مراقبة بلا قانون… الكاميرات تلاحق الفلسطينيين في كل مكان

مراقبة بلا قانون… الكاميرات تلاحق الفلسطينيين في كل مكان

حياة نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 21 يناير 202611 دقيقة للقراءة

*أُنتج هذا التقرير بدعم من أريج.

على مدار أكثر من عامين، تحاول فتحية رشيد (اسم مستعار)، من حي عين منجد بمدينة رام الله، انتزاع حقها في الخصوصية، بعد أن وجه جيرانها كاميرا مراقبة نحو مدخل منزلها وحديقتها بشكل مباشر و"متعمد"، على حد قولها.

لجأت فتحية (67 عاماً)، التي تسكن في الطابق الأرضي إلى القضاء الفلسطيني في سبيل الحصول على حقها بالخصوصية، بعدما حاولت مراراً حل الأمر ودياً مع الجيران الذين يسكنون في الطابق الأول من البناية المقابلة، وإقناعهم بإزالة الكاميرا أو تغيير وجهتها على الأقل، ولكن من دون جدوى؛ ما جعلها تلجأ في البداية إلى وضع أغطية كبيرة "شوادر" على مدخل البيت علّها تحجب المشهد. لكنّ الجيران أعادوا تثبيت الكاميرات بارتفاع أعلى، لتظل العدسة مصوبة على بابها مباشرة. "الانتهاك كان مقصوداً، مش صدفة"، تقول فتحية.

تتابع: "تخيلي حياتك كلها مسجّلة، أي ساعة بطلع وأي ساعة بدخل، حتى لو بدي أنزل عالجنينة لازم أكون لابسة ومتحجبة كأني برا (خارج) البيت، ما بقدر أوقف على البلكونة ولا أتحرك براحة".

معاناة فتحية رشيد استمرت لعامين، إذ تم تكليف خبير هندسي بالتوجه إلى المكان ومعاينته، وبناء على تقرير الخبير الذي أكد أن الكاميرا تكشف مدخل البيت بشكل مباشر، صدر قرار قضائي بإزالتها، وتعويض فتحية بمبلغ مالي عن الأضرار وتكاليف الأغطية.

"تخيّل حياتك كلها مسجّلة"... تقرير يرصد اتساع ظاهرة كاميرات المراقبة في الضفة الغربية المحتلة، وتحولها إلى مصدر لانتهاك الخصوصية الفردية، في ظل فراغ قانوني واضح

لكن حتى قرار المحكمة لم يُنفذ طوعاً. تضيف فتحية: "الجيران ما ردوا على الحكم، بالنهاية اضطرت الشرطة تيجي وتشيل الكاميرات بنفسها".

تقول فتحية إن قصتها تكشف فراغاً قانونياً، فبالنسبة لها، القضية لم تكن مجرد نزاع جيرة، بل انتهاك لحق أساسي في الخصوصية، تضيف: "كنت بتمنى يصدر قرار حاسم بهذا الموضوع، لأنه مش بس الناس بتستغلها عشان مآربها الخاصة، كمان العدو يستغل الكاميرات".

وبالرغم من أن المحكمة أنصفتها، ترى فتحية أن الحكم غير كاف، مبينة أنه من غير المعقول أن يذهب كل مواطن إلى القضاء ويقف أمام المحاكم لسنوات فقط من أجل انتزاع حقه بالخصوصية، الأصل أن يكون هناك قانون واضح يمنع نصب كاميرات تنتهك خصوصية الناس، لأن البيوت لها حرمة، وفق قولها.


قرار المحكمة العليا الفلسطينية في القضية المرفوعة من قبل فتحية رشيد بخصوص كاميرات المراقبة الموجهة نحو منزلها.

كاميرات في كل مكان... وقانون طي الكتمان

خلال السنوات الأخيرة، انتشرت كاميرات المراقبة بشكل كبير في الضفة الغربية المحتلة، خاصة مع توفر كاميرات بأسعار رخيصة في السوق، لا تزيد أحياناً على 50 دولاراً، وهو ما أسهم في نشر هذه الكاميرات في الشوارع، وفي أماكن العمل وحتى في البيوت، فلم يعد الأمر يتعلق بالحفاظ على الأمن والحماية من السرقات وغيرها فحسب، بل أصبحت بيوت كثيرة في المدن والقرى والمخيمات تنصب هذه الكاميرات بشكل عشوائي، من دون أي مراعاة لخصوصية السكان في المنطقة، ولا لخطر استغلال تسجيلات هذه الكاميرات لأغراض أخرى من أي جهة كانت، وسط غياب أي إطار قانوني ينظم استخدام هذه الكاميرات، بشكل يكفل عدم انتهاك الخصوصية.

عام 2021، أحالت الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية مشروع قانون إلى الرئيس محمود عباس، لتنظيم استخدام كاميرات المراقبة، من دون اطلاع أو مشورة أحد كما يؤكد حقوقيون، وبقي المشروع طي الكتمان. يسلط هذا التقرير الضوء على مخاطر الكاميرات على خصوصية الأفراد، وسط تلكؤ الحكومة الفلسطينية في تنظيم هذا الفضاء.

الشر من شرارة

"الشر من شرارة"، هكذا يقول المثل الفلسطيني، ولكن الشرارة أيضاً قد يتسبب بها غياب القانون، ما يفسح المجال أمام البعض لانتزاع حقوقهم بأيديهم. قد يكون هذا ما حصل في حادثة حريق مصنع "رويال" بمدينة الخليل، وفقاً للروايات الصادرة عن جهات مختلفة.

مساء السابع والعشرين من شباط/ فبراير عام 2024، أتت النيران على المصنع المختص بإنتاج المواد البلاستيكية والأدوات الصحية. استغرقت أجهزة الدفاع المدني ثلاثة أيام حتى استطاعت إخماده بالكامل.

حريق مصنع رويال في مدينة الخليل - المصدر: وكالة وفا.

قبل يومين من الحريق، وجد أحد جيران المصنع، أن إحدى كاميرات المراقبة في المصنع موجهة نحو منزله، فتواصل مع أصحاب المنشأة وطلب منهم إزاحة الكاميرا إلى الزاوية المعاكسة، لكنّهم لم يستجيبوا لطلبه، ونفوا أن تكون الكاميرا تصور بيت عائلته، وفق قوله. واعترف في حديثه أنه قام بتحطيم الكاميرا. كان ذلك في اليوم نفسه الذي اندلع فيه حريق المصنع، بحسب اعترافه.

حل صباح اليوم التالي من دون أي تغيير على زاوية كاميرا المراقبة المقصودة في مصنع رويال. عند الساعة الحادية عشر صباحا حطم جار المصنع (ع. ب) كاميرا المراقبة، ومن ثم عاد إلى بيته، وفق ما أظهرته تسجيلات الكاميرا نفسها.

رغم ذلك، ينفي البكري أن يكون لعائلته يد في حريق "الرويال" الضخم، فيما يتهم أصحاب المصنع عائلة البكري بالتسبب بالحريق. القضية الآن منظورة أمام القضاء الفلسطيني.

مازن زغير، أحد أصحاب مصنع الرويال، ونائب رئيس مجلس الإدارة، عقب على حادثة الكاميرا التي رواها البكري، بأنها شكوى "كيدية"، ونفى أن تكون كاميرا المراقبة الخاصة بالمصنع انتهكت خصوصية أحد.

وجود مصنع "الرويال"، الممتد على نحو 88 ألف متر مربع، ويشغّل قرابة 700 عامل داخل منطقة سكنية، وفي ظل غياب قانون ينظم تركيب كاميرات المراقبة واستخدامها، فاقم الخلاف بين الطرفين.

هذا إلى جانب الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي خلّفها الحريق، وطالت جميع الأطراف المعنية بالمصنع، وفي مقدمتهم العاملون الذين يعولون أسرهم من خلال العمل فيه. وفي مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حصل المصنع على تعويض من شركة التأمين قُدّر بنحو 8 ملايين دولار.

أماكن العمل... بالصوت والصورة

لدى سؤال المستطلعين عن وجود كاميرات للمراقبة في أماكن عملهم،

تروي (هـ. غ) تجربتها مع تقييد كاميرات المراقبة حريتها في مكان عملها، تقول: "كنت أعمل في محل ملابس في بلدة كفر عقب (قرب القدس)؛ المحل عبارة عن طابقين، وفي كل زاوية في المحل هناك كاميرات، ولم يكن في المحل مكان للموظفات من أجل الصلاة أو تناول الطعام، أو الاستراحة".

لاحقاً، اضطرت هبة إلى ترك العمل وخسارة مصدر رزقها بسبب عدم شعورها بالارتياح، بفعل الكاميرات.

أدى غياب تشريع ناظم إلى نزاعات اجتماعية، وضغوط نفسية، وخسائر اقتصادية، ومخاوف من الاستغلال الأمني والابتزاز الرقمي. ورغم اعتراف الجهات الرسمية بوجود مشروع قانون منذ عام 2021، فإنه بقي طي الكتمان، وسط تخوفات حقوقية من أن يأتي على حساب الحريات العامة

تقول (غ. ج)، موظفة سابقة لدى إحدى الشركات في شمال غرب رام الله، إن مديرها في العمل كان يحاسبها على حديثها الخاص مع زملائها وزميلاتها، في أوقات لم يكن فيها طرف ثالث للجلسة سوى كاميرات المراقبة، وهذا ما جعلها تتأكد أن تلك الكاميرات لا تلتقط الصورة فقط بل الصوت أيضاً.

تضيف: "في البداية الكاميرات لم تكن تسجل إلا الصورة، ولكن بعد فترة 7 أشهر من العمل تم تبديل الكاميرات". تتابع: "فش خصوصية أبداً الاشي مش مريح، وبأثر في حبك للعمل وشعورك تجاهه".

محال تجارية تراقب زبائنها من دون تنويه واضح بوجود كاميرات.

فراغ قانوني

تحدث هذه المراقبة في أماكن العمل وسط فراغ قانوني لم يعالجه قانون العمل الفلسطيني لعام 2000؛ لأن "الكاميرات لم تكن منتشرة بالشكل الذي هي عليه اليوم"، وفق مدير عام الدائرة القانونية في وزارة العمل، جهاد شروف.

يقول شروف إنه كان من المفترض أن يعالج هذه القضايا مشروع قانون كاميرات المراقبة الذي أحالته الحكومة السابقة إلى الرئيس، ولكن هذا القانون لم تتم المصادقة عليه.

إيجابيات لا يمكن إغفالها

وفي الوقت الذي أسهمت فيه كاميرات المراقبة، في كثير من الأحيان، بحفظ الحقوق خاصة لدى وقوع الشجارات أو حالات السرقة، فإن هذا يدعم أهمية وجود قانون ناظم لنصب كاميرات المراقبة، ولكن بطريقة تضمن عدم انتهاك خصوصية الأفراد والمساس بها.

رغم المخاوف… كاميرات المركبات أداة لتوثيق الحوادث.

كاميرات المراقبة وأدلة انتهاك الخصوصية

في ظل غياب القانون، تلجأ شركات لبيع وتركيب كاميرات المراقبة، إلى نشر صور -لمنازل ومرافق خاصة مأخوذة من تسجيلات الكاميرات- عبر صفحاتها التسويقية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ ما قد ينطوي على انتهاك للخصوصية في حال عدم أخذ إذن أصحاب تلك الكاميرات.

صور من مناطق مختلفة من الضفة الغربية نشرتها إحدى الشركات كأداة تسويقية لجودة كاميراتها.

عرضنا هذه الصور على الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، عمار جاموس، الذي قال إن "عدم وجود قانون ينظم تركيب كاميرات المراقبة واستخدامات تسجيلاتها لا يعني استباحة الأمور، وأنه يمكن انتهاك حقوق الآخرين وحرمة حياتهم الخاصة؛ فهذا يُعدّ جريمة يعاقب عليها القانون وفقا للمادة 32 من القانون الأساسي الفلسطيني، وبموجب المادة 22 من قرار بقانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية وتعديلاتها، الذي ينص على أن هناك حظراً للتدخل التعسفي في خصوصية الآخرين".

المراقبة واسعة النطاق تنتهك الخصوصية

في معرض إجابتهم عن سؤال: هل تعتقد أن انتشار كاميرات المراقبة في الأماكن العامة والخاصة في الضفة الغربية يقيد الحريات العامة؟ أجاب 37 شخصاً من المستطلعين بـ"نعم"، فيما كانت إجابة 45 شخصاً "نوعاً ما"، في حين يرى 47 شخصاً أن انتشار الكاميرات لا يقيد الحريات العامة. في المقابل، يرى 72% من عينة الاستبيان، أن كاميرات المراقبة المنتشرة في الضفة تُستخدم لأغراض أخرى غير الحفاظ على السلامة العامة.

من ناحية ثانية، يرى 65% أن وجود قانون ينظم تركيب كاميرات المراقبة واستخدامها في الضفة الغربية سيجعلها أقل انتهاكاً للخصوصية، مقابل 18% يرون أن القانون لن يساعد على ذلك، في حين أن 17% لا يعلمون إن كان القانون سيجعل الكاميرات وتسجيلاتها أقل انتهاكاً لخصوصية الأفراد.

لا تقتصر المخاوف من انتهاك الخصوصية على الكاميرات في البيوت والشوارع وأماكن العمل، بل تتعداه إلى تلك الموجودة في المحال التجارية، خصوصاً في مراكز المدن، لا سيما أن التسجيلات تكون عرضة للمراقبة من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية، أو المصادرة من قبل الجيش الإسرائيلي

وفي تعليقه على حالة الفراغ القانوني، رغم الانتشار غير المحدود للكاميرات، قال مدير مركز الاتصال الحكومي محمد أبو الرب، إن "هناك مجموعة من القرارات بقوانين ذات الأولوية، يجري العمل عليها من خلال لجنة قانونية مختصة، ولكن مشروع قانون كاميرات المراقبة ليس من بينها حتى الآن".

تخوفات

يرجح جاموس أن مشروع القانون المتعلق بكاميرات المراقبة، الذي لم يعرض على الهيئة المستقلة كممثلة عن المجتمع، ووُضعت مسودته في غرف مغلقة، يأتي استكمالاً لسياسة تضييق أفق الحريات العامة، كما حصل مع قانون الجرائم الإلكترونية الذي أثار الرأي العام الفلسطيني لدى إقراره، وفق قوله.

لهذا أبدى جاموس تخوفاً من أن يكون "مشروع القانون" قد صيغ بطريقة تمنح الجهات المعنية سلطات إضافية في التضييق على الحريات، عبر سطوتها على كاميرات المراقبة وتسجيلاتها.

عرضة للمصادرة

لا تقتصر المخاوف من انتهاك الخصوصية على الكاميرات في البيوت والشوارع وأماكن العمل، بل تتعداه إلى تلك الموجودة في المحال التجارية، خصوصاً في مراكز المدن، لا سيما أن التسجيلات تكون عرضة للمراقبة من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية، أو المصادرة من قبل الجيش الإسرائيلي.

فعلى مر السنوات، استخدم الجيش الإسرائيلي كاميرات المحال التجارية لاعتقال مَن يتهمهم بتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية. ففي كل حادثة تقع تتم متابعة خط الكاميرات على طول الطريق، حيث أثبتت حالات عديدة أن تسجيلات الكاميرات أسهمت في مساعدة إسرائيل على اعتقال فلسطينيين.

سهلة الاختراق

وفق نتائج الاستبيان، يرى 46% من المستطلعين أن الكاميرات المنتشرة في الضفة الغربية بشكل عام، رديئة الجودة وسهلة الاختراق، مقابل 54% يرون أنها ذات جودة متوسطة وتحتاج إلى خبرات خاصة لاختراقها.

تؤكد الخبيرة في مجال الأمن الرقمي، راية شاربين، أن كاميرات البيوت والمحال (يطلق عليها كاميرات CCTV)، تعمل عادة بنظام "اسم المستخدم وكلمة المرور"، مضيفة أن الشخص الذي يشتري هذه الكاميرا يضع كلمة المرور لمرة واحدة فقط ولا يقوم بتغييرها غالباً، وإن فعل ذلك يكون على فترات متباعدة؛ لذا يسهل اختراقها.

ليس هذا فحسب، تقول راية إن هناك مواقع إلكترونية يقوم عملها على اختراق كاميرات المراقبة وسرقة تسجيلاتها من أجل التسلية والترفيه، ولكنهّا قد تعرض أصحاب الشأن للابتزاز والتهديد، في إشارة لسهولة اختراق هذه الكاميرات وانتهاك خصوصية أصحابها.

من جانبه، يقول مهندس الدعم الفني والصيانة في شركة هايك فيجين للكاميرات محمود الحيح، إنه ليس من الضروري امتلاك "الهاكر" أو مخترق أنظمة الرقابة موهبة وذكاء، حتى يتمكن من اختراق أنظمة الكاميرات، مشيراً إلى أن طالباً في سنته الجامعية الأولى باستطاعته اختراق نظام الحماية الخاص بك، إذا كان يعرف أساسيات الاختراق.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image