الإقليم وخيارات الخروج من مصفوفة

الإقليم وخيارات الخروج من مصفوفة "التنظيم"!

رأي نحن والتطرف

السبت 17 يناير 202611 دقيقة للقراءة

سنوات التيه

تبدأ كتابة التاريخ في اللحظة التي يتم فيها تسييل الجغرافيا؛ وعملية إذابة الجغرافيا وصهر تضاريسها ارتبطت دوماً بامتلاك القوة، وهكذا يمكن قراءة التاريخ من لوحات الجغرافيا، وإن بدت صمّاء تروي تجاعيدها التي نتجت من عوامل الحتّ والتعرية، بين الديموغرافيا وصراع السلطة على مرّ الزمان تفاصيل الحكاية.

وغالباً ما انجذبت القوة والديموغرافيا من ناحية، وتالياً التاريخ من بعدهم، لقوام الشرق الأوسط المكتنز بالموارد والخرافات، وهو ما أورث قاطني هذه البقعة من الأرض ذلك الشعور الزائف المغلّف بالميثولوجيا بأنهم مركز الكون الذي تهبط لساكنيه موائد السماء، وتُخلق سائر الأجناس لخدمتهم.

وهكذا صُنعت هوية الشعوب المختارة والحاكمة بأمر الله، المحشوة بالخرافة وبوهم المعرفة التي يحرسها الكهنوت، وكلما ارتفع مؤشر الثيوقراط ارتفع منسوب تدفّق الدم في محبرة المؤرخين، وزاد بذلك غموض الرواية التي لا يملّ قراؤها من تلاوة أسطر الموت فيها في انتظار ظهور المخلّص الذي سيهبط من السماء، والذي يَصْدُف جزمًا جميع الأضداد التي تتزاحم على منصة الانتظار لينصفهم على من عاداهم في معركة فاصلة يزداد قرع طبولها طردياً بارتفاع معدل الظلم والقهر.

خوارزمية الموت

ما سبق هو خلاصة الخوارزمية التي أفنت ملايين البشر، وعطّلت الأرض والزرع والتنمية على مدار القرون، في عمل أشبه بفكرة الأختين واتشوسكي في فيلم "المصفوفة"، الفيلم الذي يُصنّف بشكل خاطئ ضمن باقة الخيال العلمي، وهو في الحقيقة أهم منتج علمي وثائقي لمحاولة الخروج من منظومة محكمة مبنية بشكل تراكمي لمئات الآلاف من السنين، يؤمن كلّ من فيها بالأفكار عينها، ويرددون المحفوظات نفسها، ويدرسون منهاجًا رسميًا بالعلن، ويؤمنون بمنهاج خفيّ بالسر.

تُعدّ الحملات الصليبية أكثر الأمثلة المركبة لآلية عمل المصفوفة التي سردناها بأبهى صورها، ففي هذه الحقبة التي عُرفت بعصور الظلام، والتي فتكت بملايين البشر، وكانت ولا تزال عنوان انشقاق إنساني، وقميص عثمان الذي لا يملّ المتطرفون من إشهاره لإدامة عملية التعبئة والتجنيد التي لا تنتهي ضد الآخر، نجد، بالبحث عميقاً، أن أولى ضحايا هذه الحروب هم البسطاء من القرويين والفلاحين والأقنان، فهؤلاء البائسون الذين تكوّنت منهم الجيوش التي حشدتها القارة العجوز شكّلوا الطبقة المسحوقة التي أنهكها النظام الإقطاعي.

بالفكرة والأسلوب عينهما اللذان حركا الحروب الصليبية، وبعد ما يقارب الألف عام، ظهرت عملية التجنيد الشهيرة (سايكلون)، وهو الاسم الحركي لبرنامج وكالة الـ(CIA) لتسليح وتمويل أبناء التنظيمات الإرهابية المنبثقة من تحت عباءة تنظيم الإخوان المسلمين في أفغانستان من عام 1979 إلى عام 1989 ضمن مشروع بريجنسكي المعروف بالـ "جهاد المقدس"

إنها الفئة التي تآمر عليها تحالف نظام الحكم مع الكهنة ليتشكّل واحداً من أبشع الأنظمة الطبقية على كل المستويات، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ومن خلال الكهنة تمّت تعبئة المجتمع بالسخافات التي كانت ركائز عقيدتهم في ارتكاب الفظائع في ما بعد، هنا يكمن سرّ قوة نفوذ السلطة من خلال هذا التحالف السحري مع النظام الديني الذي يتمثل بالكنيسة.

وعليه، امتلك رجال الدين الأراضي والسلطة الإقطاعية، وأصبح الأساقفة والرهبان سادة إقطاعيين يمتلكون الأتباع والعبيد، وفي ظل منظومة عبودية لا ترحم كانت إرهاصات الثورة والتمرّد تنمو في أحشاء مجتمع القهر والغضب والظلم.

وكانت أسئلة الخروج من حلقة العبودية المفرغة تطرق جدران مصفوفة الإقطاع وتهزّ أركانها يوماً بعد يوم، بحيث باتت مهدئات قدّاس الأحد التي تكفّل الكهنوت بحقنها للجماهير لا تجدي نفعاً معهم، فلم يعد الجمهور مقتنعاً بحيلة الصبر مقابل الأجر من السماء.

وهنا تحديداً، وأمام تعاظم سؤال الحقوق، كان الحل بابتكار حرب مقدسة، حرب في سبيل الرب يمكن من خلالها جمع كل الثوار والمتحمسين والمفكرين مع أكبر قدر من العبيد، وإرسالهم في حرب كونية عابرة للقارات إلى الشرق الأوسط تحت عنوان استعادة مملكة الرب، وبالباطن كان الهدف الرئيسي الخلاص من ثورة جياع قادمة!

المضحك المبكي أن هذه الحروب ما زالت تُقدَّم في مناهجنا بصفتها صراعات دينية، مع أنها في الحقيقة صراع سلطة سياسية واجتماعية مطلقة.

انبعاث المصفوفة

بالمصادفة، وبالفكرة والأسلوب عينهما، وبعد ما يقارب الألف عام، ظهرت عملية التجنيد الشهيرة (سايكلون) أو الإعصار (Operation Cyclone)، وهو الاسم الحركي لبرنامج وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لتسليح وتمويل أبناء التنظيمات الإرهابية المنبثقة من تحت عباءة تنظيم الإخوان المسلمين في أفغانستان من عام 1979 إلى عام 1989 ضمن مشروع بريجنسكي المعروف بالجهاد المقدس.

السلطة تحاول تحميل النسخة المحدثة الخالية من أيديولوجيا التنظيم، بالمقابل لا يضيّع التنظيم أي فرصة تُبرز قدرته المذهلة على استنساخ نفسه في كل البرامج المستحدثة.

وكان المشروع ضمن خطة أمريكية وُضعت لمواجهة المدّ الشيوعي إبان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، ولكنه أخذ غلافاً دينياً تعبوياً بين الكفر والإيمان، قدّم فيه تنظيم الإخوان واحدة من أهم عروضه البهلوانية الإعلامية.

لقد وظّفوا كل أعضاء تنظيمهم من كتّاب ومعلمين وعمال وطلاب وباحثين ونساء وإرهابيين في العمل على وتيرة واحدة لتحقيق المطلوب منهم في هذه العملية، التي وضعوا أنفسهم وكيانهم وأيديولوجيتهم تحت خدمة جهاز المخابرات المركزية الأمريكي، حتى إن أحد أهم منظّري التنظيم الدولي أخذته الحماسة وألّف كتاباً بعنوان "آيات الرحمن في جهاد الأفغان"، مملوءاً بقصص ألف ليلة وليلة عن عمليات بطولية خرافية لما يسمّيهم المجاهدين الأفغان.

وكل ذلك في سبيل التغرير بأرتال وكتائب الشباب وتجنيدهم في سبيل إنجاح المشروع الأمريكي الذي تبنّاه التنظيم الأم الذي ينتسب إليه.

وبعيداً من مآلات تلك الحكاية التي يعلمها الجميع، كان أخطر ما شرعنته هذه الأدلجة المصنّعة بعناية هو منح شرعية أممية لانتقال المقاتلين في تنظيم الإخوان المسلمين تحت مظلة حماية الإسلام.

لقد مُنحوا جواز سفر عالمياً، وصكاً قانونياً يمكّنهم من حمل السلاح عبر الحدود والقفز عبر الدول لارتكاب فظائعهم وإرهابهم بصفتهم حماة الإسلام وجند الرب.

وبذلك دخلنا في قلب مصفوفة "الصحوة" الدموية، التي فرّخت ملايين الشباب المحشوين بالكراهية والغضب والرغبة بالانتقام من كل شيء، وبعد تصدّع الاتحاد السوفياتي، ها هم يحزمون أمتعتهم عائدين بكل ما نهلوه من فن إدارة التوحّش ليصبّوه في أوطانهم، فدخلت الجزائر في العشرية السوداء، وعاشت مصر سنوات الاغتيال والتفجير والإرهاب، فيما هادنت باقي الدول هذه المنظومة السرطانية الدموية على أمل احتوائهم.

حتمية الصدام

كُمون وصمت كسره التنظيم في ما عُرف بـ"الربيع العربي"، وإعلان أن القادم هو عصر التنظيم وحده، فظهر حلفاء التنظيم الحقيقيون عبر الحدود، وصار نقاش تقسيم الدول التي ظفروا بها وأطاحوا بأنظمتها بالتعاون مع شركائهم يُدار بشكل علني على الفضائيات، وهو ما جعل الدول التي امتصّت موجة الربيع الأولى تعيد بناء استراتيجياتها ضمن إطار استعادة الدولة الوطنية عبر مسار التنمية.

إن مسار التنمية مسار مباشر نحو حتمية الصدام مع تنظيم الإخوان، ببساطة في هذا المسار تتوجه السلطة نحو شعوبها وإدارة مواردها، وهو طريق ينتهي بالحرية بحسب أمارتيا صن في أطروحته "التنمية حرية".

وبذلك أيقن الذين وفّروا ملاذاً آمناً للأنظمة على مدار العقود عبر تنويم الشعوب وأدلجتها وتهيئتها لتقبّل الموت العبثي والرضى بالفقر والقهر في سبيل الحصول على التعويض في عالم آخر، كما فعلت الكنيسة في حقبة الإقطاع التي استهللنا المقال فيها.

لا أمن لدولة بمعزل عن أمن جيرانها

وهكذا وصلنا للخريطة الجيوسياسية التي نراها اليوم: "دول تسابق الزمن نحو استعادة هويتها الوطنية، تقابل تنظيماً دولياً يحترف إدارة الجماهير، ومجتمعات تناضل ثقافياً للخروج من عصور الظلام، فقد تُركت بين يدي التنظيم الدولي لعقود ليتم حشوها بوهم المعرفة".

هذا المجتمع هو المحور الأول والرئيسي الذي يدور الصراع اليوم حوله، فالسلطة تحاول تحميل النسخة المحدثة الخالية من أيديولوجيا التنظيم، بالمقابل لا يضيّع التنظيم أي فرصة تُبرز قدرته المذهلة على استنساخ نفسه في كل البرامج المستحدثة، تماماً كفيروس قادر على اختراق كل جدران الحماية.

في صيف 2024 وقّعت مصر مع الصومال اتفاقية دفاع مشترك، تضمنت تفعيل وجود عسكري مصري ميداني لدعم مقديشو ضد حركة الشباب الإرهابية وتعزيز الأمن الإقليمي، مستبقاً مشروع اعتراف إسرائيل بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي دولةً مستقلةً

معركة داخلية يمكن رصد خطورتها عند كل موقف سياسي، كما في التعاطي مع تنظيم حماس أو اعتقال أحد أفراد التنظيم، وحتى في أصغر التفاصيل التي تتعلق بإمكانية تهنئة المسيحيين بأعيادهم!

وعلى المحور الثاني يبرز العمل الذي لا يمكن إخفاؤه، وهو قدرة الدول على ضبط الخطر الخارجي القادم من مناطق النزاع التي تدور في فلك محيطها الحيوي.

ففي مصر مثلاً، والتي ذهبت مبكراً إلى المواجهة في هذا المسار عبر خطوات متتالية نتيجة دموية الصراع وتغلغل التنظيم الذي سيطر على السلطة في منتصف عام 2012، اختارت الدولة مسارات عسكرية حادة وحاسمة، ففي مطلع عام 2015 قطع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي زيارته لقمة الاتحاد الأفريقي بعد هجمات دامية في سيناء، ووجّه خطاباً لشعبه أكد فيه أن مصر تواجه "أخطر تنظيم سري متطرف في العالم"، وكان يشير إلى تنظيم الإخوان الدولي باعتباره أداة لمجموعة دول طامعة في المنطقة.

وبتتبّع عمل مصر في مواجهة مخاطر المشروع الذي اصطدمت به يمكن رصد إنشاء "قاعدة برنيس" العسكرية على ساحل البحر الأحمر بالقرب من الحدود الدولية الجنوبية، في الوقت عينه الذي كانت تتمدد فيه قواعد إسرائيل وإيران وتركيا إلى مضيق باب المندب عبر جيبوتي واليمن والسودان.

وعلى رأس العام التالي 2021 افتتح الجيش المصري "قاعدة 3 يوليو" البحرية في منطقة جرجوب في محافظة مطروح شمال غرب مصر على الحدود مع ليبيا، ضمن نطاق الأهداف الاستراتيجية التي تتعلق بحماية المحيط الحيوي المصري من تمدد ذات الدول التي تستخدم التنظيم الدولي كأداة في تحقيق مشاريعها.

وفي صيف 2024 وقّعت مصر مع الصومال اتفاقية دفاع مشترك، تضمنت تفعيل وجود عسكري مصري ميداني لدعم مقديشو ضد حركة الشباب الإرهابية وتعزيز الأمن الإقليمي، مستبقاً مشروع اعتراف إسرائيل بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي دولةً مستقلةً.

النموذج السعودي اليوم يبرز كحالة متصاعدة تستحق التفكيك والدراسة، حيث اجترحت نموذجها الخاص في التعاطي مع معضلة التنظيم الدولي.

وضمن الاستراتيجية عينها، غيّرت القوات المسلحة الأردنية قواعد الاشتباك في التعاطي مع ما يدور على حدود المملكة الشمالية مع تجار المخدرات، وما خلّفه التمدد الإيراني في الجنوب السوري أثناء فترة الثورة، وبذات المسار يمكن رصد مبادرة الملك عبدالله الثاني التي عُرفت بـ"اجتماعات العقبة الأمنية" (Aqaba Process)، لتعزيز التنسيق الأمني الدولي لمكافحة الإرهاب والتطرف، وتركّز على المناطق الهشّة أمنياً والمعرّضة للخطر، تحديداً في غرب أفريقيا وشرق أفريقيا، عبر شبكات أمنية عابرة للقارات.

وتقوم الفكرة على مبدأ "لا أمن لدولة بمعزل عن أمن جيرانها"، فيتم نقل التعاون من ثنائي إلى إقليمي لمواجهة التهديدات في مهدها.

نموذج سرب الإوز

ومن هذا السياق يمكن تحليل تحركات المملكة العربية السعودية في اليمن والسودان والبحر الأحمر من خلال مواجهة التهديدات العابرة للحدود في مهدها، فالفوضى تعني بيئة خصبة لنمو الإرهاب، وهو ما يعني منح مزيد من القوة لأدوات الإسلام السياسي التي تستمد كوادرها من شعوب البلاد الغارقة بالحروب والفوضى والقهر.

الصعود السعودي الذي لم يعد سراً، والواضح من خلال تحركاته في اليمن والسودان والبحر الأحمر، هو عمل أقرب لفكرة نظرية الإوز الطائر (Flying Geese Theory)، التي تصف النموذج الاقتصادي الياباني، حيث وزّعت طوكيو الصناعات الصغيرة على محيطها لتخصّ ذاتها بالصناعات الثقيلة، فصعدت كل المنطقة معها بسلاسة كسرب الإوز، وقامت الدول المحيطة بها بتوفير طوق أمني لليابان دون أن تدفع الدولة لهذه الدول بشكل مباشر، فاستمرار اليابان يعني ثبات طيران السرب!

النموذج السعودي اليوم يبرز كحالة متصاعدة تستحق التفكيك والدراسة، حيث اجترحت نموذجها الخاص في التعاطي مع معضلة التنظيم الدولي، بحيث اختطّت مساراً تنموياً ثقافياً على المسار الوطني، وآخر يجمع بين الحزم وإطفاء التهديدات الخارجية في مهدها. النموذج لا يزال في طور الصعود والتجويد، وبالتأكيد سيمر بالكثير من المعوقات نظراً إلى تقاطعه مع أدوار إقليمية تقليدية.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

وراء كل تحقيق، قصة بحث طويلة، وفريق يراهن على الدقة، لا السرعة.

نحن لا نبيع محتوى... نحن نحكي الواقع بمسؤولية.

ولأنّ الجودة والاستقلال مكلفان، فإنّ الشراكة تعني البقاء.

Website by WhiteBeard
Popup Image