اللعنة على أصدقاء الطفولة… ما أثقل دمهم!

اللعنة على أصدقاء الطفولة… ما أثقل دمهم!

رأي نحن والحرية

السبت 14 فبراير 20266 دقائق للقراءة

قبل أسبوعين، كانت لي أمسية شعرية في العاصمة المصرية القاهرة، قرأت فيها مجموعة من القصائد، ثم نشرت فيديوهات لبعض هذه القصائد في صفحتي بفيسبوك. إحدى هذه القصائد كانت عن المصطبة الإسمنتية في حاكورة بيت الطفولة، أي بيت أهلي، وتحديداً عن اللحظة التي صُبّ فيها الإسمنت، والآثار التي طبعتها أرجل القطط وأرجل الحمام فوق الإسمنت الطري.

في القصيدة ترد جملة "ثم سقطتْ ثمرة سروٍ من فوق، وانغرس نصفها في المصطبة"، وكما هو ملاحظ فإن هذه الجملة ليست بياناً علمياً أو سياسياً ليتم تصحيح المعلومات داخلها، من أجل أن تبدو حقيقية ومطابقة للواقع وبراهينه. لكن صديقي القديم سهيل، وهذا اسمه الحقيقي على كل حال، كان له رأي آخر.

احتراماً لصديق الطفولة، سوف أكتب كما يكتب الذكاء الصناعي حين يُطلب منه أن يكون موضوعياً ومحايداً؛ جملاً مستقيمة بلا طبقات، وعواطف مقنّنة ومصنّعة كالمرتديلا، وألماً قابلاً للقياس بالمليمتر أو بسرعة النقر على الكيبورد

سهيل هذا صديق الطفولة، الصديق الذي يعرف متى بدّلت أسناني اللبنية، ومتى ضربتني أمي لأنني فضلت اللعب على الاستحمام، ويعرف ارتفاع السور المحيط ببيت أهلي، ويستطيع وصف بُقع الصدأ الموجودة على البوابة، كما ويعرف عدد المرات التي طردني فيها أبي من البيت. لماذا يعرف كل ذلك؟ لأننا في العمر نفسه، وجيران، وبالتالي أصدقاء مقربون، أما لماذا يحتفظ بهذه المعرفة غير الضرورية لمدة خمسين عاماً؟ فلأنه سافر صغيراً إلى أمريكا واحتفظ بها كذكريات جميلة من أيام الطفولة في القرية.

شاهد سهيل الفيديو المنشور في صفحتي، وسمع القصيدة، ولا أعرف إن كانت أعجبته أم لا. كل ما أعرفه أنه اتصل بأحد رجال القرية وسأله بلكنته القروية التي لا يزال يحتفظ بها كما يحتفظ بمعلوماته عني:

- أبو محمود، مش إنت اللي صبّيت الباطون في دار أبو عامر؟
أجابه الرجل بنعم.

- طيب يا زلمة مش دارهم فيها شجرة خروب، أو أنا غلطان؟
قال أبو محمود: بحسب ذاكرتي... اه والله، كلامك مزبوط.

- طيب ليش عامر بقول إنها سروة؟ سمعتله فيديو بقول فيه إنها سقطت حبّة سرو عالباطون، صحيح هالحكي؟

أجابه أبو محمود: هو انت غشيم عن عامر؟ لا هي أول ولا آخر كذبة بكذبها. يا رجل مرّة كاين كاتب إنه بحب سميرة بنت الحارة، وأنت عارف إنه ما في ولا وحدة في حارتنا اسمها سميرة. إذا بدك نصيحتي؛ سيبك منه وما تلاحقه.

أقفل سهيل سماعة الهاتف وهو مطمئن لدقة معلوماته، ثم اتصل بي ليخبرني، وليصحح معلوماتي حول الفرق بين الواقع الذي يؤكده أبو محمود عن شجرة الخروب، والكذب العلني الوارد في قصيدتي عن شجرة السرو.

فيا عزيزي الشاعر أينما كنت، لا تَخَفْ من الناقد الأدبي حتى لو "شمطك" خمسين مصطلحاً لا تفهمها وربما لا يفهمها هو، من قبيل البنيوية والتفكيكية وتشظّي السرد وأفق التلقّي وإشكالياته. فالقارئ، في نهاية المطاف، لن يعرف إن كان هذا الناقد يمدحك أو يذمك. ولا تَخفْ من عدو حاقد عليك لأن حبيبته مدحت شِعرك أمامه، بل عليك أن تخاف من صديق الطفولة لا غير، خصوصاً ذاك الصديق الذي افترقتَ عنه منذ نصف قرن، ولا يستطيع استيعاب أنك ربما تغيرت، أو نبتَ لك في رأسك قليل من الخيال.

صديق الطفولة لا تعنيه الصورة الشعرية في القصيدة، بل تعنيه صورتك الشخصية التي يحتفظ فيها داخل دماغه من أيام ما كنت تتعربش معه على شجرة الخروب. وهو لا يقيم وزناً للصدق الفني داخل أي نص أدبي، ويريدك أنت أن تكون صادقاً في سرد الأحداث. أنت صديقه، والمثل يقول: صديقك من صدَقك، فكيف تريد بجرة قلم أن تتلاعب بالأحداث وبالأشجار.

هو أرشيفك، أو بمعنى أدق، لقد أرشفك بطريقة لا يمكن الخروج عنها تحت أي عُذر، وأي خروج من طرفك، حتى وإن كان لفظياً، يستدعي تدخّله حالاً لتصحيحك. فهو مؤتمن على ذلك ويرى أنه يمتلك هذا الواجب تجاهك، ولا يرضيه أن تكون قصيدتك مزوّرة وتتسبب بفضيحة لك أمام من يعرفون شجرة الخروب في بيت أمك.

فيا عزيزي الشاعر مرةً أخرى، إن كنت تكتب لتفهم الحياة، فصديق الطفولة يقرأ ليتذكر الحياة لا ليفهمها، وعليك أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار، خصوصاً إن كنت ابن قرية صغيرة وعشت فيها كامل طفولتك. فالناس في القرية، كما تعرف، أقل عدداً من نساء قصيدتك، والأحداث أقل من شطحات خيالك، وهذه الأحداث محفوظة، بل ومحفورة في ذاكرة صديق الطفولة ولا يمكن العبث بها، حتى لو تطلّب الأمر اللجوء إلى شهادة عامل البناء. ولو كانت هذه الشهادة في غير صالحه وصالح ذاكرته، فلن يتورّع عن إحضار مصادقة ممهورة بختم المختار نفسه ليشهرها في وجهك.

لكن، للإنصاف، فإن سهيل صديق مقرّب ومحبب للقلب رغم بعد المسافة وطول الزمن، ولا يمكن وضعه بسهولة في خانة الأصدقاء الذين تجوز عليهم اللعنة. فهو لا يحب الشعر، وهذا حقه. ويحتفظ بذكريات عن حاكورة الدار وشجرة الخروب ولا يريد لـ"فذلكة" شعرية أن تشوّشها، وهذا حقه أيضاً. أقصد أن احتجاجه ينصب على ما أقوله لا على ما أفعله، وعلى طريقة وصفي للماضي لا على ما أكتبه عن الحاضر.

ولأنه كذلك، فقد قرّرت من الآن فصاعداً أن أحافظ على مشاعره، بأن أضبط مشاعري. وأن أحترم ذاكرته بأن أكبح أي خيال يمكنه أن يتسبّب لها بهامش ولو ضئيل من الخطأ. وسوف أكتب كما يكتب الذكاء الصناعي حين يُطلب منه أن يكون موضوعياً ومحايداً؛ جملاً مستقيمة بلا طبقات، وعواطف مقنّنة ومصنّعة كالمرتديلا، وألماً قابلاً للقياس بالمليمتر أو بسرعة النقر على الكيبورد.

هذا النص خالٍ من الغموض بنسبة 97% وهو مُجاز للاستهلاك في حضرة المختار وبقية أفراد عائلته

سوف أرفق لك يا صديقي دليلاً إرشادياً يحتوي على تعليمات الجهة المُصنِّعة، لكي أخلي مسؤوليتي تجاهك وتجاه عامل البناء والمختار، وتجاه أي قارئ يبحث عن الحقيقة كما هي، بعريها وسفورها ودقّة تصويب طلقاتها.

ولعل أفضل طريقة لذلك هي طريقة أفلام السينما، ولكن بشكل عكسي قليلاً، كأن أضع تحت كل قصيدة: الأحداث الواردة في هذه القصيدة كلها حقيقية، وأي شبهة خيال فيها لا يتحمل مسؤوليتها الكاتب، بل هي محض سوء فهم لا أكثر. أما إن لم تعجبك السينما فالمرتديلا يمكنها أن تفي بالغرض، فهذا النص خالٍ من الغموض بنسبة 97% وهو مُجاز للاستهلاك في حضرة المختار وبقية أفراد عائلته.

ولأننا أصدقاء، بلعنة أو بدون، فأنت تعرف أنني أستغلك لكتابة هذا النص لا أكثر، والذي يقودني الفضول لأضع تحته إرشاداً لا يتعلق بالسينما ولا بالمرتديلا، بل أسرقه من لغة الجيولوجيين: هذا النص بلا طبقات تحت السطح، فالسطح هو الموضوع، الموضوع بعينه.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image