لعنة "التدوير" و"الاتهامات المستحيلة" تطارد المعارضين في مصر

الاثنين 11 يناير 202102:54 م

قبل وقت ليس بعيداً، كان المحبوس احتياطياً يشتم رائحة الحرية خارج أسوار السجون بمجرد إصدار النيابة قرارها بإخلاء السبيل الذي من الممكن أن يتأخر لمدة تتجاوز الفترة القانونية القصوى للحبس الاحتياطي وهي عامين.

لكن خلال العام الماضي، أصبح المحبوسون احتياطياً في مصر بين شقي رحى أمل الحصول على إخلاء السبيل وتحريات الأمن الوطني التي تستطيع أن تعيدهم إلى نقطة الصفر، فيبدأ المسجون أيام حبسه احتياطياً من جديد في قضية جديدة تحمل نفس اتهامات الأولى، وما يختلف بينهما قد يكون فقط رقم القضية الجديدة.

وتنص الفقرة الأخيرة المعدلة من المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه "في جميع الأحوال لا يجوز أن يتجاوز الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهراً في الجنايات، وسنتين إذا كانت عقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام".

"تدوير المتهمين"

عام 2020، شاع في مصر مصطلح "تدوير المتهمين" وهو مصطلح أطلقته المؤسسات الحقوقية والمنصات الإعلامية، للإشارة إلى حالات يصدر فيها قرار بإخلاء سبيل سجين سياسي أو سجين رأي، وهو قرار يتأخر عادة، وعندما يدخل السجين في إجراءات إخلاء السبيل، يُفاجأ بعرضه أمام النيابة متّهَماَ في قضية جديدة، قد تحمل نفس الاتهامات القديمة، أو اتهامات جديدة، وقد تكون قضية بدأت أثناء سجنه بالأساس ويستحيل عليه عملياً التورّط فيها.

في 23 حزيران/ يونيو الماضي أطلق مركز بلادي للحقوق والحريات، وهو منظمة حقوقية غير حكومية، تقريراً بعنوان "جذور الاعتقال المتجدد للسجناء السياسيين في مصر" تناول فيه مسألة "إعادة تدوير القمع"، وأشار إلى أن المنطق الذي أصبح يحكم اعتبارات الحبس الاحتياطي المتجدد هو رغبة السلطتين القضائية والتنفيذية في إبقاء المعارضين داخل السجن.

واعتبر التقرير أن سلوك السلطتين التنفيذية والقضائية يبدو وكأنّه عملية قولبة نماذج لمَن يمكن أن يتعرض للحبس الاحتياطي المتكرر وتدوير القضايا، أو كصناعة نماذج للتنكيل بها ضمن سياق أوسع يستهدف ترهيب المجال العام.

من جانبها، تطرقت الشبكة العربية العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وهي أيضاً منظمة حقوقية غير حكومية، في ورقة لها بعنوان "تدوير المتهمين" إلى تكرار ظاهرة الاعتقال التعسفي المتجدد، والذي بحسب الشبكة يتم بطريقتين: الأولى من خلال إخلاء سبيل ناشطين لأسابيع أو شهور، ثم اعتقالهم مجدداً في قضايا جديدة بنفس الاتهامات القديمة؛ أما الثانية، فتتم من خلال صدور قرارات بإخلاء سبيل معتقلين، ولكن دون أن يتم ذلك فعلياً، فيختفي المتهم لفترة ثم يظهر مجدداً في قضية جديدة.

ويُعتبر النوع الثاني من قضايا التدوير الأكثر شيوعاً، إذ جرى تدوير عشرات الحقوقيين والمعارضين بهذه الطريقة. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، رصدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية غير حكومية، قيام السلطات المصرية بتدوير وإعادة حبس ما لا يقل عن 64 شخصاً أخلي سبيلهم بالفعل بتدابير احترازية يوم الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، ضمن قرارات إفراج شملت 461 شخصاً في 19 قضية أغلبها وُجّهت للمتهمين فيها تهم الانضمام لجماعة محظورة ونشر أخبار كاذبة و إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

قضية جديدة قبل إخلاء السبيل

كان من بين هؤلاء الناشط زياد أبو الفضل، عضو حزب العيش والحرية الذي تم تدويره في قضية جديدة تحمل نفس الاتهامات. تروي إلهام عيداروس وكيلة مؤسسي الحزب ما تعرّض له: "في نوفمبر الماضي فوجئنا بأن زميلنا زياد تم حبسه 15 يوماً بعد عرضه على النيابة في قضية جديدة، بعد أيام قليلة من حصوله على قرار إخلاء السبيل".

وأضافت لرصيف22: "تم حبسه على ذمة قضية جديدة تحمل رقم 855 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا بنفس الاتهامات، وهي بث أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل رغم أنه محبوس منذ مارس 2019".

وكان قد ألقي القبض على زياد أبو الفضل من منزله في الإسكندرية فجر يوم 5 آذار/ مارس 2019 واختفى قسرياً لمدة 12 يوماً حتى ظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا في القاهرة الجديدة يوم 17 آذار/ مارس وحُبس على ذمة القضية 1739 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا، في اتهامه بنشر أخبار كاذبة ومشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وظل محبوساً منذ ذلك الحين على ذمة التحقيقات.

قبل إخلاء سبيل السجين السياسي يُفاجأ بعرضه أمام النيابة متّهَماَ في قضية جديدة، قد تحمل نفس الاتهامات القديمة، أو اتهامات جديدة، وقد تكون قضية يستحيل عليه عملياً التورّط فيها... عن "تدوير المتهمين" في مصر

وتتابع عيداروس: "نفس الأمر حدث مع ثلاثة آخرين من أعضاء الحزب، منهم الزميل محمد وليد الذي أعيد اتهامه بنشر أخبار كاذبة وحُبس على ذمة التحقيقات في قضية جديدة برقم 1056، رغم أنه لم يُطلَق سراحه بعد إخلاء سبيله بقرار من محكمة الجنايات بتاريخ 26 آب/ أغسطس بتدابير احترازية على ذمة القضية 1358 لسنة 2019 المحبوس على ذمتها منذ منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2019".

وأوضحت أن وليد كان قد قُبض عليه في المرة الأولى من مطار القاهرة في 30 أيلول/ سبتمبر 2019، أثناء توجهه إلى محل عمله في السعودية، وأخفي قسراً لأسبوعين قبل حبسه في القضية الأولى.

وأوضحت في حديثها عن أعضاء حزب العيش والحرية المحبوسين على ذمة قضايا سياسية وتم تدويرهم بعد انتهاء المدة القانونية للحبس الاحتياطي، أن ما لفت نظرها وجعلها تبدي اندهاشها هو اتهام زملائها باتهامات وصفتها بـ"غير المنطقية"، متسائلة: "كيف يمكن لسجين أن يُتّهم بنشر أخبار كاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل يوجد إنترنت أو أي وسيلة للتواصل داخل جدران الزنازين؟!".

نفس الاتهامات ولكن قضية جديدة

الأمر لم يكن جديداً في وسط المعارضين والحقوقيين. ففي آب/ أغسطس الماضي، رصدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان قيام نيابة أمن الدولة خلال أسبوع واحد بتدوير أربعة متهمين على الأقل كانوا محبوسين على ذمة القضية 488 لسنة 2019 أمن دولة، ثلاثة منهم ما يزالون محبوسين حتى الآن، وهم: المحامي عمرو إمام، والناشطة رضوي محمد، والكاتب الصحافي محمد صلاح، وتم تدويرهم وحبسهم احتياطيا من جديد على ذمة القضية 855 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا، وذلك على خلفية اتهامهم بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويل تلك الجماعة ونشر وإذاعة أخبار كاذبة.

وتضم القضية 448 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا عدداً من الحقوقيين والصحافيين وكذلك المعارضين، ومن المحبوسين على ذمتها الحقوقية إسراء عبد الفتاح والصحافية سولافة مجدي وزوجها المصور الصحافي حسام الصياد وغيرهم.

ويروي المحامي مختار منير لرصيف22 ما حدث مع الصحافي محمد صلاح: "تم تجديد اتهام محمد صلاح في قضية جديدة بعد حصوله على إخلاء سبيل في القضية الأولى بناءً على محضر تحريات من جهاز الأمن الوطني، وتم توجيه اتهامات مماثلة لتلك الموجّهة في القضية الأولى وهي الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويل تلك الجماعة ونشر وإذاعة أخبار كاذبة".

ويضيف منير: "تم اتهام صلاح في قضيته الثانية بتلك الاتهامات على الرغم من إيقاف السجون للزيارات، وكذلك عدم حضوره جلسات التجديد منذ آذار/ مارس وحتى منتصف آب/ أغسطس الماضي، وذلك إثر الإجراءات الحكومية للحد من انتشار فيروس كورونا".

سجين يُتّهم بعقد اجتماعات داخل محبسه رغم أنه محبوس في زنزانة حبس انفرادي، ما يعني استحالة حدوث الأمر... عن "تدوير المتهمين" في مصر

وكانت وزارة الداخلية المصرية قد أعلنت يوم 19 آذار/ مارس الماضي تعليق الزيارات في جميع السجون حتى آخر الشهر لكن الأمر امتد حتى منتصف آب/ أغسطس، حين قررت وزارة الداخلية استئناف الزيارات بضوابط وشروط محددة.

وكانت النيابة قد أخلت سبيل محمد صلاح في 21 تموز/ يوليو الماضي بعد حبسه 10 أشهر على ذمة القضية 448 لسنة 2019. ولكن بعد أن نُقل إلى قسم الشرطة التابع لمحل السكن لإتمام إجراءات إخلاء السبيل، تم تدويره في 23 آب/ أغسطس الماضي.

وفي التاسع من كانون الثاني/ يناير 2021، نشرت أسرة محمد صلاح استغاثة عبر موقع فيسبوك، أكدت خلالها تعرّضه للتعذيب والضرب من قبل قوات الشرطة المتواجدة داخل قسم دار السلام.

وأوضحت شقيقته نجلاء صلاح لرصيف22 أن القسم بدون سابق إنذار أو أسباب واضحة منع الزيارة ودخول الأكل واللبس والمواد المطهرة عن شقيقها.

من جهة أخرى، تعرّض بعض المعارضين للتدوير أكثر من مرة على نفس الاتهامات بالإضافة إلى اتهامات أخرى علّقت منظمات حقوقية عليها بأن حدوثها مستحيل، وخصوصاً مع ظروف حبس هؤلاء.

وكان محمد القصاص نائب رئيس حزب مصر القوية أوّل مَن تعرّض للتدوير مرتين، كان آخرها في آب/ أغسطس الماضي.

اتهامات مستحيلة

يقول المحامي مختار منير، عضو هيئة الدفاع عن القصاص، إن "قوات الأمن ألقت القبض على محمد القصاص في شباط/ فبراير 2018، وتم ضمه للقضية رقم 977 لسنة 2017، وأسندت النيابة إليه اتهامات بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2019 صدر قرار من النائب العام بإخلاء سبيله بعد 22 شهراً من الحبس الاحتياطي بضمان محل إقامته. لكن بعد أيام تم ضمه إلى قضية جديدة تحمل رقم 1781 لسنة 2019 بنفس اتهامات القضية الأولى وأضيف إليها اتهام بعقد اجتماعات داخل السجن، وتم حبسه احتياطياً والتجديد له حتى أخلت النيابة سبيله في أغسطس الماضي لكننا فوجئنا بضمه لقضية جديدة رقمها 786 لسنة 2020 وتحمل نفس اتهامات القضية الثانية".

وأشار منير إلى أن القصاص أضيف إلى تهمه تهمة عقد اجتماعات داخل محبسه في القضيتين الثانية والثالثة رغم أنه محبوس في زنزانة حبس انفرادي، منذ فترة حبسه احتياطياً في القضية الأولى، ما يعني استحالة حدوث الأمر.

ويضيف مختار منير أنه لا توجد أيّة أدلة مادية حول الاتهامات التي ذكرتها النيابة سواء في القضية الأولى أو الاثنتين الأخريين الذين تم تدوير القصاص عليهما، وأن "قرارت الحبس تتم من خلال محضر تحريات الأمن الوطني فقط لا غير".

من جانبه، أوضح عبد الرحمن هريدي، عضو المكتب السياسي لحزب مصر القوية أن "القصاص منذ أن تم إلقاء القبض عليه وحتى الآن محبوس حبساً انفرادياً في سجن العقرب شديد الحراسة، بالإضافة إلى أن إدارة السجن منعت عنه دخول الكتب والأوراق والجرائد، كما حرمته من التريض ما يعني استحالة ارتكابه للاتهامات التي تم على أساسها تدويره في القضية الثانية والثالثة".

وفي وقت سابق، كانت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية غير حكومية، قد أدانت توسع نيابة أمن الدولة في انتهاج نمط "تدوير القضايا" وإعادة عملية الاعتقال والحرمان التعسفي من الحرية للمتهمين خاصة في قضايا أمن الدولة، وذلك بمجرد ورود محضر تحريات من جهات أمنية، حتى وإنْ تضمن هذا المحضر اتهامات مماثلة للقضايا الأصلية، والتي لا يزال عدد من المتهمين محبوسين على ذمتها، أو اتهامات أخرى غير منطقية مثل التواصل مع مجموعات خارج السجن رغم قرار غلق السجون على المحتجزين وإيقاف الزيارات منذ آذار/ مارس الماضي.

وأوضحت المنظمة أن الأمر يكشف عن حجم الدور الذي أصبحت تلعبه الأجهزة الأمنية في استمرار حبس المتهمين، بعد إخلاء سبيلهم، أو حتى بشكل استباقي لقرارات الإفراج من السلطات القضائية المختصة، والتي أصبحت بدورها غير ذات قيمة كبيرة بفضل تزايد عمليات التدوير، والذي كرس لانتقال عملية الإفراج الفعلي عن المتهمين من السلطات القضائية إلى يد الأجهزة الأمنية، بحيث أصبحت وحدها تحدد مَن يمكنه الخروج إلى الشارع أو مَن سيتم تجديد اعتقاله، وذلك بدلاً من كونها في الأساس أداة لتنفيذ القانون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard