مصر بين 2013 و2025… فضاء مدني مقيّد وسلطة تسيطر على كل شيء

مصر بين 2013 و2025… فضاء مدني مقيّد وسلطة تسيطر على كل شيء

سياسة نحن والحقوق الأساسية نحن والحرية

الأربعاء 11 فبراير 202611 دقيقة للقراءة

في نيسان/ أبريل 2018، ألقت قوات الأمن المصرية القبض على المدوّن والمصوّر الصحافي المصري محمد إبراهيم، الشهير بـ"محمد أكسجين". أُخفي قسرياً لأيام عدة ثم ظهر في قسم قصر النيل، قبل أن يُغيّب مرةً أخرى أياماً عدة ويظهر أمام نيابة أمن الدولة التي قرّرت حبسه 15 يوماً على ذمة التحقيق، في تهم "نشر أخبار كاذبة، والانضمام إلى جماعة إرهابية"، على ذمة القضية رقم 621 لسنة 2018.

خلال فترة احتجازه، تعرّض أكسجين للتعذيب البدني في مقر "الأمن الوطني" في العباسية، وقبع في ظروف احتجاز غير إنسانية حيث مُنع أهله من زيارته أو توصيل مواد غذائية وملابس له في أثناء الزيارات الدورية، وهو ما جعله يُضرب عن الطعام.

وفي 22 تموز/ يوليو 2019، استُبدل الحبس الاحتياطي بتدبير احترازي، يُعرف بـ"المراقبة". وبعد شهرين، اندلعت في القاهرة تظاهرات شعبية محدودة تطالب برحيل نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، فقام أكسجين بتغطيتها عبر الحسابات الإلكترونية التي يديرها، فاحتجزته الأجهزة الأمنية وغيّبته قسرياً حتى ظهر متّهماً في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 أمام نيابة أمن الدولة العليا، خلال التحقيق معه على ذمة قضية جديدة، رقم 1356 لسنة 2019 حصر نيابة أمن الدولة العليا، بنفس تهم القضية السابقة.

ظلّ أكسجين محبوساً احتياطياً حتى استُبدل الحبس الاحتياطي بتدبير احترازي، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وهو القرار الذي لم تنفّذه الأجهزة الأمنية التي أخفت محمد مرةً أخرى وقامت بـ"تدويره" إذ ظهر متّهماً في قضية ثالثة جديدة، رقم 855 لسنة 2020 حصر نيابة أمن الدولة العليا، بالاتهامات السابقة نفسها.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، اتهم أكسجين في قضية جديدة -من داخل سجنه هذه المرة- وهي القضية رقم 1228 لسنة 2021، بنفس التهم. وفي 20 كانون الأوّل/ ديسمبر 2021، قضت محكمة جنح أمن الدولة طوارئ بمعاقبة أكسجين وزملائه بالسجن لمدة 4 سنوات، وبغرامة مالية قدرها 200 ألف جنيه (أكثر من 4،000 دولار أمريكي وفق سعر الصرف الآن).

لكنه لم يغادر السجن بانتهاء مدة محكوميته حيث أُعيد "تدويره" مرةً أخرى…

"إدارة الفضاء العام عبر الردع قبل المنع، والزمن كأداة استنزاف، والامتداد الرقمي للقيد"... كيف عمل نظام الرئيس السيسي على تقييد الفضاء الرقمي بين عاميّ 2013 و2025، وتقييد الحقوق التي يقوم عليها أيّ فضاء مدني حيّ؟

"منظومة تقييد"

الاستهداف المتكرّر لأكسجين من أبرز نماذج قمع مستخدمي الإنترنت في مصر، خلال سنوات حكم الرئيس السيسي، حيث استهدف مئات الناشطين/ ات بسبب نشاطهم/ن الرقمي، وهو من بين وقائع كثيرة وردت في تقرير منظمة "هيومينا" لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية، وهي منظمة إقليمية غير ربحية وغير حزبية تعمل في مجال حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والصادر تحت عنوان "سنوات الحصار... وضع الفضاء المدني في مصر خلال الفترة من 2013 إلى 2025"، في 9 شباط/ فبراير 2026.

يشير التقرير، الذي يخصص مساحةً مهمةً للفضاء الرقمي بوصفه جزءاً لا ينفصل عن منظومة التقييد، إلى أن "السيطرة على ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي اتخذت شكلاً ممنهجاً عبر تعقّب وحبس أشخاص على خلفية محتوى يتضمن انتقاداً لأداء السلطات، بجانب أنماط من التدخّل المباشر في الحياة اليومية، من بينها توقيف مواطنين/ ات وتفتيش هواتفهم/ن في الشارع بحثاً عما يُنشر أو يُتبادل من رسائل، بما يشمل محتوى سياسي معارض، وهو ما كان في حالات موثّقة كافياً للقبض على صاحب/ ة الهاتف".

لا يكتفي التقرير برصد ما جرى خلال السنوات تلك في الفضاء الرقمي، بل يقدّم سرداً لوقائع متفرقة، متتبّعاً كيف تداخلت أدوات متعددة لإنتاج قيود ممتدة على الفضاء العام، عبر التشريع، والملاحقات القضائية، والإجراءات الإدارية، وامتداد ذلك إلى الفضاء الرقمي، ويفكّك أنماطاً متكررةً في إدارة الفضاء العام بين 2013 و2025، من بينها الردع قبل المنع، والزمن كأداة استنزاف، والامتداد الرقمي للقيد.

كما ينطلق من الحقوق التي يقوم عليها أيّ فضاء مدني حيّ، وعلى رأسها حرية التعبير، والحق في التجمّع السلمي، وحرية تكوين الجمعيات، ليبيّن كيف تمّت إعادة تعريف حدود "المسموح" عملياً، وتحويل المشاركة العامة إلى مجال عالي الكلفة.

البيئة التشريعية

ينطلق التقرير في رصده التشريعات التي واكبت تقييد الفضاء العام، من أهمّ تغيير تشريعي في ظلّ النظام السياسي الحالي، وهو صدور دستور عام 2014 في نسختيه الأولى والمعدلة، والذي ضمّ مكتسبات عدة منها الاعتراف بحق تأسيس الجمعيات بالإخطار، وحرية تكوينها وإدارتها، وأقرّ بحق وحرية تداول المعلومات، وحرية التعبير، وحظر الرقابة على الصحف، وغيرها من مواد الحقوق والحريات، غير أنّه لم يخلُ من الثغرات والمشكلات، وأبرزها عدم حظر المحاكمات العسكرية للمدنيين.

ثم أُقرّت تعديلات متعددة على الدستور تضمّنت ما يعصف بما تبقى من استقلال القضاء، إذ منحت لرئيس الجمهورية حق تعيين رؤساء الهيئات القضائية، والتحكم في تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وهيئة تنظيم الانتخابات، فضلًا عن تعزيز امتيازات المؤسسة العسكرية وهيمنتها على السلطات المدنية في مصر.

إلى ذلك، أصدرت السلطة مجموعةً من التشريعات بهدف محاصرة المجال العام وتفريغه من كلّ أشكال الأعمال الاحتجاجية، في طليعتها القانون رقم 107 لسنة 2013 الخاص بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية والمعروف إعلامياً بـ"قانون التظاهر" الذي يضع قيوداً تعسفيةً على التجمع والتظاهر السلمي، وبموجبه "اعتقل مئات المتظاهرين بحجة عدم الحصول على تصريحات من الجهات الأمنية المعنية بالتظاهر".

أفرغت النصوص الدستورية من معناها واعتدت بشكل تعسفي على الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين/ات، وخالفت كذلك الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان… كيف لعبت التشريعات، في عهد الرئيس السيسي، دوراً رئيسياً في تقييد حرية الفضاء المدني في مصر؟

وخلص التقرير إلى أنّ "التشريعات لعبت دوراً رئيسياً في تقييد حرية الفضاء المدني في مصر"، من خلال عدد من القوانين الجديدة مثل قانون جرائم تقنية المعلومات، قانون تنظيم العمل الأهلي، مجموعة قوانين مكافحة الإرهاب وغيرها.

كذلك، أفرغت هذه التشريعات النصوص الدستورية من معناها واعتدت بشكل تعسفي على الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين/ات، وخالفت كذلك الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي تحمي هذه الحقوق، والتي تلتزم بها السلطات في مصر أمام المجتمع الدولي.

حرية الصحافة

على صعيد حرية الصحافة والإعلام، يكشف التقرير تغيّر خريطة ملكية وسائل الإعلام الرئيسية في مصر كلياً ليصبح معظمها مملوكاً أو خاضعاً لأجهزة أمنية، أو لمقرّبين منها، بعد شراؤها عبر شركات مملوكة بشكل مباشر لأجهزة أمنية مصرية، أو مملوكة لأشخاص مقرّبين من النظام السياسي، مما أثّر بشكل مباشر على موضوعية المحتوى المقدّم عبرها.

وتعرّضت بعض المنصات الإعلامية التي حاولت الحفاظ للاستهداف ولقيود متعددة مثل حجب مواقعها مثل "مدى مصر" و"المنصة". كما استُهدفت قيادات تلك المنصات وعدد من صحافييها بالملاحقة القضائية لبعضهم، والقبض وحبس البعض الآخر لفترات طالت أحياناً لسنوات. ويضع التقرير هذه التحولات ضمن سياق أوسع من الضبط المؤسسي للمجال الإعلامي، بما ينعكس على الحق في تداول المعلومات وعلى قدرة الجمهور على الوصول إلى تغطيات مستقلة ومتنوعة.

التجمّع السلمي والاحتجاج

سيطرت السلطات الرسمية أيضاً على المجال العام مادياً من خلال قمع كلّ أشكال الاحتجاج السلمي، كالتظاهر، والتي تتضمن معارضةً أو انتقاداً لتلك السلطات، وحبست لسنوات، مئات الأشخاص بتهم ترتبط بممارستهم التظاهر السلمي، أو فقط الدعوة للتظاهر.

ويضع التقرير هذه السياسات ضمن "مسار أوسع لتقليص إمكانية التجمع والتنظيم والحضور العلني، بما ينعكس على قدرة الفاعلين/ ات على بناء أشكال تضامن وحشد سلمية وعلى إمكانية التعبير الجماعي في المجال العام".

المشاركة السياسية

أما عن المشاركة السياسية في الانتخابات بوصفها ساحةً أساسيةً من ساحات الفضاء المدني، فـ"العمليات الانتخابية التي جرت خلال السنوات الماضية شهدت أشكالاً متعددةً من التدخل لضمان مخرجات بعينها، بما يشمل شراء الأصوات، وعرقلة ترشّح أشخاص محدّدين، وحبس كوادر أحزاب وحركات سياسية، وإجهاض محاولات تشكيل تحالفات انتخابية، والتلاعب بنتائج العمليات الانتخابية"، بهدف ضمان تشكيل معين للمجالس المنتخبة، تكون فيه الأغلبية للمؤيدين للنظام السياسي، وضمان استبعاد أي صوت معارض جاد من التواجد في مقاعد السلطة.

هذه الممارسات هي جزء من بيئة أوسع تضعف التنافسية وتحدّ من فرص الصوت المعارض الجادّ في الوصول إلى مواقع التمثيل، وتعيد إنتاج الحياة السياسية داخل حدود مرسومة سلفاً، وهو ما ينطبق على كل العمليات الانتخابية التي جرت في مصر ما بعد 3 تموز/ يوليو 2013.

التنظيمات السلمية

التنظيمات السلمية، بما فيها الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات والحركات الاجتماعية، واجهت قيوداً تتعلق بعملية التسجيل واكتساب الشخصية القانونية، وتدخّلات في أنشطتها وعملها. مثلاً، عانت نقابات من السيطرة عليها من خلال تمكين أشخاص بعينهم من الوصول إلى مقاعد السلطة فيها، والتضييق على آخرين ومنعهم من المنافسة في انتخاباتها الداخلية. القيود في هذه الحالة، لم تكن عبر المنع المباشر فحسب، بل عبر إعادة تشكيل شروط الوجود القانوني والقدرة على العمل والاستمرارية، بما يجعل التنظيم السلمي نفسه هشّاً وقابلاً للتعطيل في أي لحظة.

المنظمات الحقوقية وحقوق الإنسان

منظّمات حقوق الإنسان، كان لها نصيب وافر من التقييد والقمع أيضاً، إذ جرت ملاحقة عدد منها قضائياً، وصدرت أحكام غيابية بالحبس في حق عدد من قادتها. هذه الفئة كانت من بين الأكثر تعرّضاً للتقييد والاستهداف خلال الفترة سالفة الذكر. فطالت ملاحقات قضائية منظمات وقادة بارزين في هذا المجال، وصدرت أحكام غيابية بالحبس في بعض القضايا، إلى جانب إجراءات إدارية وقضائية تمثلت في المنع التعسفي من السفر وتجميد الأموال والإدراج على قوائم الإرهاب بقرارات قضائية، فضلاً عن الحبس لفترات متفاوتة على خلفية اتهامات فضفاضة.

"لا تزال هناك أصوات فردية وجماعية تناضل من أجل انتزاع مساحات للحديث والتأثير واستعادة حرية الفضاء المدني من جديد ولو بشكل جزئي"... ما الذي ينبغي فعله لإعادة فتح الفضاء المدني في مصر واستعادته مرةً أخرى ليكون مساحة حراك وتأثير؟

السبب الجوهري في حالات عديدة ارتبط بالنشاط الحقوقي نفسه والدفاع عن الحقوق الأساسية. كما يتناول التقرير القمع العابر للحدود والذي يستهدف فاعلين/ ات خارج البلاد، ضمن منطق يوسّع نطاق الاستهداف ليشمل المجال العام في المنفى والشتات.

خلاصات وتوصيات

وخلصت "هيومينا" إلى أنّ "الفضاء المدني في مصر مقيّد بشكل كبير، بما يعني بالتبعية تقييد قدرة المواطنين والمواطنات على المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويحد من قدرتهم على التأثير على عمليات اتخاذ القرار وتشكيل السياسات العامة التي تمسّ حياتهم".

ووجدت أنّ السلطة الحالية عزّزت تواجدها وقمعها في العالم الافتراضي، كما على الأرض وربما أكثر، وواجهت محاولات الجماعات المدنية المختلفة لانتزاع هامش ما من الحرية للعمل والتأثير بعنف وقمع شديدين، متوقّعةً ألا يتغير الوضع الحالي للفضاء المدني في المستقبل القريب، ومؤكدةً أنه برغم كل ما سبق "لا تزال هناك أصوات فردية وجماعية تناضل من أجل انتزاع مساحات للحديث والتأثير واستعادة حرية الفضاء المدني من جديد ولو بشكل جزئي".

ختاماً، أوصت "هيومينا" السلطات المعنية والشركاء الدوليين والجهات الدولية ذات الصلة، بـ"دعم مقاربات أكثر جدّيةً وقابليةً للقياس في التعامل مع وضع الفضاء المدني في مصر، وربط الشراكات والسياسات بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وبضمانات الحماية للمدافعين/ ات، وبمتطلبات حرية العمل المدني المستقل"، مشدّدةً على ضرورة "إزالة القيود التشريعية والإجرائية التي تقوّض الحقوق الأساسية، ووقف الانتهاكات التي تطال الفاعلين/ ات السلميين/ ات، ومحاسبة المتورطين في هذه الانتهاكات" لأجل فتح الفضاء المدني واستعادته مرةً أخرى ليكون مساحة حراك وتأثير للمواطنين/ ات وجماعاتهم الديموقراطية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image