكاك كان يصنع علاقات، حتى لو كانت هشّة.

نظام غزة الاجتماعي لم يكن متماسكاً، لكنه كان حياً. لم نكن نرغب بحياة تتسم بالكمال، كنا فقط نبحث عن يوم بلا خيبات كبيرة.

غزة مدينة لا تمشي فيها وحدك، حتى وأنت وحيد. المساحات الضيقة فيها كانت تعصرنا، لكننا لم نكن نتوه فيها، نعرف كل جدار وكل حجر، كل شيء فيها كان قطعة من جسدي، فكيف أتقبل أن أعيش بجسد آخر؟

العشوائية التي يريدون إزالتها كانت شكلاً من أشكال التحرر والانسجام مع ذواتنا.

البنيان العشوائي الذي استقر بلا تخطيط وبلا رؤية مسبقة، كان يمثلنا، يعبّر عن عقولنا: شعب محتل لا يعرف سوى صدماته، لكنه يحاول أن يصنع مجتمعاً بلا أجندات.

كل بيت كان قراراً فردياً، لا يتبع لصورة في ذهن متطور، لم نكن أبداً جماعة نشارك في مشروع. كل طابق أضيف كان نتيجة زواج، أو ولادة، أو ضيق.

نحن أهل غزة لم نفكر في ناطحات سحاب من قبل، لنبدو أقرب من الأرض، لا نريد أن ننساها. هكذا تُبنى المدن التي تنتمي لأهلها.

بنايات يقلد بعضها بعضاً

لا أريد شوارع واسعة نتوه فيها، ونتعذب ونحن نتنقل داخلها.

كنت أمشي كل شوارع وأزقة غزة ولا أشعر بالغربة، فكل الشوارع هنا متشابهة، كل البنايات يقلد بعضها بعضاً.

كان لدينا شارع جلال في خانيونس، يشبه شارع عمر المختار في غزة. وكان لدينا دوار العودة في رفح يشبه منطقة موقف النصيرات، ودوار المدفع في دير البلح يشبه منطقة عسقولة باتجاه ميدان فلسطين في غزة، كل الأماكن في غزة تشعرك بأنك تقف على عتبة بيتك.

أريد الشوارع كما كانت، أينما وليت وجهي تكون غزة.

أحنّ إلى شوارع غزة بالشعارات على الجدران والجمل الوطنية الصاخبة، تلك الشعارات على الجدران هي ذاكرتنا التي يريدون مسحها.

حتى البنية التحتية المتهالكة، بكل أزماتها، كانت جزءاً من علاقتنا بالمكان.

كنا نعرف انقطاع الكهرباء ونتقن التكيّف معه.

كنا نعرف انسداد المجاري، ونشتم، ثم نحلّ المشكلة جماعياً.

المعاناة كانت مشتركة، ولهذا كانت محتملة.

لا أريد غزة فارهة، لأن الفخامة التي تأتي فجأة لا تنتج انتماء.

ولا أريد ناطحات تُلقي بظلالها على بيوت لم تعد موجودة.

العلو المفاجئ يُشبه القفزة التي يتبعها سقوط.

لا أريد مدينة متطورة بالمعنى الذي يُفرض علينا.

التطور الذي لا ينبع من الداخل، يتحول إلى قناع، ولا أقبل لأهلي أن يعيشوا كذبة.

يريدون لغزة أن تكون مدينة ذكية، لكن أهلها غرباء، وزوارها هم من يتحكمون بها، هل هكذا يبنى البيت؟

لا أريد سياحاً يلتقطون صوراً فوق آلام الناس، قريباً سنرى ضحكات عالية فوق دم لم يجف.

يخططون لغزة أن تكون بجنسيات متعددة، وفي غزة نقول "ما بحك جلدك إلا ظفرك"، الأرض يبنيها/يسكنها أهلها، وليس الغرباء.

غزة ليست فكرة ولا حلماً ولا خيالاً، غزة مدينة "دمها ثقيل"، "زنخة"، تتمسك بأهلها ويتمسكون بها، لأنها لا تعرف غيرهم ولا يعرفون غيرها.

غزة حياة كاملة، كل شيء سيضاف إليها سيكون خارج حسابات أهلها، أهل غزة لا يحبون الحداثة، ولا يحبون لا يشبههم.

أين أبكي في مدينة لا أعرفها؟

حتى البحر في غزة، لم يكن فكرة جمالية، كان على الدوام متنفساً لا أكثر، نذهب بجراحنا إليه، ونعود بضحكات قليلة، تعيننا على اليوم التالي.

أريد البحر كما كان، مفتوحاً، فوضوياً، مليئاً بالضجيج.

أريد العائلات المتداخلة، الأطفال، الباعة، الصيادين.

أريد البحر الذي لا يفرّق، البحر الذي يشبهنا.

غزة يجب أن ترجع كما كانت تماماً. لم تكن يوماً مثالية، لكن كنا نعرفها جيداً، نعرف كيف نعيش فيها.

غزة يجب أن تبنى كما كانت، بأيدي من يعرفون ترابها، ومن يحبون أرضها، البنيان من الغريب يفتقر للروح والتقبل.

في غزة لطالما كنا نعرف أين نخاف، وأين نطمئن، وأين نتعثر، وأين نبكي.

لا أريد مدينة لا أستطيع البكاء فيها على راحتي.

المدينة الجديدة ستحتاج إلى كتيّب إرشادات، لا أعرف كيف سأحب فيها، وكيف سأطلق مشاعري للهواء، مخيف أن تكون غريباً في بلادك.

أستغرب من غباء من يحاول تغيير هوية مدينة، يعود إليها سكانها ملهوفين على الرغم من خرابها ودمارها، لقد سلبت غزة عقولنا، وأنصحكم ألا تلاحقوا المجانين، اتركوهم وغزتهم.

لا أريد أن أتعلم كيف أعيش في غزة من جديد.

أريد أن أتعرف إليها كما أتعرف إلى صديق جديد، أنا أعمل بمثل "صاحبك على عيبه" وغزة صاحبتي الأبدية.

المدينة الجديدة ستحتاج إلى كتيّب إرشادات، لا أعرف كيف سأحب فيها، وكيف سأطلق مشاعري للهواء، مخيف أن تكون غريباً في بلادك

غالباً ما كانت غزة من دون أماكن فارهة، من دون جمال صاخب، لكنها كانت جميلة، تدخل القلب بسرعة، مثل طفل لا يجيد الكذب. الأماكن الفارهة يمكن زيارتها بالسفر، وأنا لا أريد أن أسافر داخل غزة. غزة بيت صغير سماؤها منخفضة لا تصلح للناطحات. البيت للعيش والهدوء والراحة.

وغزة كانت بيتاً، بكل ما في البيوت ألفة، لا نريد لغزة أن تفقد ميزتها الصغيرة.

إن أتت الحضارة بالقوة، بالتأكيد ستذهب أشياء أخرى، أولها العلاقة مع المكان والحياة بأكملها.

الحضارة التي تُفرض، تتحول إلى استعمار ناعم. تعدنا بالراحة، وتسرق المعنى.

هذه هي هوية غزة التي نحبها، عشوائية، صاخبة، غير مكتملة، غير أنيقة، لكنها حقيقية، بسيطة، بلا لغة لا نفهمها.

غزة مدينة لا تطلب الإعجاب، إنما الانتماء.

أضرب الأرض يومياً، قل غضباً، قل رجاءً، لعلها تُخرج المباني كما كانت. وأهزّها، بكل حرقة، لعلّ الشهداء ينبتون على أرضها مثل عشب حالم.

لعلّ الحرب كانت مزحة، ونعود للجد بعد قليل، لأجد غزة كما كانت قبل السابع من أكتوبر، وأجدني أتأمل مبانيها وتفاصيلها، باحثاً عن قصة جديدة مع المكان الذي أحب.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image