*أُعدّ هذا التحقيق وأُنتج بتمويل ودعم من مركز بوليتزر.
عاد الصياد محمد ناصر من البحر كما يفعل كل يوم لكنه هذه المرة عاد بلا سردينة واحدة. يتوقَّف عند الشاطئ لحظة قبل أن يسحب شبكته الفارغة وكأنه يفتِّش بين عُقدها عن تفسير لانقلاب البحر عليه.
فالبحر الذي كان يهب محمد رزقاً كافياً لأسرته المكونة من خمسة أفراد أصبح خلال السنوات الأخيرة مساحة واسعة من الخسارات المتتالية، رحلات يخرج فيها بالدين ويعود منها بخيبة أمل جديدة، وأمل يتضاءل كلما تأخَّر "موسم العيد" (السردين) الذي يعتمد عليه الصيادون لتسديد ديون عام قاسٍ قد مضى.
يقول محمد، لرصيف22، إن البحر تغيّر كثيراً، كان يعود بكميات وفيرة من السردين، واليوم يعود في أغلب الأيام دون سردينة واحدة لإطعام أسرته.
محمد ليس حالة استثنائية بل مثله آلاف الصيادين على امتداد الساحل اليمني الذي يناهز 2500 كلم تقريباً، حيث تنتج محافظتا حضرموت والمهرة وحدهما قرابة 60% من الأسماك اليمنية ويعتمد على هذا القطاع نحو 667،000 شخص لكسب قوتهم.
لكن هذا الشريط الساحلي الذي غالباً ما شكَّل عموداً اقتصادياً للمجتمعات الساحلية يشهد منذ خمس سنوات تراجعاً غير مسبوق في مخزونه السمكي. وبينما يبرز "التغيّر المناخي" كعامل بيئي أساسي يلقي بظلاله على استدامة الموارد البحرية، تشير أدلة متزايدة وتقارير متقاطعة إلى سبب مركزي آخر يفاقم هذه الأزمة ويتكرَّر في كل رواية: مصانع طحن الأسماك التي ظهرت فجأة وبدأت في ابتلاع كميات هائلة من الأسماك الطازجة بدلاً من مخلَّفاتها لتتحوّل إلى سبب مركزي في استنزاف البحر وإفقار المجتمعات التي عاشت عليها لقرون طويلة.

من البحر إلى المصانع… رحلة قتل الأسماك
بعد سنوات من تراجع الصيد، بدأ صيادون يربطون بين اختفاء السردين من شباكهم وبين التوسّع السريع في إنشاء وعمل مصانع طحن الأسماك التي ظهرت في المهرة وحضرموت خلال الأعوام الخمسة الماضية.
بعد سنوات من تراجع الصيد في اليمن، يربط صيادون وخبراء ومسؤولون بين اختفاء السردين وبين التوسّع السريع في مصانع طحن الأسماك التي ظهرت في المهرة وحضرموت خلال الأعوام الخمسة الماضية. تحقيق استقصائي يكشف كيف تحوّلت ثروة السردين اليمني إلى مصدر أرباح لشبكات شركات ونفوذ عابرين للحدود
هذه المصانع التي كان يُفترض أن تعتمد على "طحن مخلَّفات الأسماك فقط"، تحوّلت تدريجياً إلى مستهلك رئيسي يطحن أكثر من ثلث الإنتاج السمكي الطازج، خصوصاً السردين، ليتغيّر مسار الإنتاج السمكي من غذاء يعتمد عليه اليمنيون إلى مادة خام تُطحن وتُصدّر إلى الخارج وتجني ملايين الدولارات التي لا تصل حتى إلى خزينة الدولة.
ومع غياب الرقابة وضعف تطبيق القوانين ونتيجة لحالة الإرباك التي تمر بها الدولة في اليمن، وهو ما استغله ملاك ومديرو مصانع الطحن، يكشف هذا التحقيق كيف وجد مستثمرون محليون وأجانب فرصةً مفتوحةً للربح السريع بينما وجد صيادون محليون أنفسهم أمام بحر يزداد فقراً وموسم سردين يُجهض قبل أن يبدأ.
انطلقت رحلتنا في هذا التحقيق الاستقصائي على امتداد السواحل الشرقية من حضرموت حتى أطراف المهرة على الحدود العمانية على مدى ثمانية أشهر، بحثاً عن الأدلة التي تفسّر اختفاء كميات كبيرة من الأسماك وكيف تحوّل إلى مسحوق وزيت يغادران البلاد في شاحنات محمّلة بآلاف الكيلوغرامات بقيمة مالية ضخمة.
وخلال عملنا، وثّق معد التحقيق شهادات صيادين محليين ومسؤولين وخبراء، واطلعنا على تقارير متخصّصة في البيئة البحرية، كما حصلنا على وثائق رسمية وتراخيص استثمارية تكشف حجم المخالفات المتصلة بعمل مصانع الطحن في المهرة وحضرموت، وكيف ساهم توسّعها غير المنضبط في تغيير دورة الحياة البحرية وتوجيه المخزون السمكي بعيداً من الصيادين الذين عاشوا عليه جيلاً بعد جيل فضلاً عن تهديد بيئة البحر وحياة البشر.
وأثناء تتبّعنا المباشر لعمليات الصيد على طول الساحل، برزت مؤشِّرات أولية تقود إلى جوهر المشكلة. فقد أصبحت القوارب الصغيرة التي اعتادت العودة محملة بالسردين في مواسمه تضطر إلى الإبحار في مناطق أبعد وأعمق بحثاً عن كميات قليلة لا تكاد تغطي تكاليف الرحلة.
وفي الوقت نفسه، رصدنا تحرّكات مكثّفة لقوارب أكبر تفرغ حمولتها خارج مراكز الإنزال الرسمية، وأفاد صيادون محليون أن هذه العمليات تبلغ ذروة نشاطها تحت جنح الظلام، حيث تُنقل شحنات الأسماك في مركبات صوب مصانع الطحن في ساعات الليل أو قبيل الفجر.
ورغم أن الشهادات أكدت ذروة النشاط ليلاً، إلا أن كاميرا التحقيق وثّقت استمرار هذه العمليات حتى في وضح النهار، مما يعكس حالة من الاطمئنان لعدم وجود أي ملاحقة قانونية.
كانت هذه المشاهدات الميدانية أول ما أكد أن تراجع المصيد ليس ظاهرة طبيعية بشكل خالص بل نتيجة مباشرة لطلب متصاعد من مصانع تحوّلت إلى منافس شرس للصيادين على هذا المخزون الحيوي.
عمل مخالف لتراخيص الاستثمار
قبل خمسة أعوام، ظهرت منشآت جديدة على طول الشريط الساحلي بين حضرموت والمهرة بتراخيص استثمارية لمشاريع سمكية متكاملة يفترض أن تقتصر على التجهيز والتعليب مع وحدات صغيرة لطحن المخلَّفات، لكن المصانع وعددها 10 مصانع تحوّلت إلى مطاحن تستقبل الأسماك الطازجة مباشرة من القوارب.
أما المصانع الثلاثة التي تعمل في التجهيز والتعليب، فقد وسّعت وحدات الطحن فيها حتى صارت تعتمد بدورها على المصيد الطازج، في مخالفة لبنود الترخيص الرسمي الذي ينص صراحةً على طحن "مخلَّفات الأسماك"، فضلاً عن تقرير لجنة وزارية خلص إلى أن المصانع مخالفة للقدرة الإنتاجية المحدّدة.
وتُظهر الوثائق والمقابلات التي أجريناها أن ملكية هذه المصانع تتوزّع بين مالك إماراتي وعدد من المستثمرين الأجانب واليمنيين، وأن توسّعها خلق طلباً يومياً يقدّر بـ1600 طن من الأسماك وطاقة إنتاجية إجمالية سنوية بأكثر من 535 ألف طن، وهو ضعف الإنتاج الوطني السنوي. هذا الطلب شجّع تجارة الأسماك الصغيرة، ودفع الصيادين – تحت ضغط الحاجة – إلى الصيد الجائر، خصوصاً مع شراء المصانع أي كمية بسعر ثابت (500 ألف ريال يمني للطن/ نحو 300$) دون مراعاة المواسم أو الأنواع أو حجمها أو الآثار البيئية.

ورغم أن التراخيص الاستثمارية تُلزم المصانع بطحن مخلَّفات الفرز والتصنيع السمكي، إلا أن الوثائق والمشاهدات الميدانية تكشف عن نشاط خارج كل الضوابط، إذ لا تمتلك هذه المنشآت خطوط إنتاج متكاملة أو مرافق تبريد كافية، وتستهلك يومياً ما بين 50 و300 طن لكل مصنع.
ورغم حجم المخالفات، لم تُسجَّل عقوبات تُذكر للصيادين المخالفين فيما صدرت قرارات بوقف مصانع مخالفة ونُفذت القرارات لفترة قبل التراجع عن الوقف، وفق مصادر رسمية، في دلالة على فجوة كبيرة بين النصوص المنظمة والواقع، ورقابة شبه غائبة على مورد بحري يمثل شريان حياة لآلاف الأسر الساحلية.
أدلة ميدانية وشهادات
أكد لنا صيادون حدوث عمليات تفريغ كميات من الأسماك الطازجة مباشرة داخل مصانع الطحن. ويقول الصياد ورئيس جمعية صيادي الحسي السمكية في حضرموت، أحمد عبد الله باصر: "30 جرفاً (قارباً تمدّ مصانع الطحن بالأسماك) موجود على 24 أو 30 ألف صياد، (يتم) جرف الأسماك الصغيرة لأنه يجرف ومصانع الطحن شغالة. كانت أول مصانع الطحن موجودة لبواقي الصيد حق التعليب... ولكن جاء العبث ويلا أي صيد يحصلوا في البحر يحويه ويحمل إلى مصنع الطحن"، مستطرداً "الصيد أخف، ما عاد يجيب مثل الأول، الآن تطلع تجيب ما تيسَّر".
بدوره، يشير مسؤول رقابة في مناطق الإنزال السمكي في منطقة محيفيف بمحافظة المهرة، أيوب حمود: "نرى قوارب تقوم بالجرف يومياً، تلتقط كل الكائنات في البحر، حتى بيض الأسماك، لذلك عندما يحاول الصيادون الصيد، لا يجدون شيئاً".
كما تكشف مقابلاتنا مع مديري عدد من هذه المصانع، من بينهم الهندي الجنسية، جسویر محمد، مدير مصنع "بروتين الخليج"، والمستثمر الإماراتي الجنسية مهدي حسني، مدير تنفيذي في مجموعة حسني الإماراتية ومالك (بشكل جزئي أو كلي) أربعة مصانع طحن في حضرموت والمهرة من أصل 10 مصانع طحن هناك، ونائب المدير التنفيذي في مصنع "كنغ فيشر"، طلال المنهالي، عن اعتماد مصانعهم على الأسماك الطازجة بكميات ضخمة يومياً، تصل في بعض المصانع إلى 400 طن، أي ما يفوق قدرة البحر الطبيعية على الإنتاج ويهدّد استدامة الموارد السمكية بحسب خبراء البيئة البحرية.

ويضيف مديرو المصانع في مقابلات أجريناها معهم كل على حدة، أنهم يحصلون على الأسماك الطازجة التي تأتيهم حتى بوابات المصانع عبر موردين على متن شاحنات كبيرة أو عبر صيادين، بشرط أن تكون كمياتها كبيرة، مشيرين إلى أن الأسماك تأتي من مختلف المحافظات الساحلية اليمنية.
حصل معدّ التحقيق على تراخيص استثمارية خاصة بمصانع الطحن، ضمن تقرير لجنة وزارية كُلّفت من وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، في الحكومة المعترف بها دولياً، ورصدت الوضع ميدانياً في عام 2024، بما شمل زيارة 10 مصانع في حضرموت والمهرة. ويكشف تقرير اللجنة أن مصانع الطحن تعمل فعلياً على استخدام الأسماك الطازجة بدلاً من المخلَّفات كما تفرضه تراخيصها، فيما تطحن الشركات السمكية نحو 30% فقط من المخلَّفات مقابل 70% من الأسماك الطازجة.
ورغم أن نتائج اللجنة تتطابق تماماً مع ما توصّلنا إليه في هذا التحقيق من مخالفات، لم تتخذ الجهات المسؤولة إجراءات لوقف هذه التجاوزات بشكل نهائي أو مساءلة القائمين عليها بل تساهم في تشجيع استمرار عملها من خلال تسهيل عمليات تصدير منتجاتها إلى الخارج.
صيد جائر وصادرات تتصاعد
أدّى هذا التوسّع المتسارع في نشاط مصانع الطحن إلى نتيجة أصبحت واضحة للصيادين والخبراء على حد سواء، إذ تراجع وجود السردين وأنواع الأسماك الصغيرة التي تمثّل الغذاء الرئيسي للأسماك الكبيرة مثل التونة. ويشرح مدير عام هيئة أبحاث علوم البحار والأحياء المائية فرع حضرموت، صبري لجرب، أن التوسّع في مصانع الطحن خلال السنوات الخمس الأخيرة تحوّل إلى أحد المحركات الأساسية للصيد الجائر، وهو ما أسفر عن استنزاف خطير للمخزون السمكي وتهديد حقيقي لديمومة الثروة البحرية.
ويضيف لجرب أن أساليب الصيد المستخدمة، مثل الصيد بالتحليق والجرف، والتفجير، واستخدام شباك الشرطوان والسخاوي والأكسجين والإضاءة الليلية الشديدة، تتسبب بتدمير الشعاب المرجانية والموائل الطبيعية، وتدفع الأسماك للهجرة، ما يخل بالتوازن البيئي ويزيد صعوبة الصيد التقليدي.

وتكشف الوثائق والإحصائيات الرسمية وتراخيص الاستثمار أن هذه المصانع تولد إنتاجاً ضخماً من دقيق وزيت السمك، ويُصدَّر هذا الإنتاج للخارج بتسهيل من الهيئة العامة للمصائد السمكية في المهرة.
وفق الوثائق الرسمية التي حصلنا عليها وتنشر لأول مرة، بلغت صادرات دقيق السمك بين عامي 2019 و2023، نحو 44.4 ألف طن، بقيمة 66.6 مليون دولار باحتساب قيمة طن واحد من طحين السمك 1500 دولار أمريكي. في حين ناهزت صادرات زيت السمك بين عامي 2019 و2023: نحو 12.2 ألف طن، بقيمة 36.6 مليون دولار باحتساب قيمة طن واحد من زيت السمك 3000 دولار أمريكي.
وتشير الوثائق الرسمية إلى أن الطلب المتصاعد على الأسماك الطازجة قاد الصيادين إلى التنافس وأدّى إلى تضاعف عمليات الجرف والصيد العشوائي، مما يضع ضغطاً مباشراً على الموارد السمكية ويهدّد مصادر الدخل الأساسية لآلاف الأسر الساحلية.
وعلى امتداد الساحل بين المهرة وحضرموت، رصدنا 10 شركات منها، سبعة مصانع رئيسية لطحن الأسماك تعمل بشكل شبه يومي على تحويل كميات ضخمة من السردين والأسماك الأخرى إلى دقيق وزيت للتصدير.
وكانت محاولات الوصول إلى داخل هذه المصانع صعبة في البداية، إذ يصرّ القائمون عليها على أنها مخصّصة فقط لطحن مخلَّفات الأسماك، الأمر الذي جعل الدخول إليها أكثر تعقيداً. وبرغم ذلك، تمكن معدّ التحقيق لاحقاً من دخول بعضها ورصد آليات الطحن وخزانات الزيت ووحدات الإنتاج مع توثيق أسماء عدد من المستثمرين النشطين في هذا القطاع، إلى جانب متابعة عمليات التصدير عبر منفذ "شحن" البري الرابط بين اليمن وسلطنة عُمان، ورصد مخالفات بيئية داخل هذه المصانع وفي محيطها.
ولاحظ معد التحقيق الروائح الشديدة للأسماك في محيط أحد المصانع، والتي تسبق الوصول إليه بأمتار، حيث يتمركز المصنع على ساحل الغيضة الواسع في منطقة خالية من الضجيج والسكان، عدا عن مصنع الطحن الذي وجد ليعكر صفو هذا السكون الساحلي.
وخارج سور المصنع، الذي تبلغ مساحته نحو 2 كم²، وضعت برك بدائية على ساحل البحر تماماً، مكشوفة وتمتلئ بالمياه العادمة التي ربما تشبه في اللون مياه البحر الزرقاء، لكن مع فارق أن لونها القاتم لا يعكس النقاء بل التلوّث الذي أصابها.
وتكشف المعاينة المباشرة أن هذه المنشآت، التي تعمل غالبيتها تحت مسمى مصانع سمكية للتغليف والتعليب مع وحدات لطحن المخلَّفات، تقوم فعلياً بطحن الأسماك الطازجة خلافاً لما تنص عليه تراخيص الهيئة العامة للاستثمار الممنوحة لها. كما تبيَّن أن عدداً منها تجاوز الطاقة الإنتاجية المرخصة ويعمل بعضها على مدار 24 ساعة، بالاعتماد على عمالة أجنبية وأخرى محلية، في ظل غياب واضح للرقابة البيئية وضعف في متابعة الأنشطة المخالفة التي تُسهم في استنزاف متسارع للمخزون السمكي وحرمان الصيادين من مورد رزقهم الرئيسي وتلويث البيئة المحيطة.
السردين اليمني… يعبر الحدود
أشار مالكو بعض مصانع الطحن إلى وجود شركاء في ملكيتها بين مستثمرين ورجال أعمال يمنيين وأجانب فيما تصدر منتجاتها الضخمة من طحين وزيت السمك بشكل أساسي نحو شركتين في سلطنة عُمان بحسب وثائق التصدير التي وصلنا إليها، مما يطرح أسئلة حول الملكية الفعلية لمصانع الطحن في شرق البلاد.

وخلال البحث والتدقيق في تتبّع رحلة السمك اليمني العابر للحدود، عثرنا على خيط صغير ضمن وثيقة رسمية في محضر اللجنة الوزارية يشير صراحةً إلى أن شخصاً واحداً باعتباره مالك مصانع الطحن في المهرة وحضرموت، وهو "مهدي حسني"، دون معلومات إضافية عن هويته، قبل أن تتكشّف لنا خيوط ملكية هذه المصانع تباعاً وعلاقة حسني بها ومن يكون بالأساس.
بعد بحث وتتبّع رقمي وميداني، وصلنا إلى مهدي حسني، وتحدثنا إليه هاتفياً بعد سلسلة من التنسيقات والتواصلات، فتبيّن لنا أنه مستثمر إماراتي يدير شركة واسعة مسجَّلة في الإمارات. ووجدنا من خلال البحث باستخدام المصادر المفتوحة أن حسني هو المدير التنفيذي لقسم التصنيع في مجموعة شركات حسني، ورئيس مجلس إدارة شركة ظفار للصناعات السمكية والغذائية التابعة أيضاً لمجموعة شركات حسني، ومالك 50% من شركة اللوهة. وكلتا الشركتين، (ظفار واللوهة(، مسجلتان في سلطنة عُمان. كما علمنا، من خلال وثائق التصدير لطحين وزيت السمك، أن شركة ظفار وشركة اللوهة هما من الشركات المستلمة لصادرات طحين وزيت السمك من مصانع الطحن في اليمن التي تصدّر إنتاجها إلى السلطنة عبر منفذ الشحن الحدودي بين اليمن وعُمان.
قادنا خيط رفيع إلى شخص يملك "حصة كبيرة" في مصانع الطحن في المهرة وحضرموت التي تهدّد ديمومة الثروة البحرية في اليمن، وهو المستثمر الإماراتي مهدي حسني. فمن يكون؟ وكيف يؤثر استحواذه على هذه الحصّة من إنتاج مصانع الطحن في الاستثمار المحلي في هذا القطاع؟
وفي المقابلة الهاتفية معه، التي ساعدنا مالك أحد مصانع الطحن في التنسيق لها، يكشف مهدي حسني تفاصيل مهمة ولافتة حول ملكيته لعدد من مصانع الطحن وطبيعة إنتاجها، مبرراً أن عمل هذه المصانع الطحن لا يهدف إلى هدر الأسماك، بل إلى إنتاج مسحوق سمكي يُستخدم عالمياً في صناعة الأعلاف والأغذية وعليه طلب كبير.
ويؤكد مهدي حسني، في مقابلتنا معه، أنه يمتلك أربعة من مصانع الطحن في اليمن، وهي: كنغ فيشر وأوشنز في محافظة حضرموت، وشبه الجزيرة العربية، والنورس في محافظة المهرة، وقد تأسّست بين عامي 2020 و2023، مبرزاً أنه يمتلك مصنع أوشنز بنسبة 100%، إضافة إلى نسب ملكية تراوح بين 25% و40% في مصانع الطحن الأخرى، مع شركاء يمنيين وهنود. وبحسب مهدي حسني، فإن هذه المصانع تُنتج نحو ثمانية آلاف طن سنوياً من دقيق وزيت السمك.
اللافت أن تقرير اللجنة الوزارية، وما يتضمن من وثائق، تكشف عدم تسجيل أي من المصانع الأربعة باسم مهدي حسني في الأوراق الرسمية، بما في ذلك "أوشنز" التي يقول مهدي إنه يملكه بنسبة 100%.
استحواذ يقوّض الاستثمار المحلي
إلى ذلك، أفاد الصيادون المحليون وصغار مصنعي الأغذية السمكية في حضرموت بخسارة حصّتهم السوقية بسبب شبكة التوريد والتجميع الواسعة التي تتبعها مصانع الطحن وإستراتيجياتها التسعيرية.
ويبرز هنا، استحواذ مهدي حسني على حصة كبيرة من مصانع الطحن (4 من أصل 10 مصانع نشطة)، مما أدّى إلى اضطراب قطاع مصائد الأسماك وتضرّر منتجي الأغذية السمكية المحليين، كما أدّى إلى تأثّر مصانع التعليب السمكية المحلية.
وفي لقاء جمعهم مع أفراد اللجنة الوزارية في المكلا، شكا مصدّرو ومديرو مصانع التعليب السمكية في حضرموت بأن مصانع التعليب باتت "شبه مغلقة" محذرين من "انهيار" القطاع السمكي و"انتهاء الإنتاج (السردين) بسبب طحن الأسماك"، آملين في إنصافهم وإعادة نشاطهم الاقتصادي.
كما أوضحوا، بحسب محضر الاجتماع الذي حصلنا على نسخة منه، أن وزارة الثروة السمكية - وهيئاتها - همّها "الجباية". وأشاروا إلى أن القطاع الخاص يواجه صعوبات في توفير الوقود لتشغيل شركاتهم بفعل عدم جدوى العمل اليوم بسبب أن كميات الأسماك الكبيرة تتّجه نحو الطحن.

من خلال ذلك، يتضح أن هناك مخالفات وتفاوتاً كبيراً بين الترخيص الرسمي والنشاط الفعلي، ويبرز الربح والكسب المالي العالي كعامل رئيسي، وأن تهاون الهيئات الرسمية مع مصانع الطحن جعل هذه الأخيرة تتجاوز الحدود القانونية.
فضلاً عن ذلك، تشير الفجوة بين الواقع الميداني والوثائق الرسمية لمصانع الطحن إلى غياب الرقابة الحكومية وتساهل الجهات الحكومية وتعاونها مع المخالفات الصريحة، وهو ما يشكًّل لب هذا التحقيق في محاولة لفهم ديناميكيات صناعة طحن الأسماك في المنطقة وأثرها الاقتصادي والبيئي.
"انتهاكات بيئية مستمرة"
تشير دراسات وتقارير علمية وبحثية إلى أن السواحل اليمنية، على البحرين الأحمر والعربي، تمثّل موطناً فريداً لأنواع هندية باسيفيكية ومستوطنة، مما يمنحها قيمة بيئية عالية.
هذا الاستخدام المكثّف للأسماك الطازجة من مصانع الطحن والجرف الواسع من البحر يؤدّي إلى استنزاف المخزون السمكي بحسب صبري لجرب الذي يشير إلى أن المصانع تساهم، بشكل غير مباشر، في دفع الصيادين إلى استخدام أدوات صيد عشوائية وخطيرة ومخالفة لقوانين الصيد التقليدي واستخدامهم أدوات الصيد الصناعي في مناطق الصيد التقليدي القريبة من السواحل، مما يهدّد البيئية البحرية بالتصحر والدمار.

كما يوضح لجرب أن القوارب المخصّصة للجرف، بمحركات تتجاوز 200 حصان وشِبَاك ضيقة الفتحات، تتغلغل في مناطق القاع حيث توجد تجمّعات الروبيان والأسماك القاعية، مسببة تدميراً واسعاً للأنظمة البيئية الحساسة في المهرة والشحر بحضرموت.
ووفق محضر اللجنة الوزارية، كمية الإنتاج اليومي المطلوبة لتغطية احتياج مصانع الطحن بلغت 1600 طن يومياً، وباحتساب أيام اصطياد لتسعة أشهر يكون إجمالي الإنتاج بحد أدنى 400 ألف طن لهذا المورد فقط.
ويقول الباحث البيئي ومدير عام هيئة أبحاث علوم البحار والأحياء المائية فرع حضرموت، لجرب: "نحن نعلم أن المخزون في تراجع. فعندما نأخذ عينة، نجد أحجاماً صغيرة. هذه ليست الأحجام التجارية التي ينبغي صيدها. فهذه الأسماك الصغيرة هي جيل يُفترض أن يبقى في البحر من أجل التكاثر والحفاظ على المخزون القائم".
وتؤكد الوثائق الرسمية التي حصلنا عليها حديث لجرب بحيث إنه في الوقت الذي تدّعي فيه مصانع الطحن أمام الجهات المعنية أنها تعتمد على مخلَّفات الأسماك لا الأسماك الطازجة، تشير إلى أن كميات مخلَّفات الأسماك لا تتجاوز الـ 2 طن في اليوم في محافظتيّ المهرة وحضرموت فيما الطاقة التشغيلية لمصانع الطحن بين 50 و300 طن في اليوم.
وتشير مراقبات هيئته إلى أن الانتهاكات البيئية مستمرة نتيجة غياب الرقابة الفعلية، مما يجعل السواحل اليمنية على حافة كارثة بيئية واقتصادية. ووفق تقرير اللجنة الوزارية، تهدّد هذه المصانع استدامة الثروة السمكية، إذ إن الطاقة التشغيلية لها تفوق قدرة الإنتاج الوطني السنوي، وهو ما يؤدّي إلى تصحر بحري متسارع وتراجع في أجيال الأسماك القادرة على التكاثر.
سلطات تتقاذف المسؤولية
ومع تراكم الأدلة الميدانية والوثائق الرسمية، بدا لزاماً علينا التوجّه إلى الجهات الحكومية المسؤولة عن الرقابة على نشاط هذه المصانع. لكن الإجابات جاءت متضاربة. ففي حضرموت، يقول رئيس الهيئة العامة للمصائد السمكية في البحر العربي، يسلم بابلغوم، إن بعض المصانع استمرت في الإنتاج "في تحدٍ صارخ" لقرارات الإيقاف.
خلال هذا التحقيق الاستقصائي، تبيّن لنا أن الجهات الرسمية نفسها تفتقر إلى رؤية موحّدة حول عمل مصانع الطحن، وأن هذه المصانع تواصل نشاطها المدمِّر للبيئة في مساحة واسعة من تضارب المصالح والضغوط، بينما يبقى الصيادون والبيئة البحرية الطرف الأكثر تضرراً وتعرّضاً للتهديد في هذه المعادلة
وكشف أن الهيئة العامة للمصائد السمكية في البحر العربي اضطرت إلى اللجوء إلى القضاء لانتزاع حكم بإيقاف مصنع "كنج فيشر" الذي خالف شروط الترخيص باكتفائه بوحدة الطحن دون استكمال باقي وحدات المصنع، مؤكداً أنه لم "يتم الترخيص لأي مصنع كمصنع متخصّص لطحن الأسماك". لكن بعد معاينتنا الميدانية وبعد مقابلة مع مهدي حسني، الذي يقول إنه يملكه بنسبة 100%، تبيّن لنا أن ماكينات "كنج فيشر" لا تزال تعمل.
في غضون ذلك، يقول رئيس الهيئة العامة للمصائد السمكية بالمهرة، عبد الناصر كلشات، إن مصانع الطحن تعمل حالياً ضمن إطار استثماري منظَّم، ولم تُرصد مخالفات جوهرية. وهو ما يتناقض مع تراخيص استثمار المصانع التي حصلنا عليها والتي تكشف أنها كانت لمصانع سمكية متكاملة مع طحن مخلَّفات الأسماك فقط.
وتعزّز شهادة مدير عام هيئة أبحاث علوم البحار والأحياء المائية فرع حضرموت، صبري لجرب، هذا التضارب إذ يؤكد أن "هيئة الاستثمار تصرف تراخيص لهذه المصانع وهي مصانع تضر بالأسماك وبالأخص السردين، وتتسبّب في استنزاف مخزون الأسماك الصغيرة".
كما يفيد رئيس جمعية صيادي الحسي السمكية في حضرموت، أحمد عبد الله باصر، بأن "ما لا يقل عن 30 قارباً في حضرموت تعمل بالجرف كمزود رئيسي لمصانع الطحن مباشرة"، وسط غياب أي رقابة فعلية.

وبين تصريحات بابلغوم وكلشات من جهة، وشهادات لجرب وباصر من جهة أخرى، يتّضح أن الجهات الرسمية نفسها تفتقر إلى رؤية موحّدة، وأن المصانع تواصل نشاطها المدمِّر في مساحة واسعة من تضارب المصالح والضغوط، بينما يبقى الصيادون والبيئة البحرية الطرف الأكثر تضرراً وعرضةً للتهديد في هذه المعادلة حيث يؤكد مدير الهيئة العامة للاستثمار بالمهرة، هاني بن حمدون، أن "المشكلة اليوم غياب التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية في ما يخص مصانع الطحن".
ويكشف مسار التخبّط الحكومي عن سلسلة من القرارات المتضاربة؛ ففي 12 آب/ أغسطس 2024، أصدرت وزارة الزراعة والري والثروة السمكية قراراً يقضي بـ"منع إقامة أو إنشاء أي مصانع خاصة لطحن الأسماك وتوقيف مصانع الطحن الموجودة في محافظتي حضرموت والمهرة"، غير أن هذا الموقف الحازم لم يدم طويلاً حيث شهدت الوزارة ارتداداً مفاجئاً بعد ثلاثة أشهر فقط، وأصدرت قراراً آخر في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، تحت توجيهات العضو السابق في مجلس القيادة الرئاسي ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، يقضي باستئناف عمل مصانع طحن الأسماك "مراعاةً للاستثمار، وظروف المستثمرين"، على أن يتم وضع آلية عمل لها في وقت لاحق.
قرار الوزارة جاء رغم التقارير والدراسات التي أصدرتها الجهات البحثية والتوصيات ولجان التحقيق الرسمية بضرورة إيقاف الدمار البيئي البحري من خلال إيقاف عمل مصانع الطحن العشوائي.
ورغم أن القانون اليمني يحصر قرار إنشاء وإغلاق مصانع الأسماك في يد وزير الثروة السمكية، وهو ما أوضحه وزير الزراعة والري والثروة السمكية، سالم السقطري، في قرار يكشف عن امتعاضه من تجاوز سلطته في ترخيص مصانع الطحن إلا أن القرار الأخير الصادر بتوجيه الزبيدي هو المعمول به حالياً وتتحجّج به مصانع الطحن والذي قد يزيد من عدد مصانع الطحن خلال السنوات القادمة.

ويكشف هذا التحقيق الاستقصائي أن استمرار مصانع طحن الأسماك في العمل بهذه الطريقة لا يشكِّل مجرد مخالفة قانونية، بل يمثل تهديداً حقيقياً للمخزون السمكي والتوازن البيئي على طول السواحل اليمنية، مما يفاقم الضرر وأثره المباشر على حياة الصيادين وأسرهم، إذ تعتمد آلاف العائلات على البحر كمصدر رزق وحياة يومية.
لذلك، يصبح التدخّل العاجل ضرورة ملحة، سواء عبر إيقاف المصانع المخالفة أو تحويلها إلى استثمارات سمكية متكاملة، مع فرض رقابة صارمة على الإنتاج والتصدير، ليظل البحر مصدراً للغذاء والرزق، وليتمكّن جيل الصيادين القادم من أن يرى المستقبل كما عاشه آباؤهم، حافلاً بالحياة والفرص، لا بالفراغ والاستنزاف والدمار لبيئته البحرية.
تواصل رصيف22 مع كل من وزارة الزراعة والري والثروة السمكية في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والهيئة العامة للاستثمار، والهيئة العامة للمصائد السمكية بالمهرة، ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، والسيد مهدي حسني، والسيد طلال المنهالي، لمنح الجميع حق الرد على كل ما يرد في هذا التحقيق بشأنهم من ادعاءات، ولم نتلقَّ رداً حتى نشر التحقيق.
*تم اعتماد سعر الصرف في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً (1600 ريال يمني للدولار الواحد).
*ساهم رصيف22 في تسهيلات السلامة المهنية ومتابعتها أثناء تنفيذ هذا التحقيق. كما ساهم في التحرير وتدقيق المعلومات، فضلاً عن الموافقة المسبقة على النشر باللغتين العربية والإنكليزية.
*ساهمت منظمة سيف بوكس (SafeBox) في الدعم اللوجستي وحفظ وثائق التحقيق خلال العمل الميداني على هذا التحقيق.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
