منسيون في جبال الأطلس… كيف رسبت الحكومة المغربية في امتحان تدبير زلزال الحوز؟

منسيون في جبال الأطلس… كيف رسبت الحكومة المغربية في امتحان تدبير زلزال الحوز؟

حياة نحن والفئات المهمشة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 27 يناير 202638 دقيقة للقراءة

الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحاً، جو صافٍ وموسيقى "الشاب" تملأ السيارة الصغيرة التي تحملنا نحو القرى المعزولة في الحوز بعد عامين على أحد أعنف زلزال ضرب المغرب. ما إن تجاوزنا جماعة أسني القروية (جنوبي مراكش)، حتى تغيّرت الأجواء تماماً، باغتتنا رياح قوية تهز الأشجار الواقفة إلى جانبي الطريق، لتتحوّل الرحلة تدريجياً إلى مغامرة لا تخلو من الخطر.​

"لا جا القائد نيت والمرود، قالو لينا غادي تْحيدو من الخيام، مبقاش هادشي غادي يدوم، وكيشرك فيهم، كيشرك فيها هو براسو، كيشركَ فدوك الخيام، فينا هو فين شفتيهم باقي؟ كلشي مشركين"، تقول السيدة فاطنة المحب، ستينية من ذوات الإعاقة تقطن في دوار تنصغارت التقيناها لدى وصولنا إلى جماعة أسني، بلهجة مغربية دارجة فيما ملامح وجهها العبوس تروي حكاية الحوز كلها حيث انهار منزلها بالكامل من دون أن تتلقّى أية تعويضات، على حد قولها لرصيف22.

ومعنى حديثها: أتى القائد مرفوقاً بالقوات العمومية، وقالوا لنا: يجب أن تزيلوا خيامكم من هنا، فهذه الخيام لن تبقى في هذا المكان. وشرع هو بنفسه في تمزيق تلك الخيام بعنف. أين هي خيامنا الآن؟ هل رأيتَها منذ ذلك الحين؟ لقد مُزِّقت جميعها.


كلما توغّلنا في عمق الحوز، يتضح أن الطريق ليست مجرد مسافة تُقطع، بل معركة أخرى مع التقلبات المناخية الفجائية، أمطار قوية ورياح تعصف بالسيارة في منعطفات جبليّة تجعل التقدّم مغامرة حقيقية. قرب دوار إفورارن، قرية معزولة في إقليم الحوز، حذّرنا السكان من استمرار السير: المطر في الطريق، والجبال المرهقة بفعل الزلزال تنهار مع أولى الزخّات، وقد تتحوّل أي دقيقة إلى لحظة قاتلة.​

"شبهات" و"اختلالات" في إعادة إعمار الحوز... منح تُصرف لغير المستحقين بينما يُحرم متضررون بذريعة أنهم "ورثة"، ضحايا يتعرضون للنصب من مقاولين، وآخرون عاجزون عن تطبيق المعايير الصارمة للبناء، وحقوق تضيع تحت أنقاض البيروقراطية وأحياناً العراقيل التقنية. رصيف22 يتتبّع محنة ثلاث فئات رئيسية من متضرري زلزال الحوز

بين الانحدارات، تساقطت أمام أعيننا أحجار كبيرة على مقربة من الطريق، تكفي لقطع المسار أو ربما إصابة سيارة عابرة، مما جعل خيار العودة لا يقل خطورة عن المضي قدماً. في عز هذا الارتباك، زاد انعدام شبكة الإنترنت من عزلتنا، فلم يبق لنا سوى ما تكشفه علامات التشوير (إشارات الطريق) الممحاة في طريق جبلي لا يمنح الكثير من الأمان.​

الطريق أثناء توجّه معد التحقيق إلى المناطق المتضرّرة

في القرى الأولى التي بلغناها، لم يكن الخطر محصوراً في الجبل ووعورة الطريق؛ وجوه عديدة بدت شاحبة، وملامح متشققة من البرد، لتكشف أن الحوز بعد أكثر من عامين على الزلزال يعيش واقعاً آخر، أكثر قسوة مما قد توحي به البيانات الرسمية عن أعداد المتضررين/ات وحجم الدمار. كالسيدة ذهبية التي انهار منزلها بالكامل وتعيش في مسكن بلاستيكي مؤقّت هي وزوجها الذي يعاني من إعاقة وأمها المسنّة.

السيدة ذهبية في مسكنها المؤقت

"منزل" غير قابل للسكن، أبواب مائلة، وطين متهاوٍ على الأريكة التقليدية، هكذا بدا بيت لالة عائشة أيضاً، كما ينادونها في الدوار غير البعيد عن مركز الزلزال المدمّر الذي ضرب منطقة الحوز في أيلول/ سبتمبر 2023. لم يبقَ من بيت الأم الأرملة، صاحبة السبعين عاماً، سوى فوضى من الحجارة المبعثرة، وصور عائلية مدفونة تحت الركام.

صورة صالة بيت عائشة

منذ تلك الليلة، توقّف الزمن بالنسبة إلى السيدة عائشة التي تدهورت حالتها الصحية كثيراً، لكن محنتها تخفي وراءها الكثير من المواطنين بدون سكن أو بدون تعويضات إعادة الإعمار التي أقرّتها الحكومة المغربية نفسها. وهو شأن محمد أيت محمد الذي يعيش مأساة أخرى، في خيمة مهترئة، منذ عامين، بعد أن فقد زوجته وابنته حسناء وابنه عبد الصمد في ليلة واحدة.

صور نجليّ محمد ورسوم وفاة الطفلين والزوجة

تحدث رصيف22 إلى عدد منهم، ووثقنا بيوتاً مدمرة لم يستفد ساكنوها من الدعم، بينما تم تعويض أغلبية المتضررين بدعم جزئي رغم انهيار سكنهم بالكامل، يقول عدد منهم إنهم تعرّضوا إلى النصب والاحتيال من مقاولين خلال عملية إعادة الإعمار.

بعد مرور أكثر من عامين على زلزال الحوز، تُظهر الأرقام الرسمية أن وتيرة تأهيل البنية التحتية الأساسية في الإقليم لا تزال متفاوتة بين القطاعات. في منطقة "تلات نيعقوب" القريبة من مركز الزلزال، وثقنا انهياراً في دار الطالب ودار الطالبة المنجزة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بقيتا على حالهما منذ 2023، بل أصبحتا مأوى للكلاب الضالة، بحسب مشاهداتنا.

بالتزامن مع الذكرى الثانية لأحد أعنف الزلازل التي ضربت المغرب، نظَّم عدد من المواطنين وقفةً أمام مقر البرلمان، دعت إلى إنصاف المنكوبين وطُرحت تساؤلات ملحّة حول "الإنصاف والعدالة" في توزيع أموال التبرّعات والمنح والمساعدات المودعة في حساب صندوق تدبير الآثار المترتبة على زلزال الحوز. فما الذي حدث بالضبط في تدبير أموال الصندوق حتى بقي عدد من سكان الحوز يواجهون شتاءً ثالثاً أكثر قسوة؟ هذا ما يسعى رصيف22 إلى تقصيه في هذا التحقيق، مع الكشف عن قصص منكوبين يائسين، تقتلهم العزلة بين جبال الأطلس بينما يظل مصير "صندوق تدبير آثار زلزال الحوز" مثار تساؤلات.

ليلة مدمِّرة

في ليلة الجمعة، الثامن من أيلول/ سبتمبر عام 2023، وعند تمام الساعة 11:11 ليلاً، ضرب زلزال مدمِّر مناطق واسعة من إقليم الحوز جنوب غربي مدينة مراكش. بلغت قوته 6.8 درجات على مقياس ريختر، ووقع على عمق يناهز 26 كيلومتراً، أدّى إلى مقتل 2946 شخصاً، وما يزيد على 5 آلاف جريح.

بعد الكارثة بأكثر من أسبوع، زارت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، المنكوبين. في أثناء تلك الزيارة الخاطفة، أخبرت جمعاً من السكان المنكوبين، أن "الملك، فور علمه بالكارثة، عقد اجتماعاً طارئاً وجمع الوزراء وأعطى توجيهاته" بشأن التعامل مع الكارثة. صفَّق الجمع، فيما استعانت الوزيرة بمترجم من الدارجة المغربية إلى الأمازيغية حيث إن البعض منهم/ن لا يتحدّث اللغة العربية أو الدارجة المغربية.


"نظراً إلى الطابع الاستعجالي والضرورة الملحة (...) صادق (مجلس الحكومة) على مشروع المرسوم 2.23.811 الصادر في 24 من صفر 1445 (10 أيلول/ سبتمبر 2023) بإحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم 'الصندوق الخاص بتدبير الآثار المترتبة على الزلزال…'"، وفق بيان منشور في موقع الحكومة المغربية.

وأُحدث الصندوق تحت الرقم 126، بموجب مرسوم نُشر في الجريدة الرسمية في أيلول/ سبتمبر 2023، بهدف توفير تمويل عاجل لدعم المناطق المتضررة وإعادة تأهيل المنازل وتعويض الأسر واستئناف الأنشطة الاقتصادية عبر مساهمات تضامنية من المواطنين والهيئات.​ بلغ في وقت وجيز المبلغ 21 مليار درهم (نحو 2.3 ملياري دولار) ثم 23 مليار درهم (نحو 2.5 ملياري دولار)... مبلغ ضخم من المال العام يستلزم الحرص على الشفافية الكاملة في كيفية استخدامه ومراقبة التنفيذ.

بعد نحو شهرين، بدأت الحكومة المغربية صرف الدفعة الأولى، 140 ألف درهم (نحو ,515 ألف دولار أمريكي) للبيوت التي انهارت بالكامل، و80 ألفاً (نحو 8،8 آلاف دولار أمريكي) لأعمال إعادة التأهيل للبيوت التي تعرّضت لأضرار جزئية. رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يؤكد أن المغرب "نجح في تدبير مرحلة ما بعد زلزال الحوز بكفاءة عالية وبحكامة نموذجية، أثمرت نتائج ملموسة ومشرّفة خلال عامين فقط من إطلاق البرنامج". غير أن صوت التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز لا يزال يتعالى بالمطالبة بتسوية ملفات عالقة عدة وتعويض الأسر المقصاة، داعيةً السلطات إلى تدخّل عاجل وإنصاف الضحايا من خلال صندوق 126 الذي أُنشئ لمواكبة احتياجاتهم أساساً عقب الزلزال.

شتاء قاس... وأموال "مجمّدة" في صندوق إعادة الإعمار

في 26 كانون الثاني/ يناير 2024، قدّمت السيدة فاطنة المحب، من ذوات الإعاقة، تقطن في دوار تنصغارت، في إقليم الحوز، شكويين متتاليتين إلى عامل الإقليم، مطالِبةً بإنصافها وتمكينها من الاستفادة من الدعم المخصّص لضحايا زلزال 2023، مؤكدةً أنها تضرّرت بشكل مباشر من الانهيارات التي طالت منزلها.

صورة للمنزل المنهار كلياً دون تسجيل السيدة فاطنة في لوائح المستفيدين

توضح الشاكية أنها تلقّت، عقب الزلزال، زيارة لجنة التقييم التي عاينت الأضرار وأكدت التهدّم الذي لحق جدران منزلها، غير أنها تفاجأت – بحسب قولها – بعدم إدراجها ضمن لوائح المستفيدين لا من التعويضات ولا من المساعدة السكنية.

وتضيف أن بعض المنازل الأقل تضرّراً حصلت على الدعم، بينما لم يُلتَفت إلى وضعها رغم أنها "تعيش التشرّد"، رفقة أسرتها، على حد تعبيرها، مطالبةً بإعادة النظر في قرار اللجنة وإجراء خبرة جديدة من طرف مهندس مختص.

صورة خاصة للشكوى بعد استمرار الإقصاء

ووفق المعطيات التي حصلنا عليها من تقرير لجنة موازية من التنسيقية المحلية للضحايا، فهناك اختلالات خطيرة بدوار أنرني على سبيل المثال، حيث استفاد عدد من الأشخاص من دعم البناء ومنح شهرية بدون أسباب واضحة. وتنوّعت الخروقات المشتبه فيها بين استفادة غير مستحقة وانتفاع مزدوج من الدعم العمومي، إذ حصل (ع. أ) على المساعدة رغم إقامته في مدينة أكادير، فيما استفاد (ح. بـ) دون أن يكون قاطناً بالدوار. كما سُجلت حالة استفادة مزدوجة لكل من (إ. ه) وابنه رغم أن سكنهما واحد، علماً أن الأب يقيم في مدينة مراكش. وفي حالة أخرى، تبين أن (م.خ) حصل على الدعم رغم إقامته في فرنسا وهو مولود فيها، في حين أقصي عدد من المستحقين. وطالبت التنسيقية المحلية في الدوار بفتح تحقيق جدّي في هذه الحالات.

فضلاً عمّا سبق، السيدة فاطنة ليست حالة معزولة، بل ترجمة لما يعيشه مئات السكان المنكوبين منذ الثامن من أيلول/ سبتمبر 2023، بين وعود بالإعمار وواقع لا يزال مثقلاً بالخوف والبرد والانتظار. ورغم الحركة اللافتة للتبرعات في الصندوق الخاص بتدبير آثار الزلزال، لا يزال كثير من المتضررين يتساءلون عن مصير هذه الأموال وعن طرق توزيعها.

وشهد الصندوق الخاص بتدبير الآثار المترتبة على الزلزال إقبالاً كبيراً من المتبرعين/ات. كان الحماس والتعبئة الوطنية ملحوظَين. تكشف الأرقام الرسمية أن 72.7% من أموال الصندوق جاءت من تبرّعات المواطنين والخواص ومؤسسات بينما ساهمت الدولة بـ4.90 مليارات درهم (نحو 540 مليون دولار) من الميزانية العامة.

بحلول تشرين الأول/ أكتوبر 2024، لم يُصرف سوى 8 مليارات و948 ألف درهم (نحو 909 ملايين دولار) فقط، أي 40.7% من إجمالي الموارد البالغ 21 مليار درهم (نحو 2.3 ملياري دولار) حتى ذلك الحين. وظل نحو 13 مليار درهم (نحو 1.4 مليار دولار) -أي 60% من الموارد- غير مصروفة. عام بعد ذلك (أي حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2025)، صرف نحو 15 ملياراً و537 مليون درهم (نحو 1.55 مليار دولار) من أصل 23 ملياراً و113 ألف درهم (نحو 2.3 ملياري دولار)، أي نحو 67.2% من الموارد فقط. ولا يزال نحو 7 مليارات و576 درهماً (نحو 834 مليون دولار)، أي ما يناهز ثلث أموال الصندوق تقريباً، "عالقة" في الحسابات البنكية للدولة دون أن تصل إلى الكثير من المتضررين فيما آلاف منهم ما زالوا يعيشون في أماكن مؤقتة، وبعضهم يواجه قرارات الترحيل والبعض الآخر يواجه شتاءً ثالثاً أكثر قسوة تحت الخيام.

ووزعت تعويضات نقدية للفئة المتضرِّرة بشكل مباشر، بما يقل عن خُمس موارد صندوق إعادة الإعمار، حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2024، حيث تلقّى المتضررون/ات جميعاً نحو 4 مليارات درهم (نحو 441 مليون دولار) فقط كتعويض شهري وإعادة البناء، أي 18.65% من إجمالي الموارد التي تحصّل عليها الصندوق تقريباً.

يكشف مشروع قانون المالية لسنة 2025 عن وجود نفقات أخرى بلغت نحو 4.8 مليارات درهم (نحو 530 مليون دولار)، هذه النفقات تفوق قليلاً كل النفقات التي سُدّدت برسم المساعدات الاستعجالية للأسر والمساعدات المالية المباشرة لإعادة بناء المساكن أو إعادة تأهيلها. في مشروع قانون المالية لسنة 2026، يتضح أن هذه المبالغ ارتفعت ووُجّهت إلى تدابير مستعجلة بإشراف الوزارات، وتمويل المنصّات الجهوية الـ12 لتخزين المواد، ومشاريع الكهربة القروية التابعة للوكالة المغربية للطاقة المستدامة، إضافة إلى 315 مليون درهم (نحو 35 مليون دولار) خُصّصت لوكالة تنمية الأطلس الكبير (ADHA) بعد إحداثها.

خلال هذه الفترة، بقيت رقية جلولات، التي فقدت منزلها في زلزال 2023، وهي من ذوات الإعاقة من دوار أنرني بالحوز، تعيش بلا مأوى قار ولا تعويضات. رغم سنّها المتقدّمة ووضعها الصحي الصعب، تواصل أسرتها طرق أبواب الجهات الحكومية دون جدوى إلى أن سُدَّت في طريقها جميع المنافذ لتراسل الديوان الملكي مباشرة لطلب إنصافها.


نماذج من الشكاوى

"فقدتُ 37 فرداً من عائلتي، بينهم أعمامي وأجدادي وأطفال صغار. أثناء عملية الإحصاء رأيت كيف كانت تُجرى تحت الأشجار دون زيارة المنازل المهدّمة (...) صحيح أن بعض الناس استفادوا، لكن عددهم قليل جداً. فحتى الدواوير التي دُمّرت بالكامل، مثل دوار والديّ، لم تتلقَّ سوى دعم الترميم (بقيمة تقارب 8 آلاف دولار)، بينما حُرم الكثيرون، خصوصاً أرامل ومسنون، من أي مساعدة"، يقول عضو التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز، عبد الرحيم أيت القاضي.

عراقيل تقنية

في الأشهر التي تلت زلزال الحوز، أطلقت وزارة الداخلية المغربية بوابة إلكترونية لإتمام تسجيل ضحايا زلزال الحوز، الذين يوافق على طلباتهم في البداية، وحدّدت مهلة نهائية في كانون الثاني/ يناير 2024 لتلقي الشكاوى. إلا أن المنصّة واجهت انقطاعاً في الخدمة، بالإضافة إلى أن عدداً من القرى الجبلية يعاني من ضعف أو انعدام الاتصال بالإنترنت، فيما يفتقر معظم المتضررين من كبار السن إلى القدرة على التعامل مع الأجهزة الذكية أو الخبرة التقنية.

اتصلنا بابنة السيدة عائشة، نديرة، وكلتاهما متضررة من الزلزال، وتقيمان في دوار تصنغارت، أحد أقرب الدواوير من مركز الزلزال، فاعتذرت عن عدم تمكّنها من الاطلاع على المكالمة والرسالة بسبب خدمة الإنترنت، وأوضحت أنه في حال تحديد موعد لإجراء المقابلة، يجب الاتفاق مسبقاً على الوقت المناسب حتى تتمكّن من الوجود في مكان تتوافر فيه شبكة الاتصال.

صورة السيدة عائشة

وفي تموز/ يوليو 2025، احتل مطلب تحسين تغطية شبكة الهاتف والإنترنت مكانة مركزية في المسيرة الاحتجاجية في آيت بوكماز المعزولة في جبال الأطلس. لمس معد التحقيق ضعف شبكة الإنترنت في عين المكان حيث بقي يومين بدون إنترنت. في سلسلة جبال الأطلس الكبير، تنعدم الشبكة أساساً في الدواوير التي تلي تلات نيعقوب، لا سيّما مع هطول الأمطار، كما تنقطع الكهرباء أيضاً لساعات طويلة.

"أمي لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ربة بيت، لا تتحدث حتى العربية (تقصد الدارجة المغربية)، لا تجيد سوى لغتها الأمازيغية البسيطة. لذا، أوكَلت زوج أختي ليتولّى الإجراءات الإدارية نيابةً عنها من أجل أن تتلقّى تعويضاً. لكنّ الطلب رُفض بشكل قاطع، ليُغلَق باب الأمل أمام امرأة عاشت حياتها في هذا الدوار"، تؤكد نديرة، مضيفةً "أنا مضطرة للبقاء مع أمي لأنها وحيدة وكبيرة في السن، وتخاف كثيراً"، ما يؤشّر إلى صعوبة سفرها لتقديم طلب جديد.


وفي منطقة الحوز والمناطق المتضرِّرة من الزلزال، يتحدّث نحو 65% من السكان الأمازيغية (تحديداً لهجة تشلحيت، وهي إحدى أهم اللهجات الأمازيغية الثلاث الرائجة في المغرب، ويتحدث بها سكان جنوب المغرب على نحوٍ خاص)، لكن الخدمات العامة لا تُراعي هذا التنوّع بالشكل الكافي، مما زاد من صعوبات التواصل، خصوصاً لدى النساء وكبار السن خلال الأيام الأولى من الزلزال.

انهار منزل أسرة نديرة في ليلة الزلزال، وتحوّل إلى كومة من الركام كما توثِّق الصور التي التقطناها هناك. ''جرّبنا العيش في الخيام. لكن أمي مريضة ولديها حساسية بعد الزلزال، أُضيف إليها السكري والكوليسترول، فقرّرنا تغيير المكان لتكون على الأقل بخير"، تردف.

بين الأنقاض والانتظار الطويل، تجلس السيدة عائشة صامتةً، تراقب بيوتاً جديدة تُبنى حولها، فيما يظل بيتها حلماً مؤجَّلاً. في حين تقول ابنتها نديرة: "زوج أختي هو الذي يتحمَّل مصاريف البيت منذ عامين ونحن في سكن مؤقت، منزل أمي المنهار لم يعد صالحاً للسكن، بل أصبح يشكِّل خطراً على المارة، فاضطروا إلى هدمه بالكامل".

باستثناء مدينة مراكش، يغلب على المناطق المنكوبة الطابع القروي، يعيش 93% من السكان في جماعات قروية قليلة الربط بالإنترنت، وتسجِّل هذه المناطق معدّل أمية مرتفعاً يبلغ 41.2%، ويتجاوز 50% في 72 جماعة، بينما يبلغ الفقر المتعدّد البعد 18.5% ونسبة الهشاشة 21.5%، مما يجعلها من أكثر المناطق حرماناً في البلاد.

يوم 29 كانون الأول/ ديسمبر 2024، الساعة تشير إلى الثانية ظهراً، يجيبنا عبد الرحيم، واحد ممن عاشت أسرتهم ليلة رعب بعد زلزال الحوز، بينما كان متوجهاً من الرباط جنوباً نحو مراكش، يتجوّل عبد الرحيم بملفه من مدينة إلى مدينة. في الرباط العاصمة يتطلّع إلى لقاء العديد من الفاعلين والمسؤولين من أجل إنقاذ ما تبقَّى من الأسر. ويشتكي عبد الرحيم من تدبير هذا المشروع الذي انتقل من يد "صندوق التقاعد" إلى يد "وكالة تنمية الأطلس الكبير".

السؤال الهام هنا: ما هي هذه الوكالة التي ظهر رئيسها، سعيد الليث، مطمئناً للحصيلة التي أنجزتها في إعادة إعمار الحوز؟ وما الذي قامت به في الواقع؟ وما الذي يدور وراء الأرقام التي أعلنت عنها حيال تداعيات الحوز بالمناطق المتضرِّرة من الزلزال؟ وهل الوكالة ماضية بالفعل "في تحقيق رؤية الإستراتيجية لوكالة تنمية الأطلس الكبير التي ترتكز على طموح واضح: تحويل محنة الزلزال إلى فرصة تاريخية لإعادة الإعمار المستدام والتنمية المندمجة لمناطق الأطلس الكبير"؟ وهل تضع بالفعل "المواطن في صلب الأولويات، التي تقوم على ثلاث ركائز متكاملة: الإعمار، والتنمية المستدامة، والإدماج"؟، وفق ما يرد في موقعها، هذا ما حاولنا استكشافه.

فيما كانت التبرّعات لمصلحة الصندوق الخاص بتدبير آثار زلزال الحوز سخيّة، ظلت ثلث الأموال تقريباً مجمّدة، فيما أنفقت أخرى على مشاريع لا تتعلّق بالمتضررين الذين بقي كثير منهم يشكو العزلة والإقصاء والتجاهل. لماذا يعيش متضررون من زلزال الحوز شتاءً ثالثاًَ قاسياً بلا مأوى قار؟

وكالة تنمية الأطلس لإعمار الحوز

وكالة تنمية الأطلس الكبير هي مؤسسة أُحدثت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بموجب مرسوم بقانون رقم 2.23.870 الصادر في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، على أن تكون مهمتها إعادة بناء وتأهيل المناطق المتضرِّرة من زلزال الحوز، وقد موّلت الوكالة بـ120 مليار درهم (نحو 13،3 مليار دولار).

رغم أهمية المشروع الذي جاء في سياق إعادة الإعمار بعد الزلزال، إلا أن مشروع إحداث الوكالة، نوقش في مجلس النواب، يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وعقدت لجنة المالية اجتماعاً واحداً فقط لمناقشته دام ثلاث ساعات، بنسبة حضور بلغت 45% من الأعضاء، قبل أن تصادق اللجنة بالإجماع في اليوم الموالي على المرسوم بقانون إحداث الوكالة. وبعدها أُحيلت النسخة النهائية لمشروع القانون رقم 57.23 يوم 26 تشرين الأول/ أكتوبر، ونوقش في اجتماع واحد استمر ساعة واحدة فقط، بنسبة حضور بلغت 68%، قبل أن يصادق المجلس عليه نهائياً، بعد أربعة أيام فقط، في جلسة 30 تشرين الأول/ أكتوبر بأغلبية 216 نائباً مع امتناع نائبتين عن التصويت.

وفي مجلس المستشارين، لم يختلف الأمر كثيراً، إذ ناقش أعضاؤه المشروع في اليوم الموالي، 31 تشرين الأول/ أكتوبر، لمدة نصف ساعة فقط، وانتهى النقاش بالتصويت بالإجماع على القانون. يدفع هذا إلى التساؤل إن كان استخدام صيغة ''المرسوم بقانون'' لدواعٍ تقنية واستعجالية فقط.

في المغرب، يعد "المرسوم بقانون" الذي أُحدثت به الوكالة آلية دستورية استثنائية منصوص عليها في الفصل 81 من الدستور المغربي، تسمح للحكومة بالتشريع في المجال المخصّص للبرلمان خلال فترات محدّدة وظروف استثنائية. وتدخل المراسيم بقانون حيز التنفيذ فور نشرها. وهذه الآلية، رغم دستوريتها وضرورتها في بعض الحالات، تحمل مخاطر محتملة كأن تصبح وسيلة للتهرب من الرقابة.

وفي نص المادة 11 من مرسوم وكالة الأطلس، "لا تخضع الوكالة لمقتضيات القانون رقم 69.00 المتعلِّق بالمراقبة المالية للدولة على المنشآت العامة وهيئات أخرى"، وتتمتّع باستقلالية مالية شبه مطلقة (في المادة 12)، للتصرّف المباشر في 120 مليار درهم (نحو 13،3 مليار دولار) مبرمجة على خمس سنوات (2024-2028)، دون رقابة مسبقة من على النفقات (قبل الصرف) ورقابة مستمرة ورقابة من وزارة الاقتصاد والمالية.

الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلَّف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والمتحدث الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، يعتبر عدم خضوع الوكالة للقانون رقم 69.00 أمراً طبيعياً. وقد أوضح أن هذا القانون يفرض نوعاً من "المراقبة الثقيلة".

لكن هل كان الطابع الاستعجالي مبرراً مقنعاً؟ فيما أُحدثت الوكالة رسمياً في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلا أن انطلاقتها الفعلية تأخرت إلى غاية 2 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تاريخ انعقاد الاجتماع الأول لمجلس التوجيه الإستراتيجي، أي بعد نحو 13 شهراً من تأسيسها. وعليه، يجدر التساؤل: ألم يكن الأجدى أن يأخذ تأسيس الوكالة المساطر العادية التي تأخذ ستة أشهر؟ وهي التي تضمن رقابة برلمانية ومالية على صرف مبلغ ضخم لمدة خمس سنوات؟

المادة 15 منحت أيضاً للوكالة صلاحيات حق نزع الملكية واحتلال الملك الخاص من أجل المنفعة العامة. ليس ذلك فحسب، فرئيس الحكومة، أخنوش، يتولّى مباشرةً قيادة الوكالة ويقترح مديراً عاماً لها.

وكشف تقرير مرصد برنامج إعادة الإعمار بعد زلزال الأطلس الكبير، التابع لمنظمة ترانسبارنسي المغرب، عن اختلالات جسيمة طبعت السنة الأولى من التنفيذ الحكومي للبرنامج، حيث سجّل التقرير "صعوبات في التنفيذ والتطبيق، وعجزاً في الشفافية، وافتقاراً للتناسق" على مستوى الحكامة والإدارة، مؤكداً أن الدولة لم تنجح في جعل هذا البرنامج "نموذجاً يُحتذى للتنمية الإقليمية المندمجة" خلال سنتها الأولى. كما أبرز التقرير أن برنامج إعادة البناء يتقدّم بـ"وتيرة بطيئة جداً" ويواجه "صعوبات عملية وهيكلية"، حيث يشكّل التسلسل بين المراحل المختلفة للدعم "مصدراً للالتباس والإحباط" لدى المستفيدين.

ويقول المنسق الوطني للائتلاف المدني من أجل الجبل، محمد الديش، إن تركيز ملف إعادة تأهيل الأطلس الكبير في يد وزارة الداخلية أدّى إلى اختلالات كبيرة في الإحصاء والإدارة، مع تأخّر كبير في إنشاء الوكالة المتخصصة التي يُفترض أن تكون نموذجاً لتنمية المناطق الجبلية في المغرب، لكنها فشلت في مهمتها الأساسية.

بمقارنة الأرقام التي أجريناها على مصروفات العام الأول (قبل انطلاق عمل الوكالة) والعام الثاني (في ظل وجود الوكالة)، يتضح الفرق. خلال السنة الأولى التي سبقت إحداث الوكالة، وعن طريق صندوق إعادة الإعمار، بلغت وتيرة الصرف نحو 40.7%. أما بعد إنشاء الوكالة، فلم تتجاوز 6 مليارات و589 مليون درهم (أكثر من 700 مليون دولار)، مما يعني أن وتيرة الصرف تراجعت بـ26.36% من مجموع الموارد المتاحة، رغم تولّي وكالة تقنية هذا المشروع.

سعيد الليث... من صندوق التنمية إلى صندوق الوكالة

تطرح الملاحظات السابقة تساؤلات تتعلّق بتدبير المال العام. مع العلم أن سعيد الليث يدير الوكالة، والذي ارتبط اسمه بإدارة "صندوق التنمية القروية" المثير للجدل، مما دفع البعض إلى التساؤل حول الشبه بين التجربتين، تجربة "صندوق التنمية القروية" وتجربة "صندوق الحوز"، اللذين اشترك الليث في إدارتهما.

عندما أعلن في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 عن تعيين سعيد الليث مديراً عامّاً لوكالة تنمية الأطلس الكبير، لتدبير ملف الحوز الثقيل، بدا الخيار منطقياً على السطح، موظف حكومي متمرّس قضى أكثر من عقدين في إدارة برامج التنمية القروية والفلاحية.

بعدما تخرَّج الليث من معهد الزراعة والبيطرة في تخصّص الهندسة القروية، تدرَّج عبر مسؤوليات إدارية متعاقبة، من رئاسة مصلحة بإدارة الهندسة القروية، ثم مديرية الري (2009-2010)، فمديراً جهوياً للفلاحة بجهة تازة-تاونات-الحسيمة (2010-2015) ولاحقاً مدير تنمية المجال القروي والمناطق الجبلية (2015-2024) وصولاً إلى وكالة الأطلس الكبير، في مسار مهني لافت. خلال الفترة ما بين 2010 و2015 شغل الليث منصب مدير جهوي للفلاحة بجهة تازة-تاونات-الحسيمة حيث كان مكلَّفاً بتنفيذ إستراتيجية مخطَّط المغرب الأخضر، التي أطلقها أخنوش أيضاً.

تقرير المندوبية السامية للتخطيط (26 كانون الأول/ ديسمبر 2019) وثّق أن مخطط المغرب الأخضر لم يصل إلى أهدافه، بينما كشف مجلس المنافسة أن مخطط "المغرب الأخضر" لم يحقّق هدفه الأساسي في تقليص الاعتماد على الواردات ورفع مستوى الاكتفاء الذاتي في قطاع الحبوب، رغم الموارد المالية والمؤسساتية الضخمة المخصصة لهذا الغرض.

وفي صيف 2015، عندما التحق سعيد الليث بمنصب مدير صندوق تنمية المجال القروي والمناطق الجبلية (2015-2024)، جرت مراجعة قانون المالية الحكومي، واكتشف رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران (عن حزب العدالة والتنمية) حينذاك أمراً صادماً، أن 54 مليار درهم (نحو 6 مليارات دولارات)، مخصّصة لفك عزلة العالم القروي، نقلها حليفه وزير الفلاحة حينذاك عزيز أخنوش إلى تصرفه ليتحّول إلى "الآمر بالصرف" للصندوق خارج تصرّف رئيس الحكومة.

"فضيحة" صندوق الـ54 مليار درهم كما عنونتها بعض الصحف آنذاك، ارتبطت باسم الوزير أخنوش الذي تولّى هذا المنصب 14 عاماً. "أنا قلق لأن الصحافة تتهمني بسرقة صندوق التنمية القروية وهذا غير صحيح، أنا أخبرتك بالأمر"، ردّ أخنوش على رئيس حكومته آنذاك، ورغم تغيير الحكومات، بقي أخنوش وزيراً للفلاحة حتى عام 2021. لكن المفاجأة أن الصندوق، الذي وصف بنكيران سحب صلاحية الآمر بالصرف منه كرئيس حكومة لصالح وزير الفلاحة بأنه كان "مقلباً" لم يتفطّن له، لم يكن تحت إدارة سوى سعيد الليث الذي أشرف على تنفيذ برامج "صندوق الـ54 ملياراً طوال تسع سنوات تحت الرئاسة المباشرة لعزيز أخنوش.​

ويقول كاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي السابق، خالد الصمدي: "جاء الزلزال ليكشف استمرار هشاشة البنيات التحتية في البوادي… رغم وجود هذا الصندوق ومخصّصاته المالية الهامة، ومرور عشر سنوات على إحداثه، مما طرح سؤال تقييم البرنامج، ما أنجز منه وما لم ينجز، وطرق ومجالات صرف اعتماداته، وآثاره في الميدان".

في رأيه الصادر سنة 2017، نبّه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى اختلالات بنيوية في سياسات تنمية العالم القروي، تمثّلت أساساً في بطء وتيرة الإنجاز، وضعف آليات البرمجة، وغياب الالتقائية والتنسيق بين مختلف القطاعات والفاعلين العموميين، بما أثّر سلباً على نجاعة هذه البرامج وتحقيق أهدافها التنموية.

خروقات و"شبهات" محل أسئلة برلمانية

ورصد المجلس "مشكلات تتعلَّق بعدد المتدخلين والصعوبة في البرمجة والتنسيق". في خريف 2025، بدأت الانتقادات تظهر من جديد. وقدّمت برلمانية تساؤلاً برلمانياً بشأن "تحويل مشاريع برنامج إعادة إعمار المناطق المتضرّرة من زلزال الحوز إلى مناطق لم تصنف متضرّرة كمشروع تعبيد مقطع طرقي بجماعة أغواطيم:، في ظل شكاوى سكان من غياب الحضور الميداني وتأخّر الإنجازات.​

وفي سؤال كتابي آخر، موجه إلى وزارة الاقتصاد والمالية، قبل أيام من نشر هذا التحقيق، تحدّثت النائبة نفسها، عائشة الكوط، عن "شبهة اختلالات في برمجة مسالك طرقية وتوجيهها لأغراض انتخابية ببرنامج إعادة تأهيل مناطق زلزال الحوز"، ضاربةً مثالاً لذلك بجماعة أغواطيم.

وأشارت البرلمانية إلى "وجود مفارقات صارخة تضرب في عمق مبادئ الحكامة والشفافية، حيث تم رصد برمجة مسالك طرقية (دواوير: توكانة، لمصرف، آيت بلعباس، وآيت القاضي) لا تربطها صلة بالمناطق المتضررة فعلياً من الكارثة، بل هي الدائرة الانتخابية لرئيس الجماعة ودواره، بلعباس، في حين أُقصيت الدواوير المنكوبة فعلياً والتي تعيش عزلة تامة، بخاصة بعد الأمطار الأخيرة".

وبينما حذّرت من أن "توجيه اعتمادات صندوق الزلزال لخدمة أجندات سياسية انتخابية ضيقة، وترك المتضررين الحقيقيين في العزلة، يعدّ استهتاراً بتوجيهات صاحب الجلالة ويعد انحرافاً خطيراً في تدبير المال العام المخصص لضحايا الكارثة ولتأهيل المناطق المنكوبة"، متساءلةً: "كيف تم السماح ببرمجة صفقات في دواوير غير متضررة (ذات صبغة انتخابية: الدائرة التابع لها دوار رئيس الجماعة) وتجاهل الدواوير المتضررة فعلياً والتي سجلت خسائر في الأرواح وهدماً كلياً للمنازل؟ وما هي إجراءاتكم الاستعجالية لفتح تحقيق في معايير هذه الصفقة وتصحيح مسار البرمجة وترتيب المسؤوليات في هذه الخروقات، لإنصاف الدواوير المنكوبة فعلياً بجماعة أغواطيم؟".

الأمر نفسه يظهر في حديث عضو تنسيقية المتضررين من زلزال الحوز ضحايا الحوز، عبد الرحيم، الذي يقول لرصيف22 إن بعض المتضررين باتوا يشعرون بالعزلة ويعتقدون أن الحكومة تصمّ آذانها ولا تتفاعل مع مطالبهم.

إقصاء "ورثة"؟

في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، كشفت النائبة البرلمانية فاطمة التامني في سؤال كتابي موجه إلى وزارة الداخلية إقصاء مئات الأسر من التعويضات المخصّصة لضحايا زلزال الحوز بدعوى أنهم "ورثة"، كما في حالة محمد، رغم استقرار الوضع القانوني للعقارات وغياب نزاعات الوصاية في العديد من الحالات.

في دوار تكنتافين بإقليم الحوز، يقيم محمد أيت محمد في خيمة لا تقاوم برد الأطلس. فقد محمد زوجته وطفليه، حسناء وعبد الصمد، تحت الأنقاض في تلك الليلة التي أودت بحياة 2946 شخصاً، 54% منهم نساء وأكثر من 32% فوق 65 عاماً. ومنذ ذلك اليوم، بقي محمد بلا مأوى دائم، يراقب وعود الإعمار تتكرّر على الشاشات.

يقول محمد، لرصيف22، إن السلطات رفضت ملفه بحجة أنه "غير مقيم" حسبما أخبره عون السلطة، بدعوى أن المنزل المنهار الذي كان يقيم فيه ليس ملكه وحده بل لـ"الورثة"، بينما يؤكد محمد أنه كان يقيم به رفقة أسرته فقط منذ سنين طويلة، وليس هناك أي نزاع مع إخوته. وقت تواصلنا معه، كان محمد يعيش في خيمة ويرسل الشكاوى واحدة تلو الأخرى من دون الحصول على تعويضات، بحسب ما أكد لمعد التحقيق.

الزلزال لم يضرب على سلم الحكومة؟

في الأثناء، يرى الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلَّف بالعلاقات مع البرلمان، والمتحدث الرسمي باسمها، مصطفى بايتاس، أن نسبة تفاعل الحكومة مع الأسئلة البرلمانية، حول قضايا المواطنين جد إيجابية، و"بلغت 70%، وذلك منذ افتتاح الولاية التشريعية الحالية وإلى غاية 9 تشرين الأول/ أكتوبر (2025)".

للتحقّق من ذلك، أنشأ معدّ التحقيق قاعدة بيانات، تمثّل رصداً للأسئلة الكتابية التي تقدّم بها برلمانيون في مجلس النواب خلال الفترة الممتدة من أيلول/ سبتمبر 2023 إلى أيلول/ سبتمبر 2025 من أجل معرفة مدى تفاعل الحكومة مع تداعيات زلزال الحوز.

تتضمن هذه القاعدة الأسئلة الموجهة حصراً حول الزلزال وتبعاته، مع توثيق طبيعة السؤال، واسم البرلماني الذي تقدّم به، وتاريخ طرحه، إضافة إلى ما إذا تم التفاعل معه من طرف القطاعات الوزارية المعنية أم لا.

بلغ عدد الأسئلة الكتابية المرتبطة بزلزال الحوز، حتى حدود تشرين الأول/ أكتوبر عام 2025، داخل مجلس النواب، 59 سؤالاً فقط، من أصل أكثر من 24 ألفاً و800 سؤال طُرحت خلال الولاية التشريعية الحالية. لكن من بين 12 ألفاً و460 سؤالاً كتابياً طُرحت في السنتين الأخيرتين (2023 إلى 2025)، نجد أن 0.47% فقط (أي أقل من 0.5%) هي نسبة الأسئلة الكتابية التي تناولت أكبر كارثة طبيعية ضربت المغرب في القرن الحادي والعشرين.

لم تُجب الحكومة سوى عن 38 سؤالاً فقط تتعلّق بالزلزال وتداعياته، رغم جسامة الحدث وأهميته الوطنية. وبذلك، فإن نسبة تفاعل الحكومة مع الأسئلة الكتابية الخاصة بزلزال الحوز بلغت 64.4% (38 من أصل 59 سؤالاً)، بناءً على المعطيات، ومع أن عدد الأسئلة التي طُرحت حول زلزال الحوز بين سنتي 2023 و2025، لا يتعدى الـ 59 سؤالاً خلال عامين، إلا أن 35.6% منها ظل بلا إجابة.

حظيت وزارة الداخلية بأكبر عدد من الأسئلة بنسبة 14 سؤالاً (23.7%) بخاصة حول "الدعم والإيواء المباشر" ووجهت لوزارة التربية والتعليم 9 أسئلة (15.3%) وزارة الإسكان: 7 أسئلة (11.9 %) والأوقاف 7 أسئلة (11.9%) وتوزعت الأسئلة على بقية الوزارات: 22 سؤالاً (37.3%).

وتلقّى رئيس الحكومة سؤالاً واحداً، وفق بيانات مجلس النواب. كان ذلك في أيلول/ سبتمبر 2025، لم يجب السيد أخنوش على سؤال النائبة البرلمانية فاطمة التامني، الذي انتقدت فيه استمرار معاناة المتضررين بعد مرور سنتين على الزلزال، مشيرةً إلى العشوائية والارتباك في تدبير الأزمة. وانتقدت أن "المئات من الأسر لا تزال تقطن في خيام مهترئة تفتقد لأبسط شروط الكرامة الإنسانية، وعدد من المؤسسات التعليمية لم يكتمل تأهيلها، إلى جانب حرمان العديد من الأسر من التعويضات الكاملة التي وُعِدوا بها".

من بين الأسئلة الكتابية التي لم تجب عنها الحكومة أيضاً، سؤال حول تأخّر إيواء المتضررين، وسؤال حول حصيلة التدابير الحكومية المتخذة لفائدة متضرري زلزال الحوز.

ويرجح المنسق الوطني للائتلاف المدني من أجل الجبل، محمد الديش، في تصريحه لرصيف22، " فشل الحكومة في تدبير هذه الكارثة الطبيعية"، معتبراً أن ذلك "قد يكون تجاهلاً مقصوداً لسكان المناطق الجبلية، لأن الحكومة الحالية لا تعتبرها من أولوياتها". وفيما يرجّح أن "فشل الحكومة احتمال وارد جداً"، يشدّد المتحدّث على أن "كل الوسائل متوافرة (يقصد للنجاح)، الأمر (كان) متوقفاً فقط على أن يكون هناك تدبير سليم".

وسط متاهة الأرقام الرسمية… منازل ودواوير مدمرة بدون التعويض الكامل

يُقدَّر عدد السكان المتضررين إجمالاً من زلزال الحوز بنحو 2 مليوني و608 آلاف و115 نسمة، يتوزّعون على 3 آلاف دوار، أي ما يعادل نحو 578 ألفاً و280 أسرة، بمعدل 4.5 أفراد في كل أسرة، وذلك وفقاً لتقديرات المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة إستراتيجية رسمية)، في مذكرتها المفصَّلة حول الملامح الاجتماعية والديموغرافية لضحايا الزلزال.

غير أنه إلى حدود تشرين الأول/ أكتوبر 2024، بلغ عدد الأسر المستفيدة من الدعم الشهري نحو 63 ألفاً و766 أسرة.

البحث في الأرقام الرسمية لم يكن سهلاً. في الذكرى الثانية للكارثة، أعلن رئيس الحكومة، أخنوش، تحديداً في 10 أيلول/ سبتمبر 2025، في حوار خاص بُثّ على القناتين الأولى والثانية أن "برنامج إعادة إعمار مناطق زلزال الحوز حقّق تقدّماً ملموساً، مع استكمال بناء وتأهيل أكثر من 51 ألف مسكن. أسابيع قليلة بعد ذلك رفعت الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري هذا الرقم في تصريح تلفزيوني على القناة الثانية، تشرين الأول/ أكتوبر 2025، إلى "52 ألف منزل بُني من أصل أكثر من 59 ألفاً في ملف الحوز حتى الآن".

إلى 10 أيلول/ سبتمبر 2025، أُنجز 51 ألفاً و154 منزلاً من أصل 59 ألفاً و674، وفق آخر الأرقام المصرح بها في بيان رسمي صادر عن الحكومة المغربية، أي ما يناهز 87.37% من نسبة الإنجاز.

خلف هذه الأرقام، فوارق لا تزال قائمة، 8 آلاف و520 منزلاً لم ينجز بعد (14.27% من الفئة المستفيدة). يُقدّر عدد سكان هذه المنازل بنحو 38 ألفاً و340 نسمة، منهم من هو بلا مأوى آمن أو قار. في تارودانت وحدها أكثر من 3 آلاف و650 أسرة (وقت صدور البيان الحكومي) لا تزال تنتظر مفاتيح بيوتها غير المنجزة بعد، هناك تعقيدات في منح التراخيص، وفي البحث عن بقع أرض، وفي الحوز نحو ألفين و280 أسرة قُبلت ملفاتها وتركت للنسيان، والعدد مرشح للزيادة إذا ما أخذنا في الاعتبار الأسر التي لم تُقبل ملفاتها أصلاً.

وفق تحليل معد التحقيق للأرقام التي تضمّنها تقرير وزارة الاقتصاد والمالية حول الحسابات الخصوصية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2025، بلغ عدد المستفيدين الفعليين من دعم إعادة البناء والتأهيل (كلياً أو جزئياً) 57.893 منزلاً، حتى كتابة هذا التحقيق، مقابل 59.674 منزلاً متضرراً تعلنها الحكومة في تصريحاتها الرسمية، ما يعني أن نحو 8000 نسمة حَصَتهم الحكومة ضمن المستفيدين لكن لم تصرف لهم أي معونات للترميم أو البناء بعد مرور عامين.

في غضون ذلك، أظهرت دراسة ميدانية للعصبة المغربية لحقوق الإنسان أن 82% من الأسر المستجوبة اعتبرت الدعم المالي المقدَّم من الدولة غير كاف لإعادة بناء منازلهم أو ترميمها بشكل لائق.

ورغم أن تراخيص البناء الجديدة تفرض احترام معايير معمارية صارمة لمقاومة الزلازل في المنطقة، إلا أن الأسر المتضرِّرة تعثَّرت أمام واقع مرّ: ارتفاع أسعار مواد البناء، ونقص الدعم المالي، وضغط المواعيد والتأخيرات، ونقص الأيدي العاملة المؤهلة، مما جعلها عاجزة عن تطبيق هذه المعايير في كثير من الأحيان. ووجد كثيرون أنفسهم مضطرين للبناء بمواد أقل جودة أو بشكل مستعجل لتفادي البرد وانتظار الإعانات، مما أدّى في النهاية إلى تكرار هشاشة المنازل واستمرار المخاطر، رغم النص القانوني الصارم.

إلى جانب ذلك، تتحدّث أسر عدّة متضرِّرة عن أنها لا تزال خارج نطاق الدعم الفعلي، وهي محتاجة إلى سكن عاجل، إما بسبب تأخر المساطر الإدارية وتعقيداتها، أو بسبب صعوبات مرتبطة بالإحصاء وتحديد معايير الاستفادة، أو بدون تقديم أي مبرر مقنع. رصدنا عشرات التوقيعات من شاكين من دواوير متعدّدة، يقول أصحابها إنهم أقصوا من الدعم.

"فقدتُ 37 فرداً من عائلتي، بينهم أعمامي وأجدادي وأطفال صغار. أثناء عملية الإحصاء رأيت كيف كانت تُجرى تحت الأشجار دون زيارة المنازل المهدّمة (...) صحيح أن بعض الناس استفادوا، لكن عددهم قليل جداً. فحتى الدواوير التي دُمّرت بالكامل، مثل دوار والديّ، لم تتلقَّ سوى دعم الترميم، بينما حُرم كثيرون…"

5 آلاف و732 أسرة فقط استفادت من الدعم الكلي لإعادة بناء منازل مهدمة بالكامل بقيمة 140 ألف درهم (15,5 ألف دولار أمريكي)، بينما حصلت 51 ألفاً و938 أسرة على دعمٍ لإصلاح الأضرار الجزئية بقيمة 80 ألف درهم (8,8 آلاف دولار أمريكي) فقط. علماً أن الوزير المنتدب لدى وزير المالية قال إن 20 ألفاً من المنازل تقريباً انهارت بالكامل.

توقيعات بعض الشاكين

الغوص في تفاصيل الأرقام الرسمية، تحديداً الفارق الكبير بين عدد المستفيدين من دعم الإصلاح وعدد من حصلوا على دعم إعادة البناء الكامل، يثير أسئلةً عن معايير تحديد "الضرر الجزئي" و"الضرر الكلي"، ومدى شفافيتها.
من بين نحو 19,096 منزلاً انهارت كلياً بفعل الزلزال، لم تستفد من الدعم الكامل المخصّص لإعادة البناء، والمحدّد بـ140 ألف درهم، سوى 5661 مسكناً فقط. هذا يعني أن 13,359 منزلاً ( نحو 60 ألف شخص)، رغم انهيارها الكامل، لم تحصل على التعويض الذي يفترض أن يُمنح لها. وبحساب النسب، يتبيّن أن قرابة 69.95% من المساكن المنهارة كلياً أُقصيت من الدعم الكامل، أي إن نحو 7 من كل 10 منازل مدمّرة حصلت على دعم جزئي لا يتناسب مع حجم الخسارة.

ورفع سكان الحوز خلال إحدى وقفاتهم الاحتجاجية، لافتةً دوّن عليها: "استفاد معظم سكان دوار تنزاظ المتضررين من الزلزال بالترميم والإصلاح فقط بمبلغ 80 ألف درهم (8,8 آلاف دولار) وأعطيت لهم تصاميم ورخصة البناء بالإضافة إلى الهدم. فكيف لهذه المعادلة أن تنجح مع العلم أن الطريق المؤدية إلى الدوار جد صعبة ولا يمكن لشاحنة كبيرة المرور عبرها".

وتتكرّر قصص المستفيدين من الدعم الذين تركوا يواجهون مصائرهم، فيما سقط بعضهم في فخاخ الابتزاز والاحتيال، واضطر كثيرون إلى الاقتراض لإتمام البناء.

في دوار العرب جماعة أسني، التقينا السيدة حدية المنيعي التي تعيش مأساة بعد أن فُقد جزء مهم من التعويض إثر تعرّضها للنصب من مقاول. "تعرَّض منزلي للانهيار الكلي، ولم أحصل إلا على 80 ألف درهم (نحو 8،8 آلاف دولار) كتعويض، فقرّرنا بناء سكن جديد، لكننا تعرَّضنا للنصب من مقاول… دفعنا له 20 ألف درهم (نحو 2,2 ألفي دولار)، لكنه اختفى وتركنا نواجه مصيرنا، وقدّمنا شكوى ضده، والآن ننتظر الحكم بعد اعتقاله"، تقول السيدة حدية لرصيف22. صدر حكم في المقاول في هذه القضية في كانون الثاني/ يناير 2025، لكن السيدة حدية لم تكن تعلم بذلك حين أجرينا الحوار معها.

وأصدرت الغرفة الجنحية التلبسية بالمحكمة الابتدائية حكماً تأديبياً في حق المقاول المتهم (أ.ج)، مع تشديد العقوبة إلى سنتين ونصف سنة حبساً، في مواجهة عدد من الضحايا من بينهم ل.ج، أ.ف، ب.م، ل.ح، أ.م وآخرون.

ووفق تقرير مندوبية التخطيط، نحو ثلث المنازل يتجاوز عمرها 50 عاماً، وأكثر من نصف السكان يعيشون في مساكن تقليدية مبنية بالطين أو الحجارة المربوطة بالطين، وغالباً بأسقف من الخشب والعشب. كما أن الخدمات الأساسية محدودة، فقط 24% من الأسر مرتبطة بشبكة الصرف الصحي، وأكثر من نصف المساكن تفتقر إلى مرافق استحمام، وواحد من كل خمسة مساكن بدون ماءٍ جارٍ. وتزيد العزلة الجغرافية من معاناة السكان الذين يضطرون إلى قطع 5.9 كيلومترات في المتوسط للوصول إلى طريق معبَّدة.

للدفاع عن حصيلته، يؤكد بيان رئيس الحكومة، أخنوش، أنه لم يتبقَّ إلا 47 خيمة، لكننا تحصّلنا على العديد من المقاطع المصوّرة التي ترصد أكثر من 50 خيمة في دوار واحد فقط. وتكشف الصور التي التقطناها في دواوير عدة أن واقع المنازل المؤقتة والخيام لا يزال قائماً، وهناك كذلك "الغرف المتنقلة" الموجودة على نطاق واسع. كما أخبرنا أحد المتضرِّرين أن هناك عشرات الخيم لا تزال قائمة في دوار أغبار.


"تركز الحكومة والمسؤولون على تبرير النقص بدلاً من الاعتراف به، وهما يحمّلان المواطنين مسؤولية الفشل بحجج غير صحيحة بدلاً من تحمل مسؤوليتهم الفعلية، ويقدمان إحصائيات مزيفة بعيدة من الواقع - كالتصريح بوجود 47 خيمة فقط بينما الفيديوهات الموثقة تثبت وجود مئات الخيام في الدواوير"، يقول محمد الديش لرصيف22.

ماذا بعد؟

في القرى الجبلية المنسية، تتراكم خيبات السكان مثل الغبار على الأنقاض، نظموا العديد من الوقفات والندوات للاحتجاج على وضعهم، لكن صوت الكثير منهم خفت بعد محاكمة منسقهم، عوضاً من الاستماع إلى شكاويهم والاستجابة لمطالبهم.

في 22 كانون الأول/ ديسمبر 2024، اعتقل سعيد أيت مهدي، الشاب الذي كان ينشط كمنسق في تنسيقية المتضررين من زلزال الحوز، من دوار تدقالت بجماعة إغيل، بعدما عبّر عن غضبه من تجاهل الحكومة لمطالبهم، وأودِع السجن المحلي بمراكش. وبعد أسابيع من المتابعة في حال اعتقال، شدّدت محكمة الاستئناف الحكم عليه في 4 آذار/ مارس 2025 إلى عام حبساً نافذاً. وخرج بعد قضاء المدة.

منتصر إثري هو أيضاً أحد المتضررين من زلزال الحوز ، طالب بإطلاق سراحه بالإضافة إلى منظمات أخرى من المجتمع المدني التي تسانده. يقول منتصر لرصيف22 إنه حُرِم أيضاً من التعويضات الخاصة بإعادة الإعمار بحجة أنه غير مقيم، رغم أن منزله تدمر كلياً. لم يتلقَّ أي وثيقة رسمية تشرح سبب الرفض رغم تقديمه كل الوثائق المطلوبة دون أي رد رسمي. "هناك أرامل وعائلات تقطن في تلك المناطق منذ القدم ولم تتلقَّ التعويضات، رغم أنهم تقدموا بشكاوى وملتمسات أمام اللجان المختصة"، يُردف منتصر.

في غضون ذلك، وبعد مطالباته المتكررة بالتعويض، أصدر منتصر كتابه المعنون "الصدمة'' الذي يحكي فيه "يوميات زلزال الحوز " كما عاشها، ويقول لرصيف22 إن الكتاب هو "توثيق لتجربة شخصية وجماعية عاشها أبناء القرى المنكوبة، حتى لا تُطمس التفاصيل ولا تُنسى المعاناة... هذا العمل ليس مجرد سرد لأحداث، بل محاولة لمنح الألم معنى ولتسجيل ما عاشه الناس من قسوة وصمود من أجل أن يبقى حاضراً في الوعي الجماعي".

صورة من حفل توقيع الكتاب في المغرب

حق الرد

راسل رصيف22 الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني ومركز الاتصال والمواكبة لطلب التعليق على عدد من الادعاءات الواردة في التحقيق ولم نتلقَّ رداً حتى نشر التحقيق. ولم يتسنَّ لنا الوصول إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، فاطمة الزهراء المنصوري لطلب الرد على الادعاءات المتصلة بعمل الوزارة.

أما وكالة تنمية الأطلس الكبير، فجاء ردها كما هو موضّح أدناه.

إلى ذلك، لم يكن أحد من السكان المحليين يتوقَّع أن تنهار عليهم جدران بيوتهم، خصوصاً في منطقة عُرفت تاريخياً بانخفاض نشاطها الزلزالي منذ عام 1900. هكذا تبدأ رحلة الأهالي القاسية نحو البحث عن الإنصاف.

وخلال العمل على هذا التحقيق، توفي مواطن من دوار العرب، في إقليم الحوز داخل خيمة بلاستيكية، تحديداً مساء الثلثاء 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. ودانت المحكمة الابتدائية بتارودانت، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، عبد الرحيم أوفقير، الذي احتجّ على إزالة خيمته، بشهر حبساً نافذاً وغرامة مالية. واشتكى عدد من المنكوبين من دخول الأمطار إلى خيامهم، وعانى سكّان في بيوت مؤقتة من الثلج والبرد، وقرر قائد الإقليم إزالة خيمة منتصر إثري.

*سعر الصرف (1 درهم يعادل 0.11 دولار أمريكي تقريباً).

أُنتج هذا التحقيق بدعم من منظمة Civil Rights Defenders.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image