"سوريات خرجن بأقلام حمرتهنّ" … هل يكفي المكياج لإخفاء خيبتنا؟

مدونة نحن والحرية

الجمعة 13 فبراير 20266 دقائق للقراءة

عندما كنت طفلة، كانت أمي تصر على تحذيري من الاهتمام الزائد بمظهري، ظنّاً منها أن ذلك يحدوني على الاهتمام بشخصيتي. لم تسمح لي بـ "نمص" حواجبي حتى آخر الثانوية العامة، أو بشراء المكياج بأشكاله أو بصبغ شعري.

وفي العطلة الصيفية، حين تبدأ صديقاتي بالذهاب إلى صالونات التجميل وشراء المكياجات، كانت أمي تجهز لي قائمة من كتب وأفلام عليّ إنهاؤها قبل نهاية العطلة.

أمي، نفسها التي كانت فخورة وقتها بجديتي و"تعففي" عن السطحيات والشكليات، توبخني الآن كل يوم على شكلي وشعري وعدم اهتمامي بمظهري. وباتت تشتري لي بدل الكتب والأفلام كريمات العناية بالبشرة ومستحضرات إخفاء الهالات السوداء، وباتت تستنكر بشدة عدم امتلاك امرأة مثلي لقلم حمرة واحد، كما أنها تحاول كل أسبوع إقناعي بالذهاب معها إلى صالون التجميل لأعتني بنفسي قليلاً، مصرة أن الاعتناء بالشكل قد يغني عن الحاجة إلى الطبيب النفسي.

كان من الممكن أن يستمر خلافنا هذا أنا وأمي إلى أجل غير مسمى، ربما إلى حين أصل إلى السن التي اكتشفت فيها أمي أهمية الاعتناء بالشكل، لكن حدثاً جليلاً غيّر هذا.

السيطرة على أجساد النساء

في العام 1985 انتشرت رواية The Handmaid's Tale لمارغريت آتوود. الرواية ديستوبية سياسية، تتحدث عن مجتمع اسمه جلعاد، قائم على السيطرة على أجساد النساء، بحيث إن الجسد والخصوبة والطاعة هي مقاييس قيمة المرأة.

في الرواية، تُمنع النساء من التعلم والقراءة والكتابة ومن حمل أسمائهنّ، بينما تحدد ملابسهن تبعاً لتوصيفاتهن الوظيفية: الخادمات اللواتي يتعرضن لطقس اغتصاب ديني شهري يرتدين أثواباً حمراء وقبعات بيضاء كبيرة تغطي وجوههن، زوجات القادة فاقدات الخصوبة بالأثواب الزرقاء، يشرفن على طقس الاغتصاب كجزء من واجباتهن الدينية، ولا يملكن حقاً في الرفض أو القبول، ثم المارثا، وهن النساء الأكبر سناً، واللواتي يعملن في الطبخ والتنظيف فقط يرتدين الأخضر، وهناك العمات، وهن المسؤولات عن غسل أدمغة النساء وتطويعهنّ وتبرير العنف الذي يمارس ضدهنّ باسم الدين والعفة، يرتديت البني.

في المجتمعات الأشد ذكورية وسيطرة على أجساد النساء، تتحايل النساء على القوانين والأعراف رغبة في انتزاع قليل من الحرية: القبعة بدل الحجاب، المكياج الخفيف غير الظاهر، العدسات، الأكسسوارات الظاهرة، كلها تبدو كفعل تمرد ولو بسيط على واقع القمع

الرواية مرعبة، ليس لأنها من وحي الخيال على الإطلاق، بل لأن ما تحدثت عنه آتوود حاصل فعلاً.

السيطرة على أجساد النساء باسم الدين: واجب الخصوبة، الحجاب الإجباري، الجسد كأمانة لدى السلطة وكمساحة للصراع الأيديولوجي. فالدين أصبح "شرعنة" وليس إيماناً فردياً، وجسد المرأة أصبح ساحة للحكم.

يتم تقسيم النساء تسهيلاً لقمعهنّ: محجبة، غير محجبة، متزوجة، أم مطيعة، شريفة، سيئة السمعة... فتجنّد بعض النساء لقمع الأخريات، ويصبح القمع شعبياً وليس سلطوياً فقط. وتستخدم بعض النساءكأدوات للنظام: نساء يدربن أخريات على الخضوع، معلمات يفرضن الطاعة، مذيعات يحرضن ضد الاختلاف، نساء يدافعن عن قمعهنّ. وهكذا لا يحتاج النظام إلى رجل في كل زاوية، بل يكتفي بنساء مقتنعات أن هذا القمع لصالحهنّ.

هذا ويتم محو اللغة والوعي: تقييد التعليم، مراقبة المناهج، تجريم التعبير. فعندما تفقد النساء لغتهنّ، يفقدن معها القدرة على تسمية الظلم وتحديده، والتعامل معه كشيء قابل للتغيير.

فضلاً عن استخدام الخصوبة كسلاح سياسي: تضييق على وسائل منع الحمل وكأن الأمومة واجب وطني، والمرأة دوماً هي الملامة. فهي ليست فرداً، هي مورد ديموغرافي.

ماذا عن الواقع السوري؟

أصدر محافظ اللاذقية قراراً بمنع المكياج في الدوائر الحكومية. ورغم عدم قانونية هذا القرار، أصدر المحافظ تفنيداً "أشد سخرية" من القرار نفسه، إلا أن "شرفاء" الدولة الجديدة تفانوا في تبريره بل وتعظيمه لدرجة أن أحد الأخوة طالب النساء السوريات بالاقتداء بالموظفات الألمانيات اللواتي لا يضعن المكياج والزينة أثناء العمل.

وبغض النظر من أين استقى "الأخ" معلوماته عن النساء الألمانيات بهذه الثقة، إلا أن ردود النساء السوريات أجمعت على المطالبة بالحصول على نفس حقوق النساء الألمانيات قبل طلب الاقتداء بهنّ. وهو طبعاً ما لن يحتمله عقل الأخ ولا الجهات التي يمثلها.

لم ينقض وقت طويل على هذا القرار حتى أصدرت بلدية سوق وادي بردى قراراً آخر يمنع الاختلاط في الجولات السياحية ويمنع استقبال المجموعات السياحية المختلطة، قبلها في حزيران/ يونيو 2025 أصدرت وزارة السياحة تعليمات لضبط قواعد اللباس على الشواطئ والمسابح العامة، بحيث منعت البكيني وروجت للبوركيني.

لو فعلاً قامت السوريات بتكسير علب المكياج كلها، ربما ستكون هذه الكميات كافية لتغطية النفايات المنتشرة في الشوارع وتزيين عمليات الخطف والقتل الطائفي وتجميل أسعار الكهرباء وتفتيح سواد وجوهنا من هذه الخيبة التي نعيشها

بالعودة إلى قرار منع المكياج، لا يوجد في القانون السوري ما يوضح هذا البند، ولا أعتقد أن هناك تعريفاً واضحاً له عند عموم الشعب. هل الكحل العربي يعد مكياجاً؟ هل تاتو الحواجب يعتبر مكياجاً؟ ماذا عن عمليات التجميل؟ زرع الشعر؟ الرموش اللاصقة؟ العدسات؟ كريم الأساس؟ كريمات الوقاية من الشمس؟ طلاء الأظافر؟ الأكريليك؟ خصلات الشعر؟ الباروكة؟

ما هي المرجعيات التي سيعتمد عليها من يطبق هذا القرار؟ ألا يتطلب قرار كهذا إقامة ورشات تدريبية للموظفين/ات عن المكياج؟ هل ستشرف وزيرة الشؤون الاجتماعية بنفسها على هذه الورشات؟ من سيشرح الفرق بين "الآيلاينر" وقلم تحديد الشفاه؟ ومن سيعلم استكشاف طبقات "الفون دو تان" المطابقة للون البشرة؟ هل سيتم استجلاب موظفات نساء للكشف على زميلاتهن المتبرجات؟

في المجتمعات الأشد ذكورية وسيطرة على أجساد النساء، تتحايل النساء على القوانين والأعراف رغبة في انتزاع قليل من الحرية: القبعة بدل الحجاب، المكياج الخفيف غير الظاهر، العدسات، الأكسسوارات الظاهرة، كلها تبدو كفعل تمرد ولو بسيط على واقع القمع المعيوش، وهذا تحديداً ما يعزز من لامعقولية تطبيق قرار عدم التبرّج.

صور وفيديوهات لنساء سوريات خرجن بأقلام حمرتهنّ يسخرن من محافظ اللاذقية وقراره جعلتني أوقظ أمي باكراً لأخذها إلى صالون التجميل. لقد عجّل محافظ اللاذقية من انتصار أمي.

في المقابل، انتشر فيديو لشابين سوريين يبدو عليهما الانفعال والغضب من مساحيق التجميل، فيصرخان بالنساء داعين إلى تكسيرها، بينما يقومان فعلاً بتكسير علب آيلاينر وماسكارا وطلاء أظافر.

أشاهد كل هذا وأنا أتخيل لو فعلاً قامت السوريات بتكسير علب المكياج كلها، ربما ستكون هذه الكميات كافية لتغطية النفايات المنتشرة في الشوارع وتزيين عمليات الخطف والقتل الطائفي وتجميل أسعار الكهرباء وتفتيح سواد وجوهنا من هذه الخيبة التي نعيشها.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image