"آلية جديدة للنظام المصري"... "التدوير" يشمل معتقلين سياسيين ويحرمهم شمس الحرية

الأربعاء 19 فبراير 202004:38 م

فيما تشهد البلاد انتهاكات متزايدة لحقوق الإنسان واستهداف مستمر للأصوات المنتقدة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، لجأت السلطات الأمنية المصرية إلى ابتكار آلية تمكّنها من التمادي في هذا القمع: "تدوير المعتقلين".

"التدوير"، هنا، ليس تلك الطريقة المعتمدة في مجال الصناعة لحفظ الهدر وإعادة استخدام المخلّفات، بل للتهم والقضايا الخاصة بمعتقلي الرأي والمعارضين السياسيين في البلاد لحرمانهم الحرية بعد تجاوز فترات الحبس الاحتياطي.

ولا يسمح القانون المصري باحتجاز أي شخص أكثر من عامين على ذمة التحقيق ثم يُفرج عنه. وظهر "التدوير" في ظل غياب أدلة أو "اتهامات حقيقية" لعدد كبير من المعارضين والمدافعين عن الحقوق والحريات، وفق الكثير منهم، وإصرار السلطات على استمرار اعتقال بعض الأسماء البارزة.

ما هو "تدوير المعتقلين"؟

"أصبحت إعادة التدوير نهجاً يشير إلى سلطة الأمن الوطني التي تجاوزت يد القانون"، هذا ما خلص إليه تقرير لـ"الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان"، نشر في 19 شباط/فبراير.

أوضح تقرير المنظمة الحقوقية المحلية أن التدوير مصطلح تحوّل إلى آلية من "آليات ‘عدالة‘ النظام المصري الحالي". وذكر أن التدوير يحصل بعد صدور قرار تخلية سبيل السجين السياسي، وهو القرار الذي يصدر متأخّراً في العادة، ومع بدء إجراءات الإفراج التي تتخللها فقرات غير قانونية، يفاجأ المعتقل بإعادة عرضه على النيابة وضمّه إلى قضية جديدة، ربما بالاتهامات القديمة نفسها أو باتهامات جديدة.

في كثير من الحالات، قد تتعلق القضايا الجديدة التي يتهم فيها المعتقل بأحداث أو وقائع جرت خلال فترة احتجازه و"يستحيل عملياً مشاركته فيها، وربما تكون قضايا حديثة العهد"، وفق المنظمة.

وهناك حالات تدوير لا تسمح بخروج المعتقل، كما حدث أخيراً مع المدون الساخر شادي أبو زيد. وقد يحدث ذلك بعد الإفراج بأيام أو أشهر مثلما جرى مع المدون البارز والناشط السياسي علاء عبد الفتاح.

واقتيد علاء الذي كان ينفذ "مراقبة شرطية"، كعقوبة تكميلية، مدة 12 ساعة في قسم الدقي إلى مكان مجهول بعد ستة أشهر من الإفراج عنه في قضية أحداث مجلس الشورى، وظهر لاحقاً أمام النيابة وأُضيف اِسمه إلى قضية جديدة باتهامات جديدة.

وتعتبر "الشبكة العربية" أن التدوير "تحايل صارخ من الأمن الوطني على القانون، إذ لم يكفِه استخدام الحبس الاحتياطي المطول عقوبةً للمعارضين السياسيين".

بسبب غياب أدلة حقيقية ضدهم وتخطي احتجازهم مدة الحبس الاحتياطي القانونية… السلطات المصرية تلجأ إلى "تدوير" المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي

ومن الإجراءات التعسفية غير القانونية التي يتعرض لها المعتقلون السياسيون وسجناء الرأي في مصر المماطلة في تنفيذ تخلية السبيل عدة أيام وربما عدة أشهر في انتظار ما يعرف بـ"تأشيرة الأمن الوطني".

وهي تأشيرة غير قانونية تحدد موافقة الجهاز الأمني الواسع النفوذ على الإفراج عن المعتقل من عدمه.

قصص انتهاك صارخ للعدالة

ذكر التقرير مجموعة من حالات "تدوير" معتقلي الرأي والسجناء السياسيين في البلاد، لافتاً إلى أنها "ليست إلا عينة من عشرات الحالات المماثلة". 

يعدّ المحامي الحقوقي إبراهيم متولي، مؤسس رابطة أسر المختفين قسرياً، التي أسسها بعد اختفاء ابنه أثناء فض اعتصام رابعة العدوية عام 2013، في عداد أكثر حالات التدوير فجاجةً.

علماً أن متولي المسجون انفرادياً منذ كانون الأول/ديسمبر عام 2017 داخل سجن العقرب، ويعاني مشكلات صحية عدة بسبب ظروف احتجازه القاسية، ضُمّ اسمه إلى القضية رقم 1470 لسنة 2019 حصر أمن دولة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بتهم "الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي".

جاء ذلك بعد قرار قضى بتخلية سبيله من القضية الأولى بعد تمضيته مدة الحبس الاحتياطي القانونية.

كذلك تعرض رئيس حزب مصر القوية عبد المنعم أبو الفتوح للتدوير، وهو محتجز منذ شباط/فبراير عام 2018 عقب مقابلة تلفزيونية مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي). إذ قبل أن يكمل العامين قيد الحبس الاحتياطي، في شباط/فبراير عام 2020، وهذا ما يستوجب تخلية سبيله، ضُمّ اِسمه إلى قضية جديدة (رقم 1781 لسنة 2019 حصر أمن دولة) مع نائب رئيس الحزب محمد القصاص وبالاتهامات نفسها تقريباً.

وهذه الاتهامات هي "قيادة جماعة إرهابية وتمويل عناصرها بغرض ارتكاب أعمال إرهابية، ونشر أخبار كاذبة".

أما علا القرضاوي، ابنة الداعية المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر، والمعتقلة انفرادياً منذ 30 حزيران/يونيو عام 2017، ضُمّت في 3 تموز/يوليو عام 2019 للقضية رقم 800 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا بعد يوم واحد من تخلية سبيلها من القضية الأولى.

وبرغم وجودها في الحبس الانفرادي واعتلال صحتها على نحو خطير، وفق أسرتها ومنظمات حقوقية، وجدت علا نفسها متهمة مرة أخرى بـ"الانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها من داخل محبسها".

المحامي الحقوقي إبراهيم متولي اعتُقل لا لشيء إلا أنه سأل أين ابنه المختفي قسرياً منذ فض اعتصام رابعة عام 2013. علاوةً على ما يتعرض له، ضمّته السلطات إلى قضية جديدة، وهو اليوم قيد الحجز الانفرادي… دوامة "التدوير"

متنفس حرية ثم اعتقال جديد

في حالات أخرى، فاجأت السلطات المصرية المعتقلين بإعادة الاعتقال بعد قليل من تمتعهم بالحرية. من هؤلاء المدون محمد أكسجين الذي اعتقل مطلع نيسان/أبريل عام 2018، وأخفي قسرياً نحو 10 أيام قبل ضمه إلى القضية رقم 621 لسنة 2018 حصر أمن دولة، بتهمتي "الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة".

وبعدما استمر حبسه احتياطياً حتى 31 تموز/يوليو عام 2019، وعقب صدور قرار بتخلية سبيله بتدابير احترازية، اختُطف من القسم، حيث كان يؤدي التدابير الاحترازية، بعد نحو شهرين من الإفراج عنه وظل قيد الاحتجاز غير القانوني حتى ظهوره أمام النيابة في 8 تشرين الأول/أكتوبر عام 2019.

وضُمّ أكسجين إلى القضية رقم 1356 لسنة 2019 حصر أمن دولة بعدما اتّهم بـ"مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، ونشر أخبار وبيانات كاذبة وإساءة استخدام وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي".

الصدمة نفسها تعرض لها المحامي محمد حمدون الذي اعتقل بعد 20 أيلول/سبتمبر، اليوم الذي شهد تظاهرات محدودة ضد السيسي، مع زوجته الناشطة النسوية أسماء دعيبس وشقيقه، وضُمّ إلى القضية رقم 1338 لسنة 2019 حصر أمن دولة، واتّهم بـ"مشاركة جماعة إرهابية والتظاهر من دون إخطار الجهات المختصة، وإذاعة أخبار كاذبة، وإساءة استعمال وسائل التواصل".

وعقب قرابة الشهرين من حصوله على تخلية سبيل بضمان محل إقامته، أعيد ضمّه إلى القضية رقم 1530 لسنة 2019 حصر أمن دولة، بالاتهامات نفسها تقريباً عقب اعتقاله ووالده من منزلهما.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard