جيوش الأشباح وكتائب الحشاشين… من العراق إلى فنزويلا

جيوش الأشباح وكتائب الحشاشين… من العراق إلى فنزويلا

رأي نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 10 فبراير 20268 دقائق للقراءة

في صباح صيفي ملتهب من عام 2018 استنفرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق مطالبة بإعلان محافظة البصرة مدينة منكوبة بدون أدنى تأخير أو مماطلة، فأكثر من مئة ألف شخص مكدسين بأروقة المستشفيات وفشل تام في احتواء الأزمة الصحية التي انفجرت بلا مقدمات نتيجة لما سيعرف لاحقاً بـ "أزمة المياه المسمومة".

"بروتكنيك"

وتعود الحكاية إلى اللحظة التي انقطع فيها التيار الكهربائي عن المحافظة الجنوبية مما أدى إلى توقف عمل محطات معالجة المياه، واستمر ضخ المياه للمنازل بدون تنقية فتحولت صنابير المياه إلى قنابل فيروسية قاتلة، وفي أجواء تفوق فيها درجة الحرارة الخمسين درجة مئوية يصبح اشتراط عدم شرب المياه في انتظار عودة المياه النقية المرتبطة من جهتها بوصول التيار الكهربائي عملاً انتحارياً.

بعد الحادثة المأسوية طُرح سؤال السبب المؤدي للكارثة، لم يحتج الأمر إلى كثير من البحث حيث تبين أن الحكومة وقّعت في وقت سابق عقداً لتحديث وتطوير وبناء محطة تنقية كاملة وتنافست شركات كبرى على المناقصة من بينها العملاق الياباني شركة "تويوتا"، ولكن فاز بمناقصة "مشروع ماء البصرة الكبير" -هكذا كان اسمه- شركة مجهولة بلا أي تاريخ اسمها "بروتكنيك".

قامت دولة كرزاي على منظومة فساد قوامها الرشوة، أنتجت ما يُعرف بـ"جيوش الأشباح"، وهي قوات وهمية موجودة على الورق فقط، تُصرف مخصصاتها كاملة لتغذية شبكات الفساد وأمراء الحرب، وتكرّر هذا النموذج تاريخياً في فيتنام، والشيشان، وأوغندا، والعراق، وأفغانستان

الشركة قبضت عشرات الملايين بلا أي مقابل على أرض الواقع، ولا نذيع سراً بقولنا إن الشركة كانت مجرد واجهة لشبكة علاقات معقدة تنتهي خيوطها في مغزل الفساد الذي يكسو نتاجه العراق نهاراً وينقضه ليلاً لينام الشعب الملتحف بنخبة سياسية فاسدة عارياً.

حلقة مفرغة من العبث اختصرها الرئيس العراقي برهم صالح في خطابه المتلفز مطلع هذا العقد بقوله: "خسر العراق أموالاً طائلة، مجموع واردات البلد النفطية منذ 2003 تقارب ألف مليار دولار، وما لا يقل عن 150 مليار دولار من صفقات الفساد تم تهريبها للخارج".

هكذا أطفأ الفساد كل فرصة أمل لدى الشباب العراقي، وكانت الضربة القاصمة في اللحظة التي أُعدمت انتفاضتهم على منظومة الفساد واليأس رمياً بالرصاص الحي على أيدي ميليشيات عابرة للحدود.

حالة بائسة قد يكون أفضل تشخيص لها ما أورده وزير الدفاع العراقي، خالد العبيدي، في معرض شهادته أمام مجلس النواب العراقي في الربع الأخير من العام 2014 ضمن جلسة خاصة بضحايا مجزرة "سبايكر"، حيث يقول العبيدي عن انكسار الموصل وانهيار منظومة الجيش أمام ميليشيات داعش:

" لقد غابت الروح الوطنية فقد كانت حكومة تقودها زمرة فاسدة لا تستحق التضحية فتحول الجيش إلى مصدر دخل لمنتسبيه بلا أي روح وطنية، وفي ما يتعلق بسقوط الموصل لم يتبق في الجبهة إلا الجندي الذي ليس لديه واسطة أو من لا يستطيع دفع رشوة للانتقال من مكان عمله إلى مكان أكثر أماناً، فكان سؤال هؤلاء الجنود لحظة زحف الإرهابيين باتجاهه: هل سأموت لأجل بقاء هذه الطبقة السياسية الفاسدة؟!".

جيوش الأشباح

السؤال المصيري عينه كان يدور في رؤوس أرتال الجيش الأفغاني المنهار في صيف عام 2021 لحظة إعلان عودة ميليشيات طالبان بعد الانسحاب الأمريكي المفاجئ من الميدان، كانت دولة كرزاي مبنية على "الشريني" وهو المفهوم المرادف للرشوة، وتحت مظلة الفساد تم استدعاء أرواح الجنود بلا أجسادهم، لتتشكل كتائب من "جيوش الأشباح".

في صيف 2018 تعرض أكثر من مئة ألف شخص في البصرة للتسمم بسبب مياه الشرب، تبين لاحقاً أنها قضية فساد بعد فوز شركة "بروتكنيك" المجهولة بمناقصة "مشروع ماء البصرة الكبير".

فن من فنون الفساد تم التوسع في الاستثمار فيه، وبعد مراجعة التاريخ القريب، تبين أنه حدث سابقاً في جيش فيتنام الجنوبي، واستنسخه الروس في حرب الشيشان، وكذلك فعل جيش الدفاع الأوغندي مطلع هذا القرن وبالتأكيد استعين به باستفاضة في نموذج العراق وأفغانستان خلال العقدين المنصرمين.

نحن نتحدث عن جيوش وهمية توجد فقط على سجلات ورقية، تُصرف لها كامل المستحقات المالية والعينية ولكنها في الحقيقة فيالق غير موجودة في الواقع، هم مجرد سجلات طويلة من الأسماء الوهمية التي تصرف مخصصاتها لتصب في قنوات شبكات الفساد المترامية والتي تنتهي عند أمراء الحرب.

ولحظة استدعاء أفراد الجيش للحرب يكتشف الجميع أننا أمام كتائب من الأشباح وجيش من الغبار، لخصت دراسة "CORRUPTION AND MILITARY EXPENDITURE: AT ‘NO COST TO THE KING" كل ذلك بالعلاقة الطردية التالية: "كلما ارتفع معدل الفساد ارتفع عدد الجنود الأشباح!".

لعنة الموارد

صحيح أن أسماء المقاتلين وهمية في السجلات، وصحيح أن مكافأتهم ورواتبهم تصرف لطغمة فاسدة، لكن أجساد أصحابها هامت في بقاع الأرض.

في نهاية عام 2019 طرح البنك الدولي السؤال التالي في موقعه الإلكتروني: ما المسافة التي أنت على استعداد لقطعها سيراً على الأقدام للفرار من الجوع؟

الجواب كان في استهلال التقرير الذي حمل عنوان:

"هجرة الفنزويليين: 4500 كيلومتر تفصل بين اليأس والرجاء"، في إشارة مباشرة للبيانات الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي أكدت أن هناك ما يقارب خمسة ملايين فنزويلي قطعوا آلاف الكيلومترات مشياً على الأقدام عابرين القارة اللاتينية نحو البيرو وكولومبيا والإكوادور هرباً من الجوع في بلد يعوم على بحر من النفط.

هذا هو النموذج المثالي لمفارقة الوفرة المعروف باسم "لعنة الموارد" وفيه تتدفق الإيرادات إلى أرصدة السلطة وحلفائها على حساب التنمية وباقي فئات المجتمع، وهو ما جعل البلد النفطي يتربع على عرش الفساد العالمي حيث حجزت الدولة المتخمة بعوائد الذهب الأسود المرتبة (178) من بين (180) دولة على مؤشر إدراك الفساد لعام 2024.

كشفت "واشنطن تايمز" في عام 2017 تورّط "حزب الله" في تهريب الكوكايين من أميركا الجنوبية إلى أوروبا لتمويل أنشطته، بدعم من فنزويلا، تزامن ذلك مع توسّع إنتاج المخدرات في مناطق نفوذ الحزب

أمام هذه الأرقام كانت حشود الجيش الأمريكي مجرد استعراض صوري للقوة عندما أخذ الرئيس ترامب قراره بإنهاء سلطة الرئيس الفنزويلي "مادورو" حيث نشرت واشنطن ثلاث مدمرات مجهزة بأحدث الصواريخ وآلاف الجنود قبالة سواحل فنزويلا.

هدد الرئيس الفنزويلي بمذبحة عظيمة للجيش الأمريكي وأعلن عن "جمهورية مسلحة" متروسة بالفدائيين وجيوش شعبية جرارة، فيما أصدر قرار بتسليح الشعب وتعهد الرئيس الثائر بحشد ما يقارب الخمسة ملايين مقاتل للدفاع عن البلاد.

كان الأمريكيون يتكئون على تقارير مراكز الدراسات والاستقصاء، فقد أفاد تقرير "لاتينو بارومتر" عام 2018 أن ما يقارب من ثلثي الشعب الفنزويلي يعتقدون أن الرئيس متورط في الفساد، بينما رأى 64% أن مسؤولي الحكومة فاسدون، وأكد أكثر من ثلثي الشعب أن البلاد محمية من قطاع أمني فاسد.

في مطلع العام الجاري بينما كان العالم يستمع لتحليلات عن حرب دموية صعبة، اقتحمت قوات نخبة أمريكية في عملية نوعية ما زالت الكثير من تفاصيلها غير معلومة، ودخلوا إلى القصور الرئاسية واعتقلوا الرئيس الفنزويلي من بين جيوشه التي وعد بحشدها، وعادوا به مكبلاً إلى واشنطن في مشهد سينمائي تم تتويجه باحتفالات من شعب فنزويلا بالخلاص من القائد الخالد!

حل المعادلة

وبالحديث عن فنزويلا وتجارة المخدرات ليس سراً ما كشفته صحيفة "واشنطن تايمز" الأميركية في 2017 حول قيام "حزب الله" اللبناني بنقل كميات كبيرة من الكوكايين من أميركا الجنوبية إلى أوروبا بهدف تمويل عملياته ومخططاته.

وبحسب تقرير مركز العقوبات والتمويل غير المشروع المنشور في سبتمبر/ أيلول 2017 نجد أن الحكومة الفنزويلية تأتي ثانياً من حيث التمويل لـ "حزب الله" بعد إيران وذلك من خلال تسهيل تجارة الحزب للمخدرات.

ويمكن رصد نشاط الإنتاج في منطقتي بعلبك والهرمل الخاضعتين لنفوذ "حزب الله" حيث زراعة وتأمين مصانع المخدرات، ولعل الأزمة السورية التي دفعت إيران للتحرك على المسرح بشكل مباشر بعد تقطع حبال الدمى التي تحركها جعل مسافة الأمان التي تفصلها عن أباطرة المخدرات التابعين لها تؤول إلى الصفر.

فصارت عمليات تجارة الأفيون علنية، ولم يعد زعيم كارتيل الحشاشين يخجل من عمله، وبذلك جمع النظام الإيراني مجد الفساد من أطرافه، تبني مليشيات عابرة للحدود، تدخل في شؤون دول الإقليم، إسقاط حكومات، إشعال حروب أهلية، رعاية إرهاب وتجارة مخدرات توجت بعودة الانفجار الشعبي الذي دفع الجماهير للعودة لشوارع طهران وعشرات المدن الإيرانية رفضاً للظلم والاستبداد وتغول فساد السلطة، وهكذا منذ عام 2016 نجد ان الشارع الإيراني الغاضب لم يهدأ حتى يومنا هذا.

شعب بائس ينهشه الجوع والفقر، وها هو اليوم تتمزق بناه الإنسانية تحت مرجل القضايا الاقتصادية والاجتماعية الخانقة في بلد عضو في منظمة "أوبك" ويملك صلاحيات واسعة للتحكم بأسعار النفط العالمية، ونظام يقبع في المركز (151) على مؤشرات الفساد العالمية يترنح أمام حشود أمريكية تملأ البحر والبر والجو.

معادلة لم يعد جوابها صعباً بعد هذا السرد الذي بدأناه بانهيار الجيش العراقي تحت وقع سؤال الشعوب: هل سنموت لأجل بقاء هذه الطبقة السياسية الفاسدة!؟




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image