*تم تحديث النص بعد ساعات قليلة من النشر لإضافة رد إحدى الجهات الأساسية المعنية بالادعاءات الواردة في التحقيق.
في منزل بسيط في قرية البتران (جنوبي العراق)، تجلس زينب رائد (12 عاماً) فيما ساقها اليمنى المبتورة تتدلّى وقد ألبستها أسرتها زجاجة بلاستيكية لعجزها عن تأمين ساق اصطناعية. يقول والدها صاحب الـ62 عاماً، لرصيف22: "أصيبت زينب في انفجار لغم أرضي في أثناء ذهابها إلى المدرسة في عام 2024، فقدت على إثره بصرها وساقها اليمنى".
أشد ما يؤلم زينب وأسرتها أنها تحب المدرسة بشدة فيما باتت غير قادرة على مواصلة تعليمها أو مغادرة منزلها بمفردها، وانهارت أحلامها بخسارة ساقها وبصرها في الانفجار الذي يلوم والدها عليه "الإهمال الحكومي".
والد زينب متحدّثاً عن معاناتها.
الكثير من العراقيين مهدّدون بالمصير عينه بسبب الألغام ومخلفات الحروب التي فشلت الحكومات المتعاقبة في إيجاد حلول جذرية لها على أقل تقدير تلك الموجودة في أماكن مأهولة أو أراضٍ زراعية. ففي أحد أيام أيار/ مايو 2022، وبينما عدد من الأسر العراقية البسيطة تقضي وقتها في متنزه السيبة الترفيهي، أعاق جسم غريب لعب مجموعة من الأطفال فاستعانوا بعامل البلدية لإبعاده. بادر العامل البسيط بمحاولة إزالته لكن الجسم الغريب ما لبث أن انفجر فيه إذ تبيّن أنه لغم، مختطفاً ساقه اليسرى. في العام نفسه، قُتل أيضاً عاملان في دائرة الأمم المتحدة المتعلقة بالألغام وأصيب ثالث في حادث بموقع إزالة الألغام.
يقع متنزه السيبة قرب ساحل شط العرب، مقابل مدينة عبادان الإيرانية، ويبعد عن مركز مدينة البصرة نحو 60 كلم. كانت هذه المنطقة في السابق واحدة من أكثر غابات النخيل الفاخر كثافة في العالم، لكن الحرب العراقية - الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين، والسنوات التي تلتها قضت على هذا المشهد.
مطلع كانون الثاني/ يناير 2022، انفجر لغم أرضي في صحراء الرميلة الشمالية في مجموعة من الشباب أثناء التنزّه في المكان. قضى ستة عراقيين في الحادث، وأصيب 7 آخرون. وفي نيسان/ أبريل 2022، وبالتزامن مع حادثة المتنزه، كشفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن 8.5 ملايين عراقي يعيشون وسط الألغام والمخلفات الحربية المميتة غير المنفلقة. وبحسب تقرير اللجنة الدولية في 2025، تواصل هذه المخلفات الحربية المميتة حصد أرواح الناس وتتسبّب بالإصابات الكارثية. وقد أُبلغ عن مقتل وإصابة ما مجموعه 78 ضحية بين عامي 2023 و2024. كما فقد ثلاثة طلاب حياتهم في انفجار مخلَّف حربي في قضاء أبي الخصيب في البصرة، مطلع العام 2025.
وتفيد دائرة شؤون الألغام في العراق بأن المساحات الملوَّثة بالألغام والقذائف في المحافظات الوسطى والجنوبية والغربية من العراق تناهز 1500 كم2، تحتل الصدارة فيها البصرة بنسبة 46%، ثم تأتي محافظة ميسان ثانيةً بنسبة 14%. علماً أن الدائرة كانت قد أعلنت، في أيار/ مايو 2025، عن مبادرة لتطهير 200 كم2 في محافظة البصرة.
في هذا التحقيق، يسعى رصيف22 إلى تتبّع هذا الملف الشائك الذي تشير تقارير متواترة إلى شبهات فساد وإهمال تَلُفَّه، فيما نكشف عن اثنين من أخطر الأسباب التي ربما تسهم في استدامة الأزمة وتعرقل حلّها وهما "المناقلة" و"الانتقائية في التطهير"، مع تسليط الضوء على محنة واحدة من القرى العراقية التي طبعت الألغام ومخلفات الحروب واقعها حتى باتت آثارها تلتصق بتسميتها، وهي قرية "البتران".
"طرقنا الأبواب دون جدوى"... تحقيق استقصائي يتتبّع الملف الشائك لاستمرار تلوّث مساحات واسعة من الأراضي العراقية بالألغام ومخلّفات الحروب، ويكشف عن اثنين من أخطر أسباب استدامة الأزمة وعرقلة حلّها وهما: "المناقلة" و"الانتقائية في التطهير"
من يزيل الألغام؟
منذ عام 2012، تعمل ثلاث جهات رئيسية على تطهير الألغام في العراق، تتوزّع بين الجهد الحكومي المتمثّل في وزارة الدفاع، وفرق الإسناد الهندسي والدفاع المدني التابعة لوزارة الداخلية، ثم التحقت بها فرق الحشد الشعبي، مروراً بالمنظمات الدولية الأجنبية والمحلية التي تعتمد على المنح الدولية، ويبلغ عددها أكثر من 50 منظمة، وأخيراً الشركات التجارية، وذلك وفق ما يقوله مدير المركز الإقليمي الجنوبي لشؤون الألغام، نبراس التميمي، لرصيف22.
ويقول المرصد العراقي لحقوق الإنسان (IOHR)، وهو منظمة غير حكومية تُعنى برصد انتهاكات حقوق الإنسان في العراق، إن السلطات العراقية تلقَّت، منذ عام 2014، مئات الملايين من الدولارات كمساعدات من دول ومنظمات عالمية لصرفها ضمن جهود إزالة الألغام والمتفجرات. ويعتقد المرصد أن هذا الدعم تقلّص لأسباب من بينها شكوك المانحين في عدم ذهاب تلك الأموال في الوجهة المحدّدة لها نتيجة "الفساد" الحكومي في العراق. تواصل رصيف22 مع المرصد الذي أوضح أن حديثه يستند إلى تحليل مبني على مقابلات مع موظفين في منظمات دولية، ومعطيات أخرى، دون مزيد من الإيضاح. ولم ترد دائرة شؤون الألغام في وزارة البيئة العراقية على طلب الرد على هذا الادعاء أو الادعاءات الأخرى الواردة في التحقيق حتى تاريخ النشر.
أما نبراس التميمي، فيؤكد انخفاض عمل المنظّمات في مجال إزالة الألغام، مستدركاً بأن "تقليص الدعم المالي من الجهات الدولية المانحة أدّى إلى تعليق عمل العديد من المنظمات، فيما تواصل بعض المنظمات الدولية والمحلية عملها رغم قلة التمويل".
كذلك، تحدّث برلمانيون عراقيون عن "فساد" و"سرقات" في إدارة ملف الدعم الدولي والمخصّصات المالية لإزالة الألغام ومخلّفات الحروب. فدعا البرلماني السابق والأمين العام لحركة "كفى"، رحيم الدراجي، في نهاية عام 2022، الحكومة العراقية إلى تقديم إحصائيات مفصَّلة من وزارة النفط حول حجم الأموال التي "سُرقت" تحت عنوان الغرامات التأخيرية الناتجة من عدم تسليم الأراضي الخالية من الألغام والقذائف غير المنفلقة إلى الشركات النفطية المشتركة في جولات التراخيص والمسؤولة عنها دائرة شؤون الألغام في وزارة البيئة.
وأوضح الدراجي أن قيمة هذه الغرامات تراوح بحسب العقود المبرمة بين 50 ألف دولار ونصف مليون دولار يومياً، وقد بلغت الغرامات لشركتين فقط ملياراً ومئتي مليون دولار في سنةٍ واحدة. تُفرض الغرامات المالية من وزارة النفط العراقية عند تأخر تسليم الأراضي المخصَّصة للشركات النفطية ضمن جولات التراخيص، لأن هذه الأراضي لم يتم تنظيفها من الألغام والمقذوفات غير المنفلقة في الوقت المحدد، حيث يتطلَّب عمل الشركات النفطية أراضي آمنة وخالية من الألغام. فإذا ما تأخرت الجهات المسؤولة في تنظيف هذه الأراضي وتسليمها جاهزة، تتحمّل غرامات تأخيرية لأنها تُعطّل عمل الشركات النفطية وتؤخِّر تنفيذ العقود.
وأشار الدراجي أيضاً إلى الفساد الذي يشوب عقود رفع الألغام على حساب المواطن العراقي. تواصلنا مع النائب السابق للحصول على مزيد من التوضيحات حول ما لديه من أدلة على ما أفاد به لكنه لم يجب عن تساؤلاتنا.
واتهمت النائبة عالية نصيف أيضاً مدير عام سابق لدائرة شؤون الألغام بالتورّط في "عشرات ملفات الفساد"، لافتةً إلى "وجود أطراف سياسيين فاسدين يتلاعبون بأرواح العراقيين وأموالهم من وراء الكواليس ويوفرون الحماية" لهذا المدير.
لم تقتصر الانتقادات لعمل المنظمات في ملف إزالة الألغام على مناطق جنوب البلاد حيث طالب القيادي في تحالف الأنبار، عبد الله الجغيفي، في عام 2023، الجهات المعنية بفتح ملفات فساد شركة أجنبية مختصّة في مجال إزالة الألغام في الأنبار (غربي العراق)، مؤكداً أن "الشركة النرويجية لم تنجز مهامها رغم وجودها لست سنوات في الأنبار لوجود جهات متنفِّذة تمنع من محاسبة تلك الشركة أو التأثير عليها"، وأن "كادر الشركة قليل ولا يتناسب مع حجم الكميات الهائلة من المخلفات الحربية غير المنفلقة في صحراء الأنبار الغربية".
وأوضح أيضاً: "آلية عمل الشركة المعنية يشوبها عمليات فساد مالي وعلى الجهات المعنية فتح ملفات الفساد في عمل هذه الشركة التي تسببت في مقتل وإصابة عدد من منتسبي الجيش والشرطة والحشد الشعبي في أثناء تنفيذ واجبات أمنية" في المنطقة.
السلطة: غياب الخرائط وضعف التمويل يعرقلان الحل
وعن أسباب تأزّم هذا الملف، ذكر مدير إعلام دائرة شؤون الألغام التابعة لوزارة البيئة العراقية، مصطفى حميد مجيد، في نهاية شباط/ فبراير 2025، في مقابلة صحافية، أن فقدان الخرائط المتعلقة بحقول الألغام التي زُرعت، إبان الحرب الإيرانية - العراقية، يمثّل عقبة وتحدياً كبيرين أمام أعمال الإزالة، مستدركاً بأن "هذه الخرائط كانت محفوظة لدى وزارة الدفاع قبل عام 2003" حيث جاء الغزو الأمريكي للعراق وصدر قرار بحل الجيش العراقي وفقدت هذه الخرائط.
الأمر نفسه أكد عليه مستشار وزارة البيئة العراقية، جمال عطا، في تموز/ يوليو 2025. هذه الخرائط أُتلفت أو اندثرت في أثناء العمليات العسكرية للقوات الأمريكية، الأمر الذي يزيد من تعقيد مهمة الكشف عن المناطق الملوّثة بالألغام الآن.
ومن بين الأسباب الأخرى التي اعتبرها مجيد "تحديات وعقبات" أمام برنامج إدارة شؤون الألغام في العراق "صعوبة تأمين التمويل وتأثيرات الحرب مع داعش الإرهابي والسيول والانجرافات التي تسببت في ما يسمى 'هجرة الألغام' وتحرّك حقول الألغام نتيجة لهذه السيول والانجرافات".
مع ذلك، أشاد مجيد بـ"جهود الدائرة والمنظمات الدولية والدول الصديقة" في إزالة المخلفات الحربية في بلاده. وتتفاوت التقديرات الرسمية حول نسبة التلوّث بالألغام في العراق سابقاً والآن. لكنها تشير إلى أنها كانت تزيد عن 6000 كم2 ثم أصبحت تزيد عن 2000 كم2. وبحسب وزارة البيئة العراقية، كانت المساحة الملوثة بالألغام في عموم العراق التي تم اكتشافها منذ عام 2003 تناهز 6600 كم2، ثم تقلّصت إلى 2080 كم² بحلول عام 2025.

وبحسب مجيد، فإن "نصف المساحات الملوثة بالألغام تقريباً موجودة في محافظة البصرة". ويحدّد مدير المركز الإقليمي الجنوبي لشؤون الألغام، نبراس التميمي، في حديثه إلى رصيف22، المساحات الملوَّثة بالألغام في البصرة بـ1.2 كم². في حين أن الجهد الخاص بعمليات الإزالة والتطهير يعتمد على فرق لا يتناسب عملها مع 10% من مساحة التلوث، بحسب تقدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة. والمفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق هي هيئة مستقلة تأسّست في عام 2008، ويرتبط عملها بمجلس النواب العراقي، وتعد حالياً وزارة العدل الجهة المخوّلة بإدارتها بشكل مؤقت.


هذا الوضع المتفاقم في البصرة دفع محافظها أسعد العيداني إلى مطالبة وزارة البيئة بتطهير قضاء شط العرب من المخلفات الحربية، بهدف إعادة النازحين إلى مناطقهم المتضررة بفعل الألغام، وتمكين استصلاح الأراضي الزراعية من جديد.
"المُناقلة"…
لكن، خلال عملنا على هذا التحقيق وجدنا أسباباً أخرى - غير تلك التي تقدّمها السلطات - ربما تؤدي دوراً في إدامة أزمة المخلّفات الحربية في العراق حيث تُبيّن الإحصائيات التي نوردها أدناه وجود خلل واضح. فمساحات الألغام تزداد في بعض المناطق رغم العمل على تطهيرها. وتعزو بعض مصادرنا ذلك إلى ما يُعرف بـ"المناقلة". و"المناقلة" هي عملية نقل الألغام من منطقة ملوَّثة إلى أخرى خالية من الألغام، أو قد تم تطهيرها سابقاً، من إحدى المنظمات التي يُفترض أن تقوم بالتطهير.
ويروي مصدر كان يعمل مشغّل ميكانيك في إحدى المنظمات الأجنبية الناشطة في قطاع إزالة الألغام، لرصيف22 مشترطاً عدم كشف هويته، أنه عقب حادثة متنزه السيبة وتطهير المكان، في شباط/ فبراير 2025، تأكَّد شخصياً "من خلال الرصد والمتابعة، من قيام العاملين في المنظمة بنقل ألغام من ناحية التنومة (جنوبي البصرة) وزرعها بجوار المتنزه مرة أخرى قبل فترة قريبة من وقوع الحادث". ويؤكد المصدر نفسه أن "هذه الألغام نُقلت بسيارة خاصة من التنومة لمسافة 70 كم، لتصل إلى ناحية السيبة التي تقع فيها قرية البتران"، موضحاً أن منظمته السابقة قامت بهذا "بهدف توسيع رقعة العمل لاستمرار الحصول على الدعم المالي، خصوصاً وأن المتنزه غير مراقب من القوات الأمنية، بسبب بُعده عن التجمعات السكانية". ويتحفّظ رصيف22 عن كشف اسم المنظمة حيث لم يتسنَّ لنا التحقق بشكل منفصل من صحة الأدلة التي قدّمها المصدر على حديثه.
ويضيف المصدر عينه أن "هذه لم تكن المرة الأولى، ففي بداية عملي مع المنظمة كنت أعمل على إزالة من خمس إلى ست قنابل عنقودية يومياً، وبعدها نبتعد ما يقارب خمسة كلم عن المكان. لكنني كنت ألاحظ بقاء العجلات (السيارات الناقلة للألغام) واقفة لساعات طويلة وهذا غير معتاد، إذ يجب أن تتحرّك وتنقل القنابل فوراً تحسّباً لأي طارئ. لكن عند العودة في اليوم التالي لإكمال أعمالنا، نجد أن عدد الألغام في الصندوق المؤمن قد تقلّص من خمسة إلى واحدة فقط، وبشكل مثير للريبة".
وعن أماكن التخزين التي تستخدمها المنظمة، يقول المصدر نفسه: "أحياناً، يقوم الناقلون بحفر حفرة لدفن القنابل العنقودية مع حفظ إحداثيات المكان ويسمونها بـ'المقبرة' وهي بمثابة مخزن للألغام يستخرجونها وقت الحاجة لزرعها في مكان آخر".
ويشير أيضاً إلى أنه شهد شخصياً قيام زملاء بزرع قنابل عنقودية في أراضٍ مُطهَّرة بالبصرة لتخريب عمل زملاء آخرين ووضعهم في موقف مُحرج أمام المديرين، مشدّداً "لا يتبع من يقومون بالمناقلة تعليمات الأمن والسلامة. ففي تموز/ يوليو 2025، احترقت عجلة تابعة للمنظمة عندما كان أحدهم يُحضِّر الطعام بالقرب منها. رغم ذلك، أُعلن لاحقاً أن الأمر كان مجرد حادث عرضي". تواصل رصيف22 مع المنظمة المقصودة، فردت بأن التحقيق القضائي في الحادث ما يزال قائماً بانتظار الحكم النهائي، وبأنها أجرت تحقيقاً داخلياً أفضى إلى "اتخاذ إجراءات لتحسين سلامة موظفيها".
ويستدرك المصدر: "منذ 2021 وحتى 2025، كنت ألاحظ موضوع مناقلة. كنت أرى وأسمع فسادهم وتفاخرهم في ما بينهم بنقل الألغام. كما أبلغنا المركز الإقليمي الجنوبي لشؤون الألغام عن سرقة ألغام من المنظمة، وقامت القوات الأمنية بالتحقيق في قضية السرقة، لكن من دون جدوى". ويشير المصدر إلى أنه تعرّض لـ"التهديد المستمر من إدارة المنظمة بعد اكتشافه عملية المناقلة، خوفاً من أن أفضحهم". ولم يتسنَّ لرصيف22 التحقّق بشكل منفصل من هذا الادعاء أيضاً. علماً أننا راسلنا المركز الإقليمي الجنوبي لمنحه حق الرد على ادعاء المصدر، فكان الجواب أدناه بعد انتهاء المدى الزمني الموضح للرد.

من جهته، يؤكد مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي، حدوث "المناقلة" في البصرة، شارحاً: "لدينا ملف المناقلة بالمساحات. أي أن تلوّث مناطق نظيفة للحصول على مزيد من التمويل من المانحين… أغلب الشركات التي عملت في إزالة الألغام، تنقل الألغام، وتتركها وتلتقط الصور لها حتى يعرف المانح أن لديهم مناطق ملوّثة ويقدّم لهم مزيداً من الأموال".
ويوضح مهدي أنه رغم وجود مناطق شاسعة ملوثة بالفعل، تعمد بعض الشركات إلى "المناقلة" حتى "مرات لقرب المسافة، لاختصار الوقت حيث تعمل في منطقة واحدة…"، موجهاً اللوم في "ظاهرة المناقلة" التي تحدّث عنها إلى "ضعف الرقابة الحكومية". تحفّظ مهدي على مشاركتنا الأدلة على ما قاله بداعي "حماية الشهود".
ويضرب مهدي مثالاً للمنظمات، التي تقوم بـ"المناقلة"، بمنظمة المساعدات الشعبية النرويجية (NPA)، ويضيف أنها تُهدر وقتاً طويلاً في تطهير مساحات لا تتطلَّب هذا الوقت، أيضاً للحصول على مزيد من أموال المانحين. وهو ما خاطب بشأنه مكتب المفوضية في البصرة مجلس محافظة البصرة في نهاية آب/ أغسطس 2025.

حصلت منظمة المساعدات الشعبية النرويجية NPA على تراخيص من دائرة شؤون الألغام في العراق في عام 2022 بعد استيفائها متطلبات التفويض التي تتضمّن تقديم إجراءات العمل القياسية، ودفع الرسوم المالية، ووجود كادر مدرَّب على الإزالة تحت الماء، وتوفير المعدّات اللازمة، وإجراء مظاهرة عملية للعمليات، كما أوكلت لها مهمة إزالة الألغام في المنطقة الجنوبية ومنها قضاء شط العرب.
وتعمل منظمة NPA في أكثر من 30 دولة حول العالم منها العراق، حتى "أصبحت الأكثر عملاً في البصرة"، بحسب مدير مفوضية حقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي.
بعد منحها حق الرد على ما تقدّم، أخبرتنا المنظمة الأم بأنها تعمل في العراق منذ عام 1995، وفي جنوب العراق منذ عام 2010، لافتةً إلى أنها "المنظمة غير الحكومية الدولية الوحيدة التي تدعم الحكومة العراقية في مواجهة تحديات التلوث بالألغام ومخلفات الحروب في جنوب العراق حالياً".
وبشأن الحديث عن تورّط عاملين في المنظمة في "المناقلة"، أكدت منظمة NPA، لرصيف22، عدم تسجيل أي شكوى رسمية لدى المركز الإقليمي الجنوبي في هذا الشأن، مبرزةً أنها تأخذ هذا الادعاء "على محمل الجد" وستلتزم بإجراء "تحقيق شامل" في حال تقديم "الأدلة الموثوقة" عليه. وبشأن مخاطبة مكتب البصرة في المفوضية العليا لحقوق الإنسان، قالت المنظمة إنها راسلته وبانتظار ما لديهم من أدلة للتحقيق في الأمر داخلياً، وفق سياساتها.
وبالعودة إلى المصدر الذي عمل سلفاً في إحدى المنظمات الناشطة في مجال إزالة الألغام بالعراق، فهو يشدّد على أن طريقة نقل القنابل العنقودية بالعجلات قد تقتل الناقل في أي لحظة. ويتابع بأن المنظمة التي ترك العمل بها قبل شهور "تفرض على الموظفين المحليين مساحة 12كم2 لتطهيرها وهي مساحة كبيرة بالنسبة إلى عدد الألغام المكتشفة. وهنا يبرز دور 'المناقلة' لتوسيع العمل والحصول على منحة".
ما ذكره المصدر يتوافق مع تصريح النائب السابق، رحيم الدراجي، الذي تحدث في مقابلة تلفزيونية عن الفساد في ملف عقود إزالة الألغام. رداً على سؤاله عن أسباب وقوع حوادث في مناطق سبق تسليمها على أنها مطهَّرة وخالية من الألغام، قال الدراجي: "بعض المسؤولين في بعض الوزارات يتعاقدون مع شركات بين شهر وشهر، بمبالغ تصل إلى 60 مليون دولار، ويمنحونها مساحات من الأراضي لتطهيرها، إلا أن هذه الشركات تزرع الألغام بنفسها ثم تصوّرها وتعلن عن أنها ستقوم بتطهيرها. ولأن المسؤول فاسد والشركة فاسدة، مقابل عقد بـ60 مليون دولار، فلا تهم سلامة المواطن العراقي".
انتقائية في التطهير
أمر آخر يشير إليه مدير مفوضية حقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي، وهو وجود مساحات ملوَّثة كثيرة قرب مساكن المواطنين ومزارعهم، غربي وجنوب غربي وشمال غربي البصرة. وغالباً ما يُبلغ هؤلاء المواطنين المنظمات والشركات العاملة عن وجود هذه المقذوفات طلباً للمساعدة وإزالتها حتى يتمكنوا من ممارسة حياتهم وأشغالهم بأمان.
ويضيف مهدي: "لدينا معلومات تؤكد أن الجهات المخوَّلة بالمسح والإزالة لا تقوم برفع هذه المخلفات لوجود انتقائية في مسح المناطق القريبة من نزل المواطنين وترك مناطق ملوَّثة أخرى رغم كثرة البلاغات بشأنها، وهي: أرطاوي، والرميلة الشمالية والرميلة الجنوبية، والحدود الملاصقة لقضاء سفوان (قرب الحدود الكويتية)"، معتبراً أن "المنظمات والشركات العاملة (في قطاع إزالة الألغام) وخصوصاً المنظمة النرويجية" المذكورة آنفاً، تعمل بانتقائية وتختار المساحات الأقرب من نزل المواطنين، لكونها الأكثر حيوية التي تجلب المزيد من الدعم المادي من الجهات المانحة.
وينبّه التميمي إلى أن هذه الانتقائية الخطيرة تتسبّب بالحوادث المُتكررة للعوائل، خصوصاً الشريحة الشابة والأطفال والنساء، التي تتنزَّه في فصل الربيع داخل مناطق ملوَّثة، مما يؤدّي إلى زيادة الضحايا بشكل مستمر، مشدّداً على أن "ملف مجلس المحافظة بحاجة إلى متابعة جادة، كما أن لجنة مساعدة الضحايا لا تزال محدودة الفاعلية، رغم وجود تعاون مع بعض الشركات البريطانية".
تتولّى لجنة مساعدة الضحايا مهمة تقديم الدعم والمساندة لضحايا الألغام والمخلفات الحربية والعمليات العسكرية والإرهابية، وذلك من خلال التنسيق والإشراف والمتابعة لأعمال الجهات الحكومية وغير الحكومية ذات العلاقة.
ورداً على اتهامها بـ"الانتقائية"، أوضحت المنظمة النرويجية، لرصيف22، أن توزيع المهام بشأن أولوية تنظيف المناطق الملوّثة تقع على عاتق دائرة شؤون الألغام في العراق، والتي تفوّض المركز الإقليمي الجنوبي بهذه المسؤولية أحياناً، مشدّدةً على أن مسؤوليتها تتلخّص في "إجراء أنشطة المسح والتطهير بدقة"، وفق توجيهات الجهة المسؤولة.
بالعودة إلى المصدر الذي كان يعمل في إحدى منظمات إزالة الألغام، فإنه يتحدّث عن عدم وضوح المعايير وغياب خطة عمل احترافية، ويروي أنه مثلاً خلال عمل فريق منظمته السابقة في منطقة الرميلة الجنوبية، وفي المزارع تحديداً، عندما كان يصل تبليغ ويلتقون الفلاحين الذين يطلقون على اللغم اسم "لقمة"، ويطلبون منهم إزالة الألغام من أراضيهم ليتمكّنوا من زراعتها، لكن لم تكن تُزال من دون سبب واضح، وذلك في إشارة إلى تجاهل المنظمة لمناشدات الفلاحين واختيار مناطق بعينها لتطهيرها بما يتناسب ومصلحة المنظمة.
أفخاخ الموت تُحاصر "البتران"
في البتران، للألغام ومخلَّفات الحروب قصة أكثر ألماً حتى أنها تركت بصمتها على اسم القرية الذي تغيّر من التسمية الرسمية - "جرف الملح" - إلى "قرية البتران" أي مبتوري الأطراف. تسببت حوادث الانفجار المتكرّرة أيضاً في انخفاض عدد سكان القرية - التي تبلغ مساحتها نحو 2.5 كم2، بشكل ملحوظ. علماً أن المئات من أهلها كانوا قد نزحوا هرباً من كابوس الألغام بعدما كان قد نزح الكثيرون عام 1982 مع اشتداد الحرب العراقية - الإيرانية، ولم يبقَ في "البتران" سوى عدد قليل من الأهالي، كما يقول مختار القرية جعفر محمد (69 عاماً) لرصيف22.
لمّا كانت البتران تقع على خطوط التماس العراقية - الإيرانية، كانت أرضها هدفاً لزراعة الألغام التي تلوّث مساحة 4.5 كم2 من قضاء شط العرب الذي يضمّ القرية. لدى دخولنا سوق القرية، كانت نسبة الإعاقات والإصابات المزمنة جليّة، فالعديد من الباعة يعملون وهم جالسين على كراسٍ متحركة، وعدد من المتسوقين يتجوّلون بين المحال التجارية بمساعدة العكازات.
يضيف المختار جعفر أن الألغام تنتشر بين بيوت القرية كأشواك خفيّة في قلب الأرض، وقد غدت مشهداً مألوفاً لأهلها إذ يلعب الأطفال بينها ببراءة لا تعرف الخوف كأنهم كبروا على حافة الخطر وألفوا الموت الكامن تحت أقدامهم.
لم تحصد الألغام أرواح أهالي القرية وأجسادهم فقط بل يقول المختار جعفر إن "البساتين كانت تغطّي البتران. لكن الألغام أدّت إلى تجريف الأراضي الزراعية ونزوح المئات بالإضافة إلى تدهور حياة الذين فقدوا أطرافهم في ظل عدم حصولهم على فرص عمل، مما خلّف ظروفاً معيشية صعبة انعكست على هذه البقعة".
أحد هؤلاء الذين قُلبت حياتهم رأساً على عقب هو كرار حيدر (21 عاماً)، الذي فقد ساقه إثر انفجار لغم أرضي أثناء توجهه إلى منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران الذي يبعد عن مركز مدينة البصرة نحو 30 كم، في آب/ أغسطس 2023، حين كان في طريقه إلى العمل. لامست قدمه لغماً أرضياً قبل أن يفيق وقد فقد ساقه اليسرى".

يروي لرصيف22: "من يزور منفذ الشلامجة الحدودي يستطيع مشاهدة الألغام بوضوح. كذلك الحال في قضاء شط العرب، حيث لا تزال هذه المناطق تعاني من وجود مخلفات حربية"، منتقداً عدم وجود تحرّك جاد لإزالتها، سواء من الجهات الحكومية أو منظمات نزع الألغام العاملة في المنطقة. الأخطر من ذلك أن كرار يحذّر من المخاطر التي يواجهها السكان عند التنقّل على الطرق والأراضي القريبة من المنافذ الحدودية، حيث تهدّد الألغام المزروعة حياتهم، أحياناً في غياب إشارات التحذير أو لافتات تنذر بالخطر رغم وجود أكثر من منظمة وشركة تعمل على إزالة الألغام في المناطق الحدودية بمساعدة دائرة شؤون الألغام.
فيديو يوثّق وجود ألغام بدون إشارات تحذيرية.
يؤكد مختار البتران ما يقوله كرار، مستطرداً "سابقاً، كانت هناك لوحات إرشادية في المنطقة. لكن المنظمات العاملة في إزالة الألغام أزالتها"، دون توضيح أسباب ذلك. ويشرح أن هذه المنظمات، بدلاً من تعزيز إجراءات السلامة بوضع إشارات تحذيرية جديدة أو تنفيذ حملات توعية حول مخاطر الاقتراب من مواقع الألغام، أزالت العلامات القائمة، مما ترك الأهالي دون إرشادات واضحة للوقاية من الخطر في أثناء التنقّل.
سيف السلمي (36 عاماً) أحد سكان البتران الذين تحدّثوا إلينا خلال زيارتنا القرية. يقول لرصيف22: "لا علامات توضح أن هذه المنطقة فيها ألغام أو ما شابه. أحياناً فقط قد يحيطون موضع انفجار اللغم مثلاً"، مشيراً إلى أن أحد معارفه قُتل حديثاً في انفجار لغم لغياب هذه الإشارات التحذيرية.
نساء وفتيات البتران… ضحايا صامتات قسراً
فضلاً عن الإعاقات الدائمة، تتضح من خلال زيارتنا الميدانية لقرية البتران ما تعانيه الفتيات والنساء المعوقات إثر الحوادث المتصلة بالألغام والمخلَّفات الحربية من تمييز وعنف ملحوظين مقارنةً بالرجال ضحايا هذه الحوادث، بما في ذلك من حيث فرص العمل والحق في الزواج والإنجاب.
تغالب زينب حميد، التي تناهز 18 ربيعاً، دموعها وهي تروي لرصيف22، كيف تبدّلت حياتها "في لحظة" فقدت فيها بصرها ووالدتها، كما أُصيب شقيقها بإعاقة دائمة إثر انفجار لغم أرضي قرب منزل العائلة في البتران، في 9 آذار/ مارس 2020.
زينب حميد متحدّثةً عن أحلامها.
غادرت زينب مقعدها الدراسي في الصف الخامس الابتدائي، مضطرةً، ولم يكن لضعف مستواها التعليمي بل بسبب قسوة الفقر التي دفعتها إلى مؤازرة والدتها في قِطاف الحشائش البرية وبيعها طلباً للرزق. يقول والدها حميد جابر (69 عاماً) لرصيف22: "طرقنا أبواب الأطباء في العراق دون جدوى وكل ما أرجوه اليوم أن تستعيد زينب بصرها ولو حتى بصيصاً منه. لكن ما يفصلنا عن ذلك مبالغ لا طاقة لنا بها".
تشكو زينب أيضاً من أن الرعاية الصحية معدومة في القرية، وأن النساء ذوات الإعاقة يواجهن صعوبة في التنقّل بحرية، لا سيّما ليلاً، للوصول إلى الخدمات الصحية أو تلقي الرعاية الطبية اللازمة، مقارنة بالرجال. هذه المشكلة ترتبط بالأمن الشخصي بسبب القلق على سلامتهن من الاعتداءات والمضايقات، إضافة إلى عدم توافر وسائل نقل تناسب احتياجاتهن.
وتضيف زينب لرصيف22: "حتى أبسط مقوّمات العيش غير متوافرة، من دواء وطعام وخدمات صحية، لا نجدها. والمرضى من النساء تحديداً ينتظرن أياماً، والمستشفيات وهي بعيدة من القرية تعجز عن تلبية احتياجاتهن، وكأن البؤس صار جزءاً من حياتهن".
مختار قرية البتران يشير أيضاً إلى أن القرية تفتقر إلى مراكز صحية قادرة على تلبية احتياجات ذوي الإعاقة بمن فيهم النساء، مستدركاً "عندنا نساء هواي (كثيرات) تضررت، عندنا ناس ماتت، عندنا واحدة ميتة، عندنا هاي مثل زهرة فقدت نظرها، وعندنا مثل شيماء بتروا رجليها اثنيناتهم… عندنا هواي نساء تضررت".
ويشرح أن الخدمات الصحية المتخصّصة المتوافرة تقتصر على منطقة العشار في مركز المدينة، والتي تبعد عن البتران بحدود 35 إلى 45 كلم، وهي مسافة كبيرة تفرض تحديات إضافية على ذوي الإعاقة بالقرية لا سيما النساء إذا ما وضعنا في الاعتبار القيود الاجتماعية والاقتصادية على حركتهن حتى لطلب العلاج.
"النساء ذوات الإعاقة يواجهن تمييزاً مضاعفاً، إذ يُنظر إليهن بعين الانتقاص مرتين: مرة لأنهن نساء، ومرة أخرى بسبب إعاقتهن"... تحقيق استقصائي يسلّط الضوء على كيف تفاقم الأفكار النمطية معاناة النساء ذوات الإعاقة جراء انفجار الألغام ومخلفات الحروب في قرية البتران العراقية
في القرية أيضاً، قابلنا زهرة (49 عاماً) وقد فقدت بصرها في انفجار لغم أرضي أثناء جني محصولها الزراعي. تروي زهرة لرصيف22: "أفقت بعد فقدان الوعي لمدة ثلاثة أيام على أصوات غريبة، اكتشفت حينها أنها أصوات الأطباء ورجال الشرطة".
وقع الحادث عند أطراف البتران عام 1997، كان عمر زهرة آنذاك 20 ربيعاً. وتوضح: "أنقذني عناصر الشرطة، وأصبت بجروح وكسور خطيرة في يدي وساقي اليسرى، وحاول الأطباء تثبيتها بالبلاتين، إضافة إلى فقداني بصري، الذي تأكدت من إمكانية استعادته إذا ما شُملت بمنحة مالية من الحكومة لإجراء العملية".
خلال لقائنا معها، ظهر الأسى جلياً على زهرة، التي تأثّرت كما غيرها من نساء القرية ذوات الإعاقة بمظاهر التمييز الاجتماعي. لاحظنا كيف يتعامل البعض في القرية مع المرأة المعوقة على أنها غير قادرة على تحمّل مسؤولية نفسها أو اتخاذ قراراتها الشخصية بينما يحصل الرجال ذوو الإعاقة على دعم وفرص أكثر للعمل والزواج والإنجاب وما شابه.
في المقابل، تبيّن لنا أن النساء ذوات الإعاقة يواجهن صعوبة في الحصول على فرص عمل أو تمويل لتنفيذ مشاريع صغيرة، وغالباً ما يتم تفضيل الرجال عند توزيع المساعدات أو فرص الدعم باعتبارهم معيلين لأسرهم أو بصدد تكوين أسر. وكان لافتاً لنا عدم منح النساء في القرية - لا سيما ذوات الإعاقة منهن - مساحة في المجالس المحلية أو اللجان المجتمعية، مما يعني إقصاء أصواتهن وغياب قضاياهن عن الطرح المجتمعي.
ولا توجد إحصائيات دقيقة حول الضحايا من الفتيات والنساء بسبب القيود الاجتماعية حيث الأفكار النمطية السائدة في المجتمعات المحافظة إذ تُرى المرأة كائناً يجب أن يبقى في الظل، بعيداً من الأوراق الرسمية والبيانات العامة، وفق ما لمسناه خلال زيارتنا القرية.
بالعودة إلى رائد، والد الطفلة زينب، فهو يشرح بمرارة كيف حُرمت ابنته من حقها في التعليم، قائلاً: "اضطررت إلى إبقائها في المنزل، لأنه لا توجد وسائل نقل مهيأة تناسب حالتها الصحية. حتى المدارس القريبة، تفتقر إلى الكراسي الخاصة والمرافق الملائمة لذوي الإعاقة، مما يجعل التحاقها صعباً جداً". ويضيف أن "هناك مدرسة أهلية واحدة مخصّصة لذوي الإعاقة في المنطقة، لكنها باهظة التكاليف، ولا تستطيع الأسرة تحمّل مصاريفها"، مبرزاً أن "غياب الدعم الحكومي يجعل الكثير من الأطفال مثل زينب خارج مقاعد الدراسة رغم رغبتهم الشديدة في التعلّم".
وفيما تصارع زينب مرارة واقع لا يسمح لها بالتحرّك بحرّية مثل أقرانها، لا يطالب والدها سوى بمنحها حقها البسيط في التعليم وطرف اصطناعي يمكنها من الاعتماد على نفسها وممارسة حياة أقرب للعادية.
وثّقت الصحافية والناشطة البصراوية سندس نعمة (40 عاماً) معاناة ذوات الإعاقة في قرية البتران ومناطق أخرى من البصرة حيث تقول لرصيف22: "تواجه النساء ذوات الإعاقة تمييزاً واضحاً بسبب الصورة النمطية التي يكرّسها المجتمع تجاههن، مما يجعلهن يشعرن بالنقص والعجز رغم إمكاناتهن". كما تشير إلى أنهن "يعانين من تهميش كبير في الحصول على فرص العمل، نتيجة غياب السياسات الداعمة لدمجهن في سوق العمل، إلى جانب انعدام فرص الزواج بسبب التصوّرات الخاطئة التي ترى الإعاقة عائقاً أمام الحياة الزوجية والأسرية".
وتختم نعمة حديثها بالتأكيد أن هذه المعاناة لا تعكس ضعف النساء أنفسهن، بل قصور الوعي المجتمعي والمؤسساتي بقدراتهن وإمكاناتهن، داعيةً إلى تمكين النساء ذوات الإعاقة وضمان مساواتهن في الحقوق والفرص داخل المجتمع.
تتفق مع ما سبق الناشطة النسوية لوديا ريمون، التي تقول لرصيف22 إن "النساء ذوات الإعاقة يواجهن تمييزاً مضاعفاً، إذ يُنظر إليهن بعين الانتقاص مرتين: مرة لأنهن نساء، ومرة أخرى بسبب إعاقتهن". وتوضح ريمون أن "هذا الوضع يجعلهن أكثر عرضة للعنف والتحرّش، وغالباً ما يمتنعن عن الإبلاغ خشية الوصمة الاجتماعية أو لعدم توافر أماكن آمنة تحميهن".
كذلك، تشير ريمون إلى أن "المجتمع في كثير من الأحيان لا يرى في المرأة ذات الإعاقة شخصاً قادراً على الزواج أو تربية الأطفال، مما يحرمها من أبسط حقوقها الإنسانية والطبيعية". كما تؤكد أن فرص التعليم والعمل بالنسبة لهن تكون محدودة جداً، إما بسبب غياب البيئة المهيَّأة أو نتيجة عدم ثقة المجتمع بقدراتهن، داعيةً إلى ضرورة تغيير هذه النظرة وإيجاد سياسات شاملة تضمن لهن المساواة والعيش بكرامة.
في ما يخصّ المنظمات الداعمة للنساء ذوات الإعاقة في البصرة، تقول مديرة جمعية التقوى لحقوق المرأة والطفل، الدكتورة عواطف المصطفى، لرصيف22: "إضافةً إلى نشاط جمعيتنا، هناك منظمة أخرى تعمل في هذا المجال هي منظمة الفردوس، وساهمنا في مشاريع دمج المزارعات ذوات الإعاقة في المجتمع من طريق المنح المقدمة من المنظمات الدولية".
وتبيّن المصطفى أن جمعية التقوى نفّذت حملات توعية وقدمت جلسات للدمج الاجتماعي، كما أطلقت حملة "المعاقات عراقيات أيضاً"، ومن خلالها "تمكّننا من توفير قطع أراضٍ لعدد من النساء ذوات الإعاقة، والحصول على نسبة تعيين تبلغ 5% لهن سنوياً، إضافة إلى توفير تسهيلات خاصة في الدوائر الحكومية ومنحهن الأولوية دون الاضطرار للوقوف في الطوابير"، وفق المصطفى.
إلى ذلك، تبدو القرية خارج دائرة اهتمام المنظمات والمؤسسات الحكومية، إذ لا تحصل النساء ذوات الإعاقة فيها على أي دعم صحي أو مالي أو نفسي من أي جهة، ما عدا راتب الرعاية الاجتماعية، وفق ما أخبرتنا به نساء في القرية.
كذلك، يقول مختار القرية جعفر محمد إن الحكومة "أهملت" أهالي البتران، مبرزاً أن "أغلب السكان لا يحصلون سوى على راتب رعاية (نحو 154 دولاراً تقريباً) وهو مبلغ لا يكفي حتى لسد أبسط الاحتياجات".
الضحايا في ازدياد والحلول غائبة
وفقاً لمدير المركز الإقليمي الجنوبي لشؤون الألغام، نبراس التميمي، فإن "عدد الضحايا المسجلين في قرية البتران بسبب الألغام يقدر بـ123 شخصاً بين وفيات وإصابات"، مردفاً بأنه "بالنسبة لمحافظة البصرة، وهي المدينة الأكثر تلوَّثاً بالألغام في العالم، لدينا أكثر من 5300 ضحية مسجّلة والرقم مرشح إلى الزيادة (في المرحلة الثانية من المسح الميداني) إلى 10000 ضحية".
وبينما يقرّ نبراس بأن البتران من القرى المنكوبة بالألغام في العراق، وأهلها بحاجة إلى الرعاية الصحية بل ونقل بعضهم للعلاج وإجراء عمليات خارج العراق، وإلى ميزانيات دعم كبيرة، يشيد في الوقت عينه بالجهود الحكومية المبذولة في مجال التطهير من الألغام والتوعية بمخاطرها في السنوات الأخيرة.
ويتابع نبراس أنه "بعد التقييد الذي فُرض على عمل المنظمات الدولية في العراق، كإيقاف المنح من المانحين الدوليين وبالأخص المقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية، تأثَّر عملنا كثيراً، ونعاني من بطء العمل وهناك مساحات تخطيطية يجب الالتزام بها. الفريق الواحد في حقل الألغام يستطيع في اليوم الواحد كحد أقصى تطهير 200 م2".
فضلاً عما سبق، يقول نبراس إن الحكومة لديها أزمة في التخصيصات المالية لأن الموضوع مكلف. وكان قد كشف معاون مدير إعلام هيئة الحشد الشعبي، مهند حسين، أن تكلفة عمليات تطهير المخلفات الحربية في العراق تراوح بين دولار واحد وخمسة دولارات للمتر المربع الواحد.
ومنذ عام 2015، ساهمت حكومة الدانمارك بأكثر من 41 مليون دولار أمريكي لبرنامج دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق. كما قدّم الاتحاد الأوروبي منحةً مالية قدرها 5 ملايين يورو (نحو 6 ملايين دولار)، خُصصت لأعمال إزالة الألغام من الأراضي الزراعية في محافظة البصرة، بهدف إعادة تأهيل الأراضي ودعم سبل العيش للمزارعين المحليين. وموَّلت ألمانيا ودعمت مشاريع إزالة الألغام في البلاد بأكثر من 100 مليون دولار في العراق خلال الفترة من 2016 إلى 2023، مما جعلها واحدة من أكبر الجهات المانحة.
لكن توثيق دائرة البحوث في مجلس النواب العراقي، حول المخالفات المسجَّلة حول أنشطة الدوائر ذات العلاقة بالتطهير من الألغام والمخلفات الحربية الخطرة من 2020 إلى 2023، يشير إلى ارتفاع مساحات الأراضي الملوَّثة بالألغام والملخلفات الحربية المتفجرة والتي لم تتم معالجتها حتى تاريخه، وبخاصة في محافظات ديالى وبابل والبصرة، فضلاً عن عدم إمكانية الاستفادة من القرض البريطاني المخصّص لوزارة البيئة العراقية ضمن قانون الموازنة العامة الاتحادية للسنوات (2023 و2024 و2025) والبالغة قيمته 400 مليون دولار أمريكي، والمقدَّم من وكالة ضمان الصادرات البريطانية UKEF لتنفيذ أعمال إزالة الألغام.
كشف البحث البرلماني عن وجود معدات وأجهزة كشف عن الألغام مخزّنة ضمن أقسام دائرة شؤون الألغام، كان قد تم الحصول عليها ضمن المنح الدولية ولم يُستفد منها، وذلك لعدم وجود أي نشاط تنفيذي للدائرة في ما يخص شؤون الألغام ولم تقم الدائرة بتزويد الجهات التنفيذية في وزارتي الدفاع والداخلية وهيئة الحشد الشعبي بتلك الأجهزة للاستفادة منها في عمليات الكشف ومعالجة الألغام.
ماذا عن التمويل الحكومي؟
ويوضح نبراس التميمي أن الحكومة خصّصت مبالغ للوزارات والجهات التنفيذية المعنية، بما فيها وزارتا الدفاع والداخلية وهيئة الحشد الشعبي. وبحسب تقرير حديث لدائرة شؤون الألغام، فإن التمويل الحكومي لعمليات نزع الألغام بلغ نحو 81 مليون دولار (بين عامي 2012 و2022). أيضاً، في خطة مرتبطة باتفاقية الذخائر العنقودية (CCM) خصّصت الحكومة العراقية مبلغاً يعادل 20 مليار دينار عراقي (نحو 17 مليون دولار) على مدى ثلاث سنوات لدعم برنامج إزالة الذخائر العنقودية.
وخلال العام 2024/2025، تشير تقارير إلى أن هناك تخصيصاً من الميزانية العراقية "للدعم في الجنوب" ضمن برنامج إزالة الذخائر، لكن ليس واضحاً إن كان التمويل الوطني الإضافي اللازم قد تحقّق بشكل كامل.
وصرّح عضو مجلس محافظة البصرة، نوفل المنصوري، أخيراً بأن المحافظة تحتاج إلى تمويل يتراوح بين مليار و1.5 مليار دولار لاستكمال عمليات التطهير، موضحاً أن هذا الرقم تقديري وقد يكون أقل من المبلغ الفعلي المطلوب، بسبب غياب الخرائط الدقيقة التي تُبيّن مدى التلوّث وأنواعه وتوزيعه في المنطقة.
ويرى نبراس التميمي أن الدعم الحكومي لبرنامج وزارة البيئة لإزالة الألغام محدود، موضحاً أن الحكومة تزودهم بتخصيصات تشغيلية، لذا يحتاجون إلى تعاون دولي وتعاون الأمم المتحدة بالإضافة إلى جهد الحكومة المحلية، بحيث إن هذا التعاون من الممكن أن يقلّل من حجم المشكلة.
وأصدرت وزارة البيئة العراقية، في آب/ أغسطس 2025، نداءً تطالب فيه بموازنة خاصة لدائرة شؤون الألغام لضمان "الدعم اللوجستي واستدامة عمليات تطهير الأراضي"، مما يشير إلى أن التمويل الموجود لا يزال غير كافٍ.
مخاوف من التبعات البيئية
المخاوف من تبعات بطء و/أو توقّف عمليات التطهير بسبب عدم كفاية التمويل تواكبها مخاوف من تفاقم الآثار البيئية للأزمة. وفقاً لدائرة شؤون الألغام، تسببت الألغام والقذائف غير المنفلقة في انحسار استعمال المساحات الزراعية وتالياً تدنّي إنتاج المحاصيل المهمة بسبب هجر الفلاحين لقراهم لا سيما الحدودية منها واللجوء إلى أراض صحراوية قاحلة غير قابلة للزراعة.
كما تسبّبت الألغام أيضاً في تلويث البيئة البحرية في شط العرب وهجر السكان لمناطق الأهوار والمستنقعات الأخرى في الأراضي الجنوبية من العراق بعدما جُفّفت. وامتنع كثير من السكان عن ممارسة مهنة الصيد في المناطق المشكوك في تلوّثها بالألغام وانحسرت الثروة السمكية.
في غضون ذلك، أشارت دراسة لمجلس النواب العراقي إلى عدم استثمار واستغلال الأراضي التي كان من المقرر إزالة الخطر عنها في القرن العشرين، إلا أنّ إجراءات إزالة الألغام لم تُستكمل، الأمر الذي حال دون الاستفادة من تلك الأراضي، فبلغ إجمالي المساحات المزروعة نحو 378 كم2، وذلك على مستوى عدد من المحافظات.
تعقيباً على ذلك، يقول الخبير البيئي خالد سليمان، لرصيف22: "البصرة لا تزال تعاني آثاراً بيئية عميقة خلّفتها الحروب المتتالية منذ الحرب العراقية - الإيرانية وحتى الصراعات الداخلية اللاحقة"، مؤكّداً أن هذه الآثار "لم تعد مجرد مظاهر جانبية للحروب، بل أصبحت جزءاً من أزمة بيئية معقّدة تهدّد استقرار النظم الطبيعية في المحافظة".
ويكشف سليمان أنّ إزالة ملايين أشجار النخيل وتجريفها كانت من أخطر التداعيات التي خلّفتها تلك الحروب، وأن النخيل "ليس مجرد عنصر زراعي، بل مكوّن حيوي في البيئة المحلية يساهم في امتصاص الكربون، وخفض درجات الحرارة، وحماية التربة". كما يشدّد على أن اختفاء هذا الغطاء النباتي الواسع حوّل مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة إلى مناطق جرداء فاقدة لقدرتها الإنتاجية.
ويتطرّق الخبير البيئي إلى مخلّفات الأسلحة والذخائر التي لا تزال مطمورة في التربة أو مستقرة في مجرى شط العرب، بدءاً من الألغام ووصولاً إلى الشظايا المعدنية، مستدركاً "إذا كانت بقايا الحرب العالمية الأولى لا تزال موجودة في أوروبا حتى اليوم، فمن الطبيعي أن تستمر مخلفات الحروب التي مرّ بها العراق منذ ثمانينيات القرن العشرين في التأثير على البيئة لعقود طويلة".
فيما يواجهون أزمةً في توفير التمويل اللازم، وتتكرّر الاتهامات بالفساد والتقصير وسوء إدارة الملف، يقول المسؤولون العراقيون إن بلدهم ملزم بتطهير أراضيه من الألغام ومخلّفات الحروب بحد أقصى في عام 2028، وفق المعاهدات الدولية الموقّع عليها
كما يشير سليمان إلى أن البيئة البحرية في شط العرب لم تسلم هي الأخرى من التدهور، إذ تنتشر فيها حطام سفن ومعدات عسكرية صدئة، إلى جانب ملوثات نفطية أثّرت بصورة مباشرة على الأحياء البحرية والموائل الطبيعية في المنطقة، مؤكداً أن "الحروب تركت بصمتها الثقيلة على البيئة البرية والبحرية في البصرة"، ومشدّداً على ضرورة وضع خطط بيئية طويلة الأمد تشمل إزالة المخلّفات العسكرية، وإعادة تأهيل الغطاء النباتي، ورصد نوعية المياه، لضمان حماية ما تبقّى من الحياة الطبيعية في المحافظة.
وهو يُردف: "أيضاً، يشكّل خطر الألغام عائقاً أمام الوضع الاقتصادي إذ إن غالبية سكان هذه المناطق يعتمدون على الزراعة، غير أن جزءاً كبيراً من أراضيهم لا يزال ملوَّثاً بالمتفجرات التي خلّفتها الحروب".
من جانبه، حذّر البنك الدولي، في تقرير له حول المناطق الملوَّثة في العراق، من تداعيات التقصير الحكومي في معالجة الأراضي الملوّثة في العراق، بعد أن تضرر نحو 2.4 مليوني هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة بالمخلفات الحربية، وما يرافق ذلك من آثار طويلة الأمد على سلامة السكان وصحتهم وسبل معيشتهم. أشار التقرير إلى أن الحروب المتعاقبة والعمليات العسكرية تسبّبت بخسائر وأضرار جسيمة قُدّرت بنحو 3.5 تريليونات دينار عراقي (نحو ثلاثة مليارات دولار أمريكي) طالت القطاعات النفطية والزراعية والصناعية.
اتفاقيات مؤجلة التنفيذ
انضم العراق رسمياً إلى اتفاقية حظر استعمال وتكديس وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام، المعروفة باسم "اتفاقية أوتاوا"، في 15 آب/ أغسطس 2007، ودخلت حيز التنفيذ في الأول من شباط/ فبراير 2008. وهي اتفاقية دولية تحظر على الدول الأعضاء إنتاج الألغام أو امتلاكها أو نقلها لجهة اخرى أو استخدامها وهي تضم حالياً أكثر من 164 دولة طرفاً، مما يجعلها معياراً دولياً قانونياً وأخلاقياً ثابتاً. كما تُشرف الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر على دعم تنفيذها ومراقبة التزام الدول بها.
ويقول المتحدث باسم وزارة البيئة العراقية، لؤي المختار، لرصيف22، إنه بالنسبة لموضوع الألغام في العراق، فإن البلاد منضمة إلى اتفاقية أوتاوا التي تضع سقفاً عالمياً للتخلّص من الألغام، مؤكداً أن العراق ملتزم بالخطط الموضوعة لإنهاء ملف الألغام بحلول عام 2028.
ويتابع بأن "الاتفاقية بدأت تفعَّل بالكامل بعد عشر سنوات، وكان مطلوباً من العراق تطهير جميع الألغام على حدوده خلال تلك الفترة. لكن بسبب انشغال الجهود الوطنية بعمليات التحرير (من تنظيم داعش) بعد عام 2014، تأخَّر تفعيل الاتفاقية"، وما يعطلها حالياً هو قلة الدعم المادي والذي لا يتناسب مع حجم مشكلة الألغام. وينبِّه المختار إلى أن العراق مرتبط بثلاث اتفاقيات دولية مع الأمم المتحدة وهي: أوتاوا، وأوسلو، واتفاقية حظر الأسلحة التقليدية الفتاكة، حيث كان من المفترض أن ينهي العراق تلوّث الألغام بحلول عام 2023. لكنه طلب تمديدها حتى 2028 بسبب زيادة التلوث.
قدرات الحكومة العراقية وإمكاناتها الحالية لن تمكّنها من إزالة الألغام بشكل قطعي، إذ إن إزالة هذه الكمية من الألغام يحتاج إلى عقود من الزمن، فضلاً عن أن إزالة الألغام تعتبر من المهام الصعبة والأنشطة المعقَّدة والخطرة. في الوقت نفسه، هناك حيود في تنفيذ الاتفاقيات الدولية المبرمة من العراق في ما يخصّ حظر الألغام والذخائر المتفجرة إذ بيّنت دائرة شؤون الألغام في وزارة البيئة أن سبب الحيود يعود إلى أن التلوّث بالألغام في الأراضي العراقية كبير جداً ولا يتناسب مع الإمكانيات المتوافرة، إضافة إلى عدم تحديد نسب تنفيذ تلك الاتفاقيات من دائرة شؤون الألغام لمعرفة نسبة التقدّم في العمل.
ويشير مدير المركز الإقليمي الجنوبي لشؤون الألغام، نبراس التميمي، إلى أن "تضافر الجهود" هو السبيل إلى تطهير الأراضي العراقية والوصول إلى "صفر تلوّث"، مؤكداً أن "الاتفاقيات الدولية التي وقعها العراق، وهي ملزمة أخلاقياً وإنسانياً لمعاونة العراق في مجال إزالة الألغام حيث يُصنَّف ضمن الدول ذات التلوّث العالي جداً، والتي بلغت في نهاية عام 2024 نحو 1.2 كم2، يجب أن تُفعّل بشكل حقيقي".
أما مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي، فيشدّد على أهمية أن تراقب الحكومة العراقية عمل هذه المنظمات ومن يشاركها، من خلال مراقبة دقيقة من جهاز المخابرات وجهاز الأمن الوطني، مع مساهمة مجالس المحافظات في الرقابة أيضاً.
*فضّل مُعدّا التحقيق عدم الكشف عن هويتهما لاعتبارات السلامة الشخصية، نظراً إلى حساسية الموضوع وخطورته، وللاعتبارات المتصلة بالأمن في العراق. ولكونهما من أبناء جنوب العراق، استدعى الأمر أحياناً الاستعانة بعدد من الصحافيين/ ات المحليين/ ات، لإجراء مقابلات على الأرض أو مع المسؤولين. فضّل هؤلاء الصحافيون/ ات أيضاً عدم كشف هوياتهم/ نّ.
*سعر الصرف 1300 دينار للدولار.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
