"عناق الخمس دقائق"... في غزة التي استحالت ركاماً

حياة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 23 يناير 20266 دقائق للقراءة

أُنتج هذا التقرير بدعم من أريج.
كان الطبيب أحمد مهنّا يحلم خلال 22 شهراً أمضاها في المعتقلات الإسرائيلية بالعودة إلى عائلته وإلى غزة. حين أُفرج عنه أخيراً بعد 665 يوماً، عاد ليجد أن كل الأماكن التي كان يستعيدها في ذاكرته قد دمرت بالكامل.

يقول مهنّا إنّه خلال فترة اعتقاله كان هو وبقية الأسرى "مقطوعين عن العالم الخارجي تماماً". وبعد الإفراج عنه، نُقل إلى داخل غزة: "انا شفت مشاهد تقشعر لها الأبدان.. أنا متخيلتش لحظة واحدة أنه يكون الدمار بهذا الحجم".

اعتقل الجيش الإسرائيلي مهنّا وهو اختصاصي تخدير وطوارئ، في كانون الأول/ ديسمبر 2023، حيث كان مديراً لمستشفى العودة المحاصر بشمال غزة. اليوم، وبعد ثلاثة أشهر من الإفراج عنه، ورغم اتفاقية وقف إطلاق النار التي يفترض سريانها، فإنه وجد تحديات هائلة بسبب تدمير القطاع الصحي من قبل الجيش الإسرائيلي، واستمرار منع دخول المستلزمات الطبية الأساسية؛ ما يؤدي إلى وفيات يمكن تفاديها.

الدكتور أحمد مهنا بمستشفى العودة قبل الاعتقال

عاد مهنّا إلى المستشفى بلا طواقمه المعتادة، وخالياً من معداته وأدويته. خلال فترة اعتقاله، قُتل 75 من زملائه في مؤسسة العودة (تضم اثنين من المشافي في قطاع غزة)، بحسب قوله. منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قتل الجيش الإسرائيلي 1200 من العاملين في القطاع الصحي الفلسطيني، واعتقل 384 آخرين، وفق منظمة Healthcare Workers Watch.

اعتقل الجيش الإسرائيلي الطبيب أحمد مهنّا وهو اختصاصي تخدير وطوارئ، في كانون الأول/ ديسمبر 2023، حيث كان مديراً لمستشفى العودة المحاصر بشمال غزة. اليوم، وبعد ثلاثة أشهر من الإفراج عنه، يجد تحديات هائلة بسبب تدمير القطاع الصحي من قبل الجيش الإسرائيلي، واستمرار منع دخول المستلزمات الطبية الأساسية

ورغم اتفاقية وقف إطلاق النار، لا يزال 77% من سكان غزة، بينهم 100 ألف طفل، يعانون "مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد"، بحسب منظمة الصحة العالمية. ويواصل مهنّا وفريقه معالجة أطفال يعانون سوء تغذية حاد، تتطوّر لديهم مضاعفات طبية معقّدة نتيجة ذلك.

وخلصت منظمات دولية لحقوق الإنسان، بينها لجنة تابعة للأمم المتحدة، إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية في غزة، مستندة في كثير من الأحيان إلى منع المساعدات الإنسانية والتدمير المنهجي للنظام الصحي.

يقول مهنّا إن الاستهداف المتعمّد للقطاع الصحي لم ينجح فقط في تدمير البنية التحتية، بل أدى إلى حرمان المرضى من الرعاية الطبية وزيادة معدلات الوفيات.

وبحسب تقرير مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، تضرّر أو دُمّر 94% من مستشفيات غزة، ما ترك المرضى، بمن فيهم حديثو الولادة، من دون رعاية أساسية. ويؤكد التقرير أنه رغم اتفاق وقف إطلاق النار، فإن إسرائيل تمنع دخول الإمدادات الطبية والمواد الغذائية الضرورية. يقول مهنّا إن ذلك يؤدي إلى وفيات يمكن تفاديها.

تفاقم الوضع بعد إعلان إسرائيل عزمها سحب تراخيص 37 منظمة دولية غير حكومية، تعمل في قطاع غزة والضفة الغربية، بحجة عدم استيفائها شروط التسجيل الجديدة، بينها منظمات طبية مثل "أطباء بلا حدود".

يقول مهنّا: "اليوم لا يوجد أي جهاز رنين مغناطيسي يعمل في قطاع غزة على الاطلاق. يوجد جهاز أشعة مقطعية واحد فقط".

ويرى أن غياب هذه الأجهزة الحيوية يقيّد قدرة الأطباء على اتخاذ قرارات دقيقة في الحالات المهدِّدة للحياة، مشيراً إلى أن مرضى السرطان يعانون تفاقم الأورام مع منع العلاجات الروتينية، في حين ارتفعت حالات الفشل الكلوي نتيجة النقص الحاد في أجهزة غسيل الكلى.

"أشعر بالألم والأسى وعدم الحيلة وعدم القدرة على فعل شيء"، لكن مهنا يقول إن هذه المشاعر تشكل دافعاً للعمل المستمر.

بعد إطلاق سراحه، عاد مهنّا مباشرة إلى العمل، من دون أن يتمكّن من الراحة واستيعاب تجربته القاسية في مراكز الاعتقال الإسرائيلية. يقول مهنا إنه تعرّض للتعذيب والإهانة، وحُرم من الطعام والعلاج. وخلص تقرير أممي حديث إلى أن إسرائيل تعتمد عملياً سياسة دولة قائمة على التعذيب المنظم.

في البداية، نُقل مهنّا إلى مركز احتجاز سديه تيمان، حيث أمضى 24 يوماً: "كانت الكلبشات محطوطة على إيدي وما تفكتش منها خالص، وعيني ما شفتش الضوء 24 يوماً".

أثناء نقله لاحقاً إلى معتقل في النقب، تعرّض للضرب المبرح على يد القوات الإسرائيلية، ما أدى إلى كسر أحد أضلاعه. يقول إنه طلب مسكّنات للألم، لكنه لم يحصل على أيٍّ منها: "ما فيش أي خدمات طبية".

ويضيف أنه خلال فترة اعتقاله شهد وفاة لمعتقلين (اثنين) كان من السهل تفاديهما بالتدخل الطبي، من بينها حالة شاب يبلغ 37 عاماً ظهرت عليه أعراض انسداد معوي حاد.

يستذكر مهنّا اللحظة قائلاً: "توجهت للسجانين وقلت لهم هذا لازم يطلع على العيادة ضروري لأنه عنده أعراض انسداد معوي، ومحتاج استشارة جراح فوراً، لأن هذه الحالات قد تحتاج إلى إجراء تدخل جراحي فوري". لكنهم، بحسب قوله، لم يفعلوا شيئاً: "قعد يمغص طول الليل وعنده ألم شديد، وقعد يومين ما بياكل ولا شيء وبطنه تنتفخ وصار يرجع براز اللي هو لما بيكون مسكر الأمعاء من تحت فبيصير ارتجاع من خلال الفم". بقي المعتقل على هذا الحال لحين وفاته.

يقول مهنّا إنه كان جائعاً باستمرار، إذ لم يكن يُقدَّم لهم سوى القليل من الطعام. كما أنه أمضى فترة مع 40 معتقلاً داخل خيمة صغيرة محاطة بسياج، من دون السماح لهم باستخدام الحمّام من الرابعة عصراً حتى الخامسة فجراً يومياً.

وبعد 22 شهراً في الاعتقال، لم تُوجَّه إلى مهنّا أي تهمة رسمية.

الدكتور أحمد مهنا مع والدته

أفرجت إسرائيل عن مهنا في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، يقول: "أول حد بحثت عنه هي الوالدة وأخدتها بالحضن وكان حضن دافي ومتين لأني كنت مشتاقلها كتير قلقان عليها كتير كتير". استمر العناق خمس دقائق متواصلة.

أما رؤية زوجته وأطفاله مجدداً، فيقول إنها أعادت الحياة إليه: "لحظات لا توصف من السعادة إني شفتهم كلهم بخير بعد آلة القتل المنظم اللي كانت موجودة بغزة".

ابنته الكبرى ليان، حصلت على نتيجتها في الثانوية العامة في اليوم التالي للإفراج عنه، وترغب في دراسة الطب. وابنته الوسطى سلمى، التي كانت طفلة صغيرة عند اعتقاله، أصبحت الآن تقارب طول والدها.

وبينما يحاول التعافي من تجربة الاعتقال، والتعامل في الوقت نفسه مع الانهيار الصحي في غزة، يقول مهنّا إنه لا يشعر بكثير من الأمل بالمستقبل لقطاع غزة عموماً، وبشكل خاص للقطاع الصحي.

"كانت غزة مليئة بالحياة، اليوم لم يبقَ شيء".

*شارك في إعداد هذا التقرير آني كيللي.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image