بابا راجع؟… زوجات المفقودين في غزة بلا ميراث ولا حضانة ولا لقب

بابا راجع؟… زوجات المفقودين في غزة بلا ميراث ولا حضانة ولا لقب "أرملة"

حياة نحن والنساء

السبت 24 يناير 20268 دقائق للقراءة

تعاني زوجات المفقودين في غزة من مشكلات قانونية وشرعية لا يدركها إلا من عاشها، فاستصدار شهادة الوفاة هو قرار غاية في الصعوبة العاطفية، ويظل غير مؤكد حتى بعد صدوره، لكن ماذا بخصوص الأحوال الشخصية، كخروج الزوجة من ذمة الزوج الشرعية وانتهاء عقد الزواج؟ ماذا عن حضانة الأطفال والمسؤولية القانونية عنهم؟ ماذا عن النفقة؟ وماذا عن التركة لشخص لا أحد يعرف إن كان حياً أو ميتاً؟

بابا راجع؟

لم تدرك عطاف الصعيدي (32 عاماً) أن الاحتلال الإسرائيلي لن يمهلها مع زوجها محمد حمد (34 عاماً) سوى تسعة أشهر ثم يحرمها من "سند الظهر" لما يقرب من عامين، مُغيبًا لا تعرف مصيره، وبلا أي خبر يطمئنها على حياته.

فبعد مضي ما يقرب من ثمانية أشهر على بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، علمت عطاف بفقدان زوجها عن طريق والدته، التي أكدت أن جنود الاحتلال اقتادوه أسيراً خلال اقتحام مركز النزوح الذي كان يقيم فيه في منطقة شمال قطاع غزة، ومنذ ذلك اليوم، وهي تحاول ملاحقة أي خبر يلوح في الأفق عن مصيره لكن دون جدوى.

لم تتمكن إيمان من الحصول على مساعدات من المؤسسات الإغاثية باعتبارها أرملة لعدم ما يثبت وفاة لزوجها المفقود منذ بداية الحرب، وفي نفس الوقت لم تتمكن من استصدار شهادة وفاة لعدم وجود ما يثبت استشهاده

تقول الصعيدي لرصيف22، إنها حاولت بشتى الطرق البحث عن زوجها عبر الاستفسار عنه من خلال ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو انتظار قوائم الأسرى المُفرج عنهم خلال صفقات التبادل التي تمت عبر دفعات مختلفة، لكنها "كانت تصدم في كل مرة بعدم وجود أي دليل يطفئ نار الشوق في قلبها".

بصوت خافت تضيف الزوجة المكلومة: "كان يحدوني الأمل بأن تشمله الصفقة الأخيرة، وأن يكون ضمن قوائم الأسرى المفرج عنهم، أو أن نطمئن على وجوده من خلال روايات الأسرى المحررين، إلا أن كل الأمنيات انقطعت وتبددت آمالي، وليس أمامي سوى الانتظار مجدداً".

تعيش الصعيدي مأساة حقيقية بفقد زوجها، فرغم انتهاء الحرب، إلا أنها ما زالت تخوض حروباً صامتة في تدبير شؤون حياتها وتوفير أساسيات الحياة في ظل واقع اقتصادي متردٍ.

ورغم طول الغياب، ما زالت تتمسك بالأمل بعودة زوجها، رافضة فكرة الخوض في إجراءات إثبات وفاة الزوج، وتقول بكثير من الأسى: "الحياة أصبحت لا تطاق، ونظرات الشفقة من حولي تشعرني بمزيد من العجز، ولذلك أتمسك بأمل عودته، علها تعيد لي الحياة من جديد".

مخطوبة وفي حكم "المعلّقة"

ورغم تشابه ظروف الفقد، إلا أن "إسلام" وهو اسم مستعار، وجدت في الانتظار الطويل مأساة أكثر إيلاماً لحالتها النفسية التي تعقّدت بخاصة أنها فقدت خطيبها "محمد" حين ذهب لمراكز توزيع المساعدات الأمريكية شمال مدينة رفح، للحصول على الطعام في حزيران/ يونيو من العام الماضي، ولم يعد حتى اللحظة.

تقول إسلام لرصيف22، إنها تعيش أوضاعاً كارثية بفقد خطيبها، فلا هي حاصلة على حقوق الزوجة ولا تصنف كأرملة، إنما معلقة لا تعرف مصيرها.

كثيراً ما تواجه زوجات المفقودين مشكلة في استصدار شهادات الوفاة لرفض أهل الزوج هذا القرار، ما يمنع توزيع التركة وحصول الأبناء والأرملة على حصصهم الشرعية.

داخل خيمة مهترئة مصنوعة من القماش والنايلون وبعض الأخشاب، تعيش إسلام مع ثلاثة من إخوتها، أحدهم مُقعد جراء إصابته بشظايا صاروخ إسرائيلي سقط بالقرب منه في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس في نهاية أيلول/ سبتمبر المنصرم.

تقول إسلام لرصيف22، رغم أن غالبية الدلائل وشهادات من كانوا معه من الشباب تشير إلى استشهاده إلا أنني لم أستطع إثبات ذلك لدى المحاكم، وبت في حكم المعلقة.

تضيف الفتاة العشرينية أنها تحاول الحصول على إفادة الوفاة حتى تتخلص من حالة الاكتئاب التي تمر بها دون بارقة أمل بعودة خطيبها أو تمكنها من بدء حياة جديدة، لكنها تصدم بتعقيد الإجراءات القضائية في تفنيد حالتها، وإبقائها على ذات الوضع الذي تمر به منذ عدة أشهر.

المؤسسات الإغاثية تطلب أوراقاً غير موجودة

أما إيمان، اسم مستعار، فقد حصلت على إفادة مفقود لزوجها الذي فُقدت آثاره في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، وحاولت المضي في إجراءات استخراج إفادة الوفاة لكنها قوبلت برفض عائلة الزوج لطلبها.

تقول إيمان لرصيف22، إنها اضطرت لذلك بعد سلسلة من العذابات في رحلة بحث مستحيلة داخل المستشفيات وتتبع أخبار الأسرى لكن دون خبر يؤكد الحياة أو ينهي الانتظار.

تضيف إيمان: "حاولت المضي للحصول على إثبات الوفاة لأنني أرعى طفلتي، وليس لدي أي دخل، وعند التقدم بأي طلب لكفالة ابنتي أو الحصول على أي مساعدة أصطدم بالرفض من الجمعيات والمؤسسات الإغاثية باعتبار عدم وجود ما يُثبت استشهاده".

تروي إيمان لرصيف22، شهادتها القاسية في فقد طال انتظاره، ودموع تختبئ بين عينيها حين تتساءل ابنتها "بابا حيرجع أو لا؟".

رغم انتهاء الحرب، إلا أن مآسي عطاف وإسلام وإيمان، لم تنته، ولعلها بدأت للتو، كمثال من كوارث الحرب الثقيلة التي تستمر بعدها ووقعت على آلاف النساء، إذ إن ما يزيد على 11 ألف فلسطيني ما زالوا في عداد المفقودين، تاركين وراءهم بيوتاً خاوية وأسراً عالقة بين الأمل والرجاء بانتظار عودة قد تطول أو قد لا تأتي أبداً.

ماذا يقول قانون الأحوال الشخصية؟

يقول شحدة شراب، المختص في قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني إن هذه المعضلة نتجت كإحدى تركات الحرب التي تأثرت بها النساء في ظل التخوف من الحكم بوفاة المفقود، ومدى احتمالية عودته بعد فترة من الوقت، وما قد يسببه ذلك من إشكاليات قانونية ومجتمعية.

يقول شراب لرصيف22: "إن التشريع الفلسطيني سمح بمرور 4 سنوات للتقدم بطلب الحصول على شهادة الوفاة في الظروف الطبيعية، لكن المجلس الأعلى للقضاء الفلسطيني أصدر أخيراً تعميماً يقضي بتقليص المدة لستة أشهر تبدأ من بداية دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وذلك تماشياً مع ظروف الحرب الاستثنائية ".

ويضيف أن المجلس راعى في التعميم حقوق الزوجات اللاتي يعملن على إعالة أطفالهن دون وجود أي مُعيل، ويحاولن التقدم بطلبات الكفالة أو الحصول على المساعدات فيصطدمن بضرورة وجود حجة الوصاية وشهادة الوفاة وتالياً لا يستطعن الحصول على أي مساعدة تُذكر".

وبحسب المختص، فإن مدة الستة أشهر غير كافية للإثبات بقطعية وفاة المفقود، مشيراً إلى أن المحكمة وبعض أقسام الشرطة أصدروا أحكاماً استثنائية بوفاة بعض المفقودين وتبين لاحقاً عودتهم وهذا ما خلق إشكاليات كبيرة. يضيف قائلاً: "بعض الزوجات تزوجن من أخ المفقود، ثم تبيّن لاحقاً عودته، وهذا خلق تداعيات نفسية واجتماعية قاسية على الزوجة والأهل".

التشريع الفلسطيني يشترط مرور 4 سنوات على المفقود للتقدم بطلب الحصول على شهادة الوفاة في الظروف الطبيعية، لكن المجلس الأعلى للقضاء الفلسطيني أصدر أخيراً تعميماً يقضي بتقليص المدة لستة أشهر تبدأ من بداية دخول وقف إطلاق النار تماشياً مع ظروف الحرب الاستثنائية

لذلك، يرى شراب أن الحكم بوفاة المفقود يمكن أن يتم بعد دخول المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، والحصول على قوائم الأسرى كاملة بمن فيهم المخفيون قسراً من الاحتلال الإسرائيلي، من طريق ضغط الوسطاء ومن خلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر حتى يتسنى الحكم بصورة قطعية بوفاة المفقود.

وبخصوص تركة الشخص المفقود، أفاد شراب أن القانون الفلسطيني يمنع التصرف في التركة ما لم يتم صدور حكم وإثبات وفاة المفقود، وتالياً لن تستطيع الزوجة التصرف في أي مما يتركه زوجها في حال الفقد.

أما في حال عودة المفقود بعد إثبات وفاته، فيشير شراب إلى أن القانون يمكّن الزوج من استعادة تركته من أطراف الورثة.

كما أشار إلى أن وصاية الأطفال في حال الفقد تبقى لصالح الزوجة، وهذا يشكّل عبئاً مالياً على كاهلها، وفي حال إثبات الوفاة تكون وصاية الأطفال على عاتق الجد.

في الوقت عينه، يشير إلى أن القانون الفلسطيني حدد نفقة الأطفال في حال فقد الزوج بأن تكون من المال الخاص الذي يتركه الزوج، وفي حال لم يوجد، تستطيع الزوجة مطالبة الجد بالإنفاق على أبنائها.

وفي ختام حديثه، لفت الباحث في الشؤون القانونية إلى أن التعميم القضائي الذي صدر في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، يقضي ببطلان التصرف في تركة المفقود دون صدور حكم قضائي بوفاته أو أي زواج قد يتم دون إثبات الوفاة.

وما بين واقع مجهول ومصير مغيب لأمهات بلا معيل وزوجات بلا يقين بأمل العودة لأزواج طال انتظارهم، تبقى حياة زوجات المفقودين في خضم حرب صامتة لا يُعرف متى تنتهي.



رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image