في أحد صفوف الحسكة، تنتشر البطانيات على الأرض حيث كانت مقاعد الدراسة مصطفة قبل أسابيع، وعلى السبورة تتداخل بقايا معادلات رياضية مع قوائم بأسماء العائلات النازحة، أما في الزاوية، فتجلس طفلة تمسك دفتراً مهترئاً، ترسم بيتاً تعلوه شمس مشرقة، وتقول أمها: "كانت تنتظر بداية العام الدراسي، أما الآن فلا تعرف سوى الانتظار".
الثمن يتراكم بصمت
هذا المشهد لا يخص مدرسة واحدة، ولا موجة نزوح واحدة، فهو يتكرر في شمال شرق سوريا مع كل موجة خوف جديدة، من الشيخ مقصود إلى الأشرفية، إذ تهرب العائلات من الطبقة والرقة وكوباني نحو مدن الحسكة بحثاً عن أمان هش، لتجد نفسها أمام معادلة قاسية: المأوى أولاً، الغذاء ثانياً، أما التعليم فيُرحّل إلى أجل غير مسمى.
التأجيل ليس قراراً جديداً، فكثير من الأطفال الذين يصلون اليوم سبق أن نزحوا قبل سنوات، وفقدوا أعوامهم الدراسية بين مكان وآخر، وتعلموا أسماء المدن أكثر مما تعلموا أسماء الدروس، فالنزوح لا يسلب المكان فقط، بل يسلب فكرة الاستقرار كحق ممكن، ويحوّل الانتقال من حدث طارئ إلى نمط حياة، وحين تتحول المدارس إلى ملاجئ، لا نفقد مبنى فحسب، بل نخسر أحد آخر الفضاءات المنظمة في مجتمع منهك.
في الزاوية، تجلس طفلة تمسك دفتراً مهترئاً، ترسم بيتاً تعلوه شمس مشرقة، وتقول أمها: "كانت تنتظر بداية العام الدراسي، أما الآن فلا تعرف سوى الانتظار"
المدرسة تمنح الوقت إيقاعاً ومعنى: بداية ونهاية، نجاحاً ورسوباً، خطة للغد، وحين يختل هذا الإيقاع، تتراجع الثقة بأن المستقبل يمكن بناؤه بخطوات ثابتة، والانقطاع عن الدراسة لا يعني خسارة عام دراسي فقط، بل اهتزاز الهوية، والطالب الذي كان يعرف نفسه من خلال صفه ونتائجه وأصدقائه، يجد نفسه فجأة بلا إطار، ومع مرور الوقت، تصبح العودة أصعب، لأن المسافة لم تعد زمنية فحسب، بل نفسية واجتماعية أيضاً.
التعليم… فرصة بعيدة المنال
بالطبع، قد يبدو اختيار المدارس كمراكز في شمال شرق سوريا حلاً عملياً في لحظة الطوارئ، لكنه يكشف ترتيباً صارخاً للأولويات ويعكس غياب خطط طوارئ تعليمية مستدامة قادرة على حماية الحق في التعلم حتى في أقسى الظروف. يصبح التعليم أول ما يُضحى به، وكأنه قطاع يمكن تعليقه دون ثمن، لكن الثمن يتراكم بصمت: فجوات معرفية، تسرب مدرسي، فرص ضائعة، تعليق التعليم ليس إيقافاً للدرس فقط، بل تقليص لمسارات المستقبل الممكنة لجيل كامل.
وفي البيوت المكتظة في الحسكة والقامشلي، حيث تتقاسم عائلات عدة غرفة واحدة، يغدو الحديث عن "بيئة تعليمية مناسبة" ترفاً نظرياً، وهنا يبرز السؤال: هل التعليم خدمة قابلة للتأجيل، أم حصن يحمي المجتمع من التفكك البطيء؟
كثير من الأطفال سبق أن نزحوا قبل سنوات، وفقدوا أعوامهم الدراسية بين مكان وآخر، وتعلموا أسماء المدن أكثر مما تعلموا أسماء الدروس، فالنزوح لا يسلب المكان فقط، بل يسلب فكرة الاستقرار كحق ممكن، ويحوّل الانتقال من حدث طارئ إلى نمط حياة
لكن الخطر اليوم لا يكمن في إغلاق المدارس مؤقتاً فحسب، بل في اعتياد غيابها. فمع الوقت، يتحول الانقطاع إلى واقع شبه دائم، ويتراجع التعليم من حق مضمون إلى فرصة بعيدة المنال، والأجيال لا تنتظر استقرار الأوضاع كي تكبر، بل قد تكبر وهي تفتقد الأدوات التي تؤهلها لإعادة بناء ما ضاع.
أما المراهقون، فيقفون عند مفترق أكثر حساسية، هم لا يبحثون عن دفتر وقلم فقط، بل عن معنى وهوية، كانت المدرسة تمنحهم مساراً واضحاً: نجاحاً، نشاطاً، حلماً قابلاً للتخيل، وحين تتعطل هذه المسارات، يملأ الفراغ خطاب سريع يقدم انتماءً جاهزاً في بيئة مثقلة بالقلق واليأس، وعندها يصبح التعليم أكثر من خدمة عامة؛ يصبح خط دفاع مجتمعياً أساسياً.
"بعض الحقوق قابلة للتأجيل"
المدن المستقبلة للنزوح تعمل فوق طاقتها: صفوف مكتظة، كوادر منهكة، موارد شحيحة، حيث تُعتمد حلول مؤقتة: دوام مزدوج، مدارس منازل، مبانٍ غير مهيأة، لكن "المؤقت" في السياق السوري يميل إلى الاستمرار، والسؤال لم يعد كيف ندير الأزمة، بل كيف نمنع تحول التعليم إلى إرث ضائع؟
إن لم يُحمَ التعليم في زمن الهشاشة، فلن يكون استعادته سهلة حين تهدأ العواصف، لأن أخطر ما في النزوح ليس فقدان الجدران، بل أن يكبر جيل كامل وهو يعتاد غياب المدرسة، وحين يصبح الغياب طبيعياً، يصبح المستقبل نفسه صفحة بيضاء في دفتر طفلة
النزوح ليس ملفاً إغاثياً عابراً، بل اختبار بنيوي لفكرة المجتمع نفسها، فطريقة التعامل مع التعليم في زمن الأزمات تكشف كيف نرتب الحقوق والأولويات، وإذا كانت المدرسة أول ما يُضحى به، فإن الرسالة التي تصل إلى الأطفال واضحة: بعض الحقوق قابلة للتأجيل، وبعض مسارات المستقبل قابلة للإلغاء.
في الصف ذاته في الحسكة، لا تزال الطفلة ترسم بيتها وشمسها الواسعة، قد لا تعرف شيئاً عن السياسات أو خطط الطوارئ، لكنها تعرف أنها تريد العودة إلى مقعدها، والقضية هنا ليست عاطفية فقط، بل مصيرية: إن لم يُحمَ التعليم في زمن الهشاشة، فلن يكون استعادته سهلة حين تهدأ العواصف، لأن أخطر ما في النزوح ليس فقدان الجدران، بل أن يكبر جيل كامل وهو يعتاد غياب المدرسة، وحين يصبح الغياب طبيعياً، يصبح المستقبل نفسه صفحة بيضاء في دفتر طفلة، ترسم عليها بيتاً قد لا تعود إليه أبداً.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
