أنتج هذا التحقيق بدعم من أريج.
مساء 25 أيار/ مايو 2023، غادر "ميكروباص" يُقلّ كامل محمد حميدة (15 عاماً)، من قريته في مركز مشتول السوق بمحافظة الشرقية، برفقة تسعة صبية من أبناء قريته متجهاً إلى ليبيا. كانت هذه أول خطوة لـ"كامل" ورفاقه في رحلة هجرة غير نظامية نسّقها لهم أحد "سماسرة البشر"، ووجهتها مدينة السلوم الحدودية مع ليبيا، ومنها إلى مصير مجهول.

عدم موافقة الأم "أمل شحاته" على قرار رحيل ابنها "كامل"، دفعه للخروج سراً من القرية والسفر من دون معرفة أحد من أسرته. وبعد رحلة شاقة بين الدروب الصحراوية على الحدود المصرية الليبية، وصل كامل إلى طبرق الليبية واستقر في مزرعة للزيتون يمتلكها أحد أبرز مهربي الهجرة غير النظامية، الذي ذاع صيته بين راغبي الهجرة منذ عام 2017، لكنّه ظل متخفياً تحت اسم مستعار: "أبو سلطان".
بحلول الوقت الذي وصل فيه كامل ورفاقه إلى مزرعة "أبو سلطان"، كان المصري "إبراهيم سليمان"* (45 عاماً)، قد أكمل مدة عام مسؤولاً عن مزرعة زيتون "أبو سلطان" في طبرق، بعدما خرج هو أيضاً من محافظة الشرقية إلى ليبيا، هارباً من ديون تعثر سدادها للبنوك.
وفي أقل من عام، تحول إبراهيم سليمان من تاجر خضروات في محافظة الشرقية إلى الرجل الثاني في شبكة "أبو سلطان"، وحلقة الوصل بينه وبين شبكة معقدة من سماسرة الهجرة غير النظامية الممتدة بين ليبيا ومصر.
في هذا التحقيق، تكشف شبكة أريج الشخصية الحقيقة لـ"أبو سلطان"، وتتتبع شبكته "العنقودية" وغطاءه العسكري، بعدما استطاع، عبر صفحات السوشيال ميديا، تأسيس شبكة من وسطاء وسماسرة تعمل بين مصر وليبيا، من أجل هجرة القُصر والراغبين إلى أوروبا على مراكب متهالكة؛ معتمداً على "غسل الأموال" من هذه التجارة، لقطع الطريق أمام أي شبهة قد تحوم حوله.
لا يرتبط اسم "أبو سلطان" المستعار باسمه الحقيقي؛ فهو يُدعى "م. س. الكحاشي" في أواخر الثلاثينيات من عمره. لم يكن على علم بهذا الاسم كثير من سماسرة الهجرة المصريين، الذين تعاونوا معه عبر الإنترنت لاستقطاب القُصّر والشباب للهجرة غير النظامية. فمن يكون؟ وكيف أسّس شبكته للهجرة غير النظامية وغسل الأموال؟
اسم مستعار... العقل المدبّر في الظل

لا يرتبط -من قريب أو بعيد- اسم "أبو سلطان" المستعار باسمه الحقيقي؛ فهو يُدعى "م. س. الكحاشي" في أواخر الثلاثينيات من عمره. لم يكن على علم بهذا الاسم كثير من سماسرة الهجرة المصريين، الذين تعاونوا معه عبر الإنترنت لاستقطاب القُصّر والشباب للهجرة غير النظامية من شرق ليبيا إلى أوروبا.
ما بدا معلومة بديهية، كان في الواقع غائباً عن كثيرين، في شبكة تعمل منذ عام 2017 تحت غطاء من السرّية والتخفي. اقتربنا من امبراطورية أبو سلطان، الاسم المستعار الذي يقف خلفه أحد الأسماء الشهيرة في طبرق الليبية، معتمداً في تيسير أعماله على شبكة كبيرة من الوسطاء والسماسرة، يُسهلون له "شحن" راغبي الهجرة إلى ليبيا، وغسل أمواله المُحصَّلة من التهريب.
عبر مصدرين في طبرق، أحدهما مدني وآخر عسكري، كشفا أن "م. س. الكحاشي" هو اسم يعود إلى أحد الجنود في كتيبة 2020؛ وهي الكتيبة التي أُسّست في الأصل لمكافحة الهجرة غير النظامية وتجارة المخدرات، وتتبع لواء طارق بن زياد في الجيش الليبي شرقي ليبيا.
في هذا السياق يقول لنا مصدرنا العسكري، الذي كان قائداً في الجيش الليبي حتى وقت قريب، بينما نتحفظ عن نشر اسمه لسلامته، إن الكحاشي كان مجنداً في الأساس يعمل تحت قيادته أثناء توليه مهاماً عسكرية في كتيبة عمر المختار، مشيراً إلى أنه كان "جندياً بسيطاً لا يملك إلا راتبه كموظف". لكنّ المصدر يستدرك معتقداً أن الكحاشي، هو مجرد "دمية" للضباط الكبار، قائلاً: "أي مسؤول بيحط واحد قدامه (واجهة له لتولي أعماله الخاصة بالتهريب)، والمسؤول يكون بعيد والفلوس تيجي لعنده. ولازم (المهربين) يدفعوا أتاوه للكتيبة. تبغى تشتغل معاهم لازم تدفع. والأفضل يكون عسكري معاهم أفضل يتحكموا فيه، والكحاشي هذا له علاقات بالمدنيين والأفضل أن يكون الوسيط بينهم وبين (الضباط في الكتيبة). الضباط مثلاً يختارون للمهربين موعداً للدخول (إلى الحدود البحرية) ما بعد 11 مساء، خاصة في ميناء كمبوت وهو ميناء طبعاً تابع للكتيبة. ميقدرش المهرب يهرّب هذه الأعداد عبر البحر والمنافذ من دون موافقة الدولة (في شرق ليبيا)".
يتقاطع حديث مصدرنا مع معلومات نُشرت في تقريرين سابقين للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود، وتقرير آخر صادر عن منظمة العفو الدولية، تُفيد بأن لواء طارق بن زياد، هو إحدى المجموعات القتالية سيئة السمعة في الجيش الليبي في الشرق؛ إذ يتورط في عمليات الهجرة غير النظامية وحماية المهربين، والمخازن والمستودعات المستخدمة كملاجئ للمهاجرين.
تقرير حقوقي آخر يُقرب لنا الصورة أكثر عن الكتيبة التي يخدم فيها "أبو سلطان". وفقاً للتقرير السنوي لعام 2024، الصادر عن منظمة "رصد ليبيا" المعنية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية في ليبيا، فإن الكتيبة 2020 بقيادة الضابط "ن. ب. ح" متورطة في إدارة عمليات تهريب البشر إلى أوروبا، مستغلة نفوذها العسكري من خلال استخدام الممرات الرسمية للهجرة عبر البحر من طبرق؛ خاصة ميناء طبرق البحري الذي تُديره رسمياً.
آمر الكتيبة الذي ورد اسمه في التقرير السابق، هو الضابط نفسه الذي تجمعه صور متفرقة مع "أبو سلطان" بزيه العسكري والمدني؛ فيما يبدو أن قربهما يتجاوز مجرد كونهما رفقاء سلاح.
قادنا حساب "س. ع. الكحاشي"، وهو أحد أقارب أبو سلطان، على منصة "تيك توك"، إلى العديد من الفيديوهات الخاصة بأبو سلطان مع الضابط "ن. ب. ح".
وفي حساب آخر على "تيك توك" يحمل اسم "القوات الخاصة"، وينشر فيديوهات لقوات الجيش الليبي في طبرق وعملياته فقط، يظهر أبو سلطان وكأنّ له وضعاً خاصاً بين قيادات اللواء طارق بن زياد والكتيبة 2020. في هذا الحساب، يظهر "أبو سلطان" في أكثر من صورة بزيه العسكري مع آمر الكتيبة "ن. ب" وعدد من القيادات العليا بالجيش الليبي في طبرق. كما يظهر "ن. ب" في عدة فيديوهات يقود عمليات "مكافحة" الهجرة غير النظامية. وفي حساب آخر على تيك توك، منسوب إلى أحد قادة الكتيبة 2020 "ص. ح"، نلاحظ اهتمامه بنشر صورته مع "أبو سلطان".
عن الكتيبة 2020 التابعة للواء طارق بن زياد، يقول مصدرنا إن تلك الكتيبة رغم تأسيسها في الأصل من جانب "الجيش الليبي" في الشرق لمكافحة الهجرة غير النظامية، فإنها مسؤولة الآن عن حماية المهربين ودعم الهجرة غير النظامية في ليبيا. ويضيف بأنها تستخدم جنودها، وهم على علاقة جيدة بالقبائل في الشرق الليبي، كوسيط بينهم وبين سماسرة التهريب: "م. س. الكحاشي كان موظفاً عادياً في السابق، و(الجنود هؤلاء) كبروا بعد 2014، ودخلوا هذا الطريق (طريق الهجرة غير النظامية). أغلبهم أعرفهم أنا شخصياً. كان (الكحاشي) أحد جنودي في كتيبة عمر المختار في طبرق، وبعدها انضم للكتيبة 2020… كان إنساناً عادياً جداً، وفي غيره كتير وارد بيعمل بنفس الأمر. كل شغلهم هجرة غير نظامية، وهذا الشغل اللي ماشي عندهم الآن".
قرّب لنا مصدر محلي ثالث يٌقيم في طبرق الصورة أكثر، وحصلنا منه على لقطات لقصر "أبو سلطان" بالقرب من حي التسليح بمدينة طبرق، حيث يصطف أسطول من السيارات الفارهة داخل القصر. اعتمدنا على تحليل صور الأقمار الصناعية للتحقق مما حصلنا عليه من لقطات، لنجد أن قصر أبو سلطان شُيّد على مساحة خمسة آلاف ومئتي متر مربع تقريباً، كما شهدت إنشاءاته تطوراً مستمراً منذ عام 2020 حتى اليوم.

صنع "أبو سلطان" تسلسلاً هرمياً لأدوار كل أفراد شبكته، بينما يجلس في قصره في حي التسليح على قمة الهرم، ولا يعرفه سوى عدد محدود جداً من رجاله؛ من بينهم تاجر الخضروات "إبراهيم سليمان"*.
عن هيكل شبكة "أبو سلطان"، حصلنا على عدة مذكرات أمنية وقضائية مصرية، صادرة في الفترة بين 4 تموز/ يوليو 2023 و14 أيار/ مايو 2024، تكشف تتبع السلطات المصرية لشبكة "أبو سلطان". ووفقاً لتلك الوثائق، فقد كان لأعضاء شبكة "أبو سلطان" أدوار محدودة ومحددة:

تذكرة مجانية إلى ليبيا
عبر شبكة "أبو سلطان"، هاجر كامل محمد حميدة من قريته في الشرقية إلى طبرق الليبية؛ لكنّ طريقه إلى ليبيا لم يكن سهلاً. في لقائنا مع أسرته قالوا لنا ما سُمح لكامل بإخبارهم عن الرحلة: "شحنوهم (الوسطاء/المناديب) من الشرقية في ميكروباص يحمل مَن لا يزيد عُمر أكبرهم على 18 سنة، كانت المحطة الأخيرة هي السلوم، وهناك قابلهم مهربون نجحوا في عبورهم الحدود المصرية إلى داخل الأراضي الليبية".
تدعم رواية أسرة كامل مذكرة صادرة عن النيابة العامة المصرية، بشأن الطريق الحدودي من مصر إلى ليبيا. فمنذ عام 2017، كان "ع. أ. ح" و"ص. ي. ف."، وهما من بدو محافظة مطروح، مختصين بمهمة استلام المهاجرين في مدينة السلوم الحدودية من الوسطاء/المناديب وتهريبهم إلى الداخل الليبي عبر "المدقات" والدروب الصحراوية، ثم تسليمهم إلى آخرين في ليبيا مهمتهم إيصال المهاجرين إلى مستودعات ومزارع تابعة لـ"أبو سلطان".

وفقاً لمصدر قريب الصلة من "أبو سلطان"، ولوثيقة صادرة عن السلطات المصرية، فإن أبو سلطان يمتلك مزارع للزيتون في طبرق؛ واحدة في منطقة كروم الخيل، والثانية في طريق التسليح، والثالثة في حي نجمة الخليج. يستغل أبو سلطان هذه المزارع كغطاء للاتجار بالبشر، ويُخَزِّن داخلها المهاجرين في المرحلة الأولى ما قبل الهجرة إلى أوروبا. ويدفع أبو سلطان المهاجرين قسراً في هذه المرحلة إلى العمل داخل مزارعه من دون أجر. أما في المرحلة الثانية، ينتقل المهاجرون إلى منطقة باب الزيتون شرق طبرق، وهي مرحلة ما قبل الصعود على مراكب الهجرة.

ذهبنا إلى "باب الزيتون" واكتشفنا عدة مقرات لتخزين المهاجرين. وفقاً لإحداثيات الموقع الجغرافي التي بين أيدينا، فالمسافة بين قصر أبو سلطان ومناطق تخزين المهاجرين التي عايّناها في طبرق، لا تبعد إلا ما بين 10 دقائق إلى 20 دقيقة بالسيارة.
كانت قوات "البحث الجنائي" الليبية قد اقتحمت سابقاً مزرعة في "باب الزيتون"، وضبطت مهاجرين داخلها يتم تجهيزهم لرحلة الهجرة غير النظامية.
وفي حزيران/ يونيو 2023، صرّح اللواء إبراهيم الشهيبي، رئيس فرع جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية (فرع طبرق)، أن نحو أربعة آلاف مصري قد ضُبطوا في مستودعات يستخدمها المهربون لنقل المهاجرين إلى إيطاليا.
قبل هذا التاريخ، كان كامل حميدة ورفاقه قد وصلوا إلى ليبيا في أيار/ مايو 2023. تم تخزينه في واحدة من مزارع الزيتون التابعة لـ"أبو سلطان"، ثم تلقت الأسرة اتصالاً من أحد المتعاونين مع "أبو سلطان" في طبرق، يطلب منهم دفع 140 ألف جنيه (نحو أربعة آلاف و600 دولار وفقاً لسعر الصرف وقتها) إلى أحد "وسطائه/مناديبه" في الشرقية؛ من أجل السماح له بالهجرة غير النظامية إلى أوروبا.
في المكالمة نفسها، سُمح لكامل بالحديث مع والدته، التي طلبت منه العودة، لكنّه أخبرها: "مينفعش أرجع، لو رجعت هيقتلوني، لازم تدفعولي الفلوس". بينما يُضيف جَدّه حميدة كامل: "أي واحد مطرحنا هيعمل أيه، كان لازم ندفع الفلوس وإما هيموت".

على خطى كامل حميدة، سار في الطريق نفسه اثنان من أبناء عيد عبد السلام، وهو مُزارع من الشرقية.
وبينما وصل أحدهم إلى إيطاليا، فُقد أثر الآخر في البحر. يقول لنا عيد: "ابني إبراهيم كان عنده 17 سنة. الشباب اللي خرجوا من هنا (من مشتول السوق) مشيوا من غير رغبة أهاليهم... سافر بعد الضغط عليه من أصحابه من ناحية، وأبو سلطان من ناحية. الراجل ده كان اسمه أبو سلطان ده كان منزل على النت وله صفحة والناس بتسمع له، وأسمع إنه محمد أبو سلطان منعرفش غير اسمه كده على النت، لكنه كان بيبعت المناديب اللي تبعه هم اللي ياخدوا الفلوس... دفعنا له 140 ألف و400 جنيه، خدهم المندوب باليد بس منعرفش هو مين".
كامل حميدة وإبراهيم عيد وعشرات غيرهم من راغبي الهجرة ممن قابلنهم، أو تحدثنا مع أسرهم، كان الرابط المشترك بينهم أنهم خرجوا جميعاً من مصر بتذكرة مجانبة مؤقتة منحها لهم "أبو سلطان"، حتى وصلوا إلى ليبيا.
وضع أبو سلطان لشبكته آلية "ذكية"؛ تضمن له شحناً مجانياً لأكبر عدد من راغبي الهجرة إلى مزارعه في ليبيا. وعند الوصول إلى طبرق، يُساوم الأهالي على الدفع القسري لتذكرة الهجرة غير النظامية إلى أوروبا. هذه الآلية منحت أبو سلطان أرباحاً طائلة يحصل عليها من الأهالي رغماً عنهم، بجانب أرباحه من عملهم القسري داخل مزارعه من دون أجر.
يقول عيد عبدالسلام، الذي هاجر اثنان من أبنائه الصغار: "في عيال راحوا ليبيا وقالوا لنا بنتعذب هناك من المهربين في الأكل والنوم"، مضيفاً أن هذا الأمر يحدث بهدف الضغط على الأهالي لدفع الأموال المطلوبة إلى المهربين.
وثق تقرير سابق لـ"UNHCR" تعرّض مهاجرون في ليبيا إلى التعذيب والاحتجاز التعسفي من جانب المهربين. كما كشفت مشاهد، بثها مكتب النائب العام في ليبيا على فيسبوك، وتقارير حقوقية، الظروف القاسية التي يواجهها العديد من المهاجرين شرقي ليبيا، واحتجازهم في مقرات غير آدمية، وتعرضهم للتعذيب الممنهج حتى يتم سداد الفاتورة الكاملة للوسطاء والسماسرة.
الخلايا العنقودية
شبكة الوسطاء (المناديب) والسماسرة الذين يعتمد عليهم أبو سلطان، القائمة على تسلسل هرمي مُثير، ضمنت له العمل متخفياً في تهريب البشر منذ عام 2017. بينما كان تاجر الخضروات "إبراهيم سليمان" في رتبة أعلى من الوسطاء/ المناديب، ورتبة أقل من أن يكون قائداً للشبكة، كان وسيطاً مناسباً لـ "أبو سلطان" بينه وبين سماسرته ووسطائه في مصر وليبيا، وضامناً لنجاح "الخلايا العنقودية" التي صنعها.
وفقاً لمذكرة صادرة عن الإدارة العامة لمكافحة الهجرة غير النظامية بوزارة الداخلية المصرية، فقد قاد "أبو سلطان" شبكته منذ عام 2017 بطريقة "الخلايا العنقودية" محدودة الأدوار، تعمل كل خلية وفق تكليف محدد فقط عبر سماسرة من محافظات مختلفة، لا يعرف الأدنى منهم الأعلى، ولديهم اتصال بمجموعة محددة في ليبيا.
"البيزنس" الكبير لـ"أبو سلطان" جراء الهجرة غير النظامية، تكشف تحقيقات أجرتها النيابة اليونانية جانباً مثيراً فيه، بعدما حققت مع مهاجرين وصلوا إلى اليونان من طبرق عبر شبكة أبو سلطان. فما قصته؟ وكيف يجني مبالغ طائلة من أهالي مهاجرين رغماً عنهم؟
كما كشفت تحقيقات النيابة المصرية أن قيادة خلية "أبو سلطان" تعمل في ليبيا، وتقوم عن بُعد بتشغيل سماسرة تهريب في أغلب محافظات مصر. وفيما يتعلق بالأموال التي يجمعها من المهاجرين، فإن شبكة أبو سلطان تعتمد على عمليات غسل الأموال التي يتم استلامها من المهاجرين عبر وكالات بيع خضروات وشراء العقارات.

"البيزنس" الكبير لـ"أبو سلطان" جراء الهجرة غير النظامية، تكشف تحقيقات أجرتها النيابة اليونانية جانباً مثيراً فيه، بعدما حققت مع مهاجرين وصلوا إلى اليونان من طبرق عبر شبكة أبو سلطان. وفقاً للتحقيقات اليونانية، فقد دفع كل مهاجر إلى الشبكة ما بين أربعة آلاف إلى سبعة آلاف يورو. وعلى مركب هجرة غير نظامية، يحمل ما بين 700 إلى 800 مهاجر، فإن إيرادات الرحلة الواحدة تقترب من ثلاثة ملايين يورو.
المشهد الأكبر تكشف عنه ورقة بحثية صادرة عام 2021، عن معهد الأمم المتحدة الإقليمي لبحوث الجريمة والعدالة، التي تشير إلى أن الدخل السنوي لأنشطة تهريب المهاجرين في ليبيا يتراوح بين 89 و236 مليون دولار، استناداً إلى أعداد المهاجرين الذين وصلوا إلى إيطاليا خلال عام 2016 وحده.
وبحسب تحقيق سابق لـ"أريج"، يبلغ متوسط سعر التهريب إلى إيطاليا من شرقي ليبيا (منطقة نفوذ أبو سلطان)، بين أربعة آلاف وأربعة آلاف و500 دولار للمهاجر الواحد.
ووفقاً لتقرير آخر صادر عن مجلة Athens Journal of Mediterranean Studies، فإن الأرباح السنوية لتهريب البشر من ليبيا إلى أوروبا، تتراوح بين نحو 250 إلى 300 مليون يورو؛ وهي التقديرات نفسها الصادرة عن الهيئة الأوروبية للشؤون الخارجية (European External Action Service (EEAS.
تدوير الأرباح

في التاسع من حزيران/ يونيو 2023، تمكنت شبكة "أبو سلطان" من إخراج مركب صيد متهالك من طبرق، يحمل كامل حميدة ومئات غيره من المهاجرين إلى أوروبا، تُقدر أعدادهم ما بين 700 إلى 800 مهاجر.
في هذه الأثناء، كان تاجر الخضروات "إبراهيم سليمان"، قد عاد من مزرعة أبو سلطان في طبرق إلى مصر بتكليف محدد: تجميع الأموال المُحصَّلة من "وسطاء/ مناديب" أبو سلطان المنتشرين في محافظات بمصر، وإعادة فتح وكالة "و. السعد" للخضروات والفاكهة في الشرقية، وشركة تحمل اسم "س. للتوريدات العمومية"، ثم شراء وحدات سكنية.
تُجمع بدقة أرباح "أبو سلطان" من الاتجار بالبشر، ثم يُعاد تدويرها وغسلها بعدة طرق. كُلِّف بهذه المهمة "سليمان" ومعه "محمد السطوحي"*، تاجر بيض من الشرقية، وعمره 47 سنة.
على دفتر ممهور باسم وكالة "و. السعد للخضروات"، كان سليمان يُدون أسماء المهاجرين وما دفعه لهم ذووهم عبر شبكة المناديب المنتشرة في مصر. أحد هذه الدفاتر، التي اطلعنا على نسخة منها، مدون فيها 146 اسماً، بجوار كل اسم مكتوب 140 ألف جنيه؛ أي المبلغ المدفوع من المهاجر نظير السفر.
كانت مهمة تاجر البيض أكثر دقة؛ إذ يقوم بجمع الأموال من "المناديب" وتدوينها بالتاريخ والإجمالي في أحد الدفاتر. على واحد من هذه الدفاتر، التي اطلعنا على نسخة منها، كان بحوزة "السطوحي" دفتر مكتوب فيه بخط اليد ما قام بتحصيله من المهاجرين، وعنّونه باسم "فاتورة".
ما كان يُسمح بإرساله من أموال إلى ليبيا، كان يتم في كثير من الأحيان عبر تطبيق "فودافون كاش"، وعبر مكتب صرافة يحمل اسم "ب. أ. للصرافة" في طبرق. يقول "سليمان" إن مالك مكتب الصرافة هو أبو سلطان نفسه. بينما كان سليمان، ربما بغرض التمويه، يُسجّل اسم أبو سلطان على هاتفه بـ"مطعم فتح الله"، وفي الوقت نفسه يُدير سليمان شبكة من "المناديب" لتحصيل أموال الهجرة. كان تطبيق واتساب أداة التواصل الرئيسة بين سليمان و"منادبيه" من جانب، وبين المهاجرين وأهاليهم من جانب آخر.
كان سليمان يُصدر تعليماته في بعض الأحيان عبر رسائل صوتية على تطبيق واتساب، مُرسلة إلى المهاجرين أو ذويهم. في إحدى هذه الرسائل يقول: "جهّزوا أموالكم وتواصلوا فقط عبر الإنترنت. سأرسل مندوباً لجمع المال".
وفي رسالة أخرى كتب سليمان لأحد راغبي الهجرة: "أنا هبعت لكم المندوب لحد عندكم واكتب لي اسم البلد والقرية أيه بالضبط. هبعتلك المندوب يستلم منك. هو هيتصل بيك اليوم يقولك أمانة الحاج أحمد يقولك تمام وبعد كده اتواصل معاه".
في رسالة ثالثة إلى إحدى الأُسر للاطمئنان على وصول أبنائها، أرسل سليمان: "أول ما يوصلوا بالسلامة هطمنك وأنزل أساميهم على الصفحة. الجمعة إن شاء الله يوصلوا وأنزل الأسماء كلها على صفحة محمد محمد".
كان "الوسطاء/ المناديب" منتشرين في محافظات مصر من الجنوب إلى الشمال، وبينما لم يكن أي منهم يعرف أي معلومات دقيقة عن الرأس: "أبو سلطان"، اقتصرت مهامهم على أن يكونوا في الصفوف الأولى فقط مع المهاجرين وذويهم؛ يقنعونهم بالهجرة ويُحَصِّلون منهم الأموال ويسلمونها للسماسرة، فيما يحصل كل مندوب على متوسط خمسة آلاف جنيه عن كل فرد يُقنعه بالهجرة غير النظامية، أو نظير تحصيل الأموال.
من بين هؤلاء "المناديب" محدودي الأدوار، "عبده بدوي"* (44 سنة)، صياد من برج مغيزل بمطوبس في محافظة كفر الشيخ، التي تُعد في المرتبة الأولى من بين المحافظات المصرية الأكثر تصديراً للهجرة غير النظامية. لكنّ "ح. ا." تورط في عمل إضافي.
في 5 تموز/ يوليو 2023، ألقت السلطات المصرية القبض على "م. أ"، صائغ يمتلك محل مجوهرات في مدينة رشيد بمحافظة البحيرة، ومعه "ف. م." (17 عاماً)، أحد العاملين معه. فيما بعد، يتضح أن مدينة رشيد كانت نقطة محورية لتدوير وغسل أموال "أبو سلطان"، وشراء مراكب الصيد المتهالكة، باستغلال محل مجوهرات في المدينة نفسها.
أمام النيابة المصرية، اعترف "ف. م" بأن مالك محل المجوهرات أمره بأخذ نصف مليون جنيه مصري (نحو 16 ألفاً و200 دولار وفق سعر الصرف حينها) من خزينة محل المجوهرات، وتسليمها إلى "عبده بدوي" مندوب "أبو سلطان". كشفت التحقيقات أن دور محل المجوهرات هو نقل وتحويل الأموال المُحصَّلة من عمليات تهريب البشر.
يقول "بدوي" إن الـ 500 ألف جنيه التي استلمها من محل المجوهرات، تعود إلى صهره، الذي يعمل صيّاداً في ليبيا، وأنه يطلب منه بين الحين والآخر جمع الأموال وتسليمها لشقيقته. ويؤكد أن دوره كان مقتصراً على استقطاب المهاجرين أو استلام أموال منهم. ووفقاً للنيابة العامة المصرية، فإن السلطات المصرية عثرت في منزل صهره على مليونين و60 ألف جنيه مصري (نحو 66,800 دولار وفق سعر الصرف آنذاك)، سُلّمت لزوجته من الوسطاء "المناديب" بعد تحصيلها من المهاجرين.
يُضيف "بدوي" أن شقيق زوجته كان يطلب منه في أوقات كثيرة مقابلة أشخاص لاستلام أموال وتسليمها الى زوجته، ومنذ ثلاثة أسابيع من هذا التاريخ (4 تموز/ يوليو 2023) طلب منه مقابلة شخص آخر في مدينة برج مغيزل في كفر الشيخ، واستلم منه 130 ألف جنيه، وبعدها استلم من آخر مبلغ 260 ألف جنيه، ثم استلم في مدينة رشيد بمحافظة البحيرة مبلغ 500 ألف جنيه، وقام بتسليم هذه الأموال لزوجته.
أجرى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية المصرية فحصاً فنياً لهاتف "عبده بدوي". وفي مذكرة صادرة عن القطاع، حققت فيها النيابة العامة المصرية في 28 آب/أغسطس 2023، رسمت الأدلة -التي تم استردادها من هاتفه بعدما قام بحذف بعضها- صورة أقرب لعمل وسطاء/ مناديب أبو سلطان.
كشف الفحص الفني عن صور محذوفة لمركب صيد يحمل مهاجرين، تُستخدم (الصور) للترويج للشبكة، بجانب رسائل صوتية تتعلق بتسليم واستلام أموال من مهاجرين وسماسرة، ومعلومات اتصال لمهربين آخرين، وسجلات لحوالات مالية من المهاجرين عبر تطبيق فودافون كاش.
سلطت الوثائق الضوء أيضاً على الآليات المالية المعقدة التي تدعم شبكة التهريب؛ إذ يتم في بعض الأحيان تنفيذ التحويلات من المهاجرين إلى الوسطاء عبر تطبيق فودافون كاش، وفي أحيان أخرى يتم تسليم الأموال باليد داخل لفافة مكتوب عليها اسم المُهاجر وبلده والمبلغ.
في تشرين الأول/أكتوبر 2023، أحالت النيابة المصرية 36 اسماً من شبكة "أبو سلطان" إلى المحاكمة بتهمة غسل الأموال وتهريب البشر. كانت خلفيات جميع المتهمين متنوعة مثل أدوارهم: من بينهم تاجر خضروات وبائع بيض، وسائق، ومحامٍ، وصاحب مزرعة دجاج، وحلاق، وشيف، وصيّاد.
بحسب وثائق أرسلتها إدارة مكافحة جرائم غسل الأموال بوزارة الداخلية المصرية إلى النيابة العامة، فإن شبكة أبو سلطان اتبعت آلية محددة لغسل الأموال، وشراء مراكب صيد متهالكة، بغرض تهريب البشر إلى أوروبا.

إحدى هذه الوثائق، التي حُرّرت بتاريخ 22 تموز/ يوليو 2023 تحت رقم "5 أحوال"، تكشف أن "أ. س. سليمان"، الرجل الثاني في شبكة أبو سلطان، كان مكلفاً بغسل الأموال المُحصَّلة من راغبي الهجرة عبر شراء عقارات وتأسيس شركات.
في 16 كانون الثاني/يناير 2020، أسّس سليمان وكالة لبيع الخضروات والفاكهة في محافظة الشرقية. وفي الشهر نفسه من عام 2022، أسّس في الجيزة باسم زوجته شركة "س. للتوريدات العمومية". وفي المرحلة التالية، تُكتب ملكية هذه العقارات والشركات بأسماء مصريين لهم صلات مباشرة مع المهربين في ليبيا.
وفقًا لإدارة مكافحة جرائم غسل الأموال بوزارة الداخلية المصرية، فإن هذا النمط معمول به منذ عام 2017، حيث تعمل تلك الوكالات التجارية وشراء العقارات كباب خلفي لعمليات الاتجار بالبشر، بهدف إخفاء أو تمويه طبيعة تلك الأموال، وقطع الصلة بينها وبين مصدرها غير المشروع.
يتضح أن شبكة أبو سلطان كانت بارعة في غسل عائداتها عبر مؤسسات تجارية تبدو مشروعة: محل مجوهرات، ومحل بقالة وخضروات، ومحل للصرافة، وجميعها مرتبطة بـ"أبو سلطان".
كما تم تحويل الأموال لشراء قوارب صيد متهالكة من مدينة رشيد، حيث يوجد محل المجوهرات؛ من بينها مركب صيد يحمل اسم "المتوكل"، الذي اشتراه أبو سلطان لنقل المهاجرين من طبرق إلى إيطاليا في حزيران/ يونيو 2023، وهو المركب نفسه الذي صعد عليه كامل حميدة ورفاقه، وما يزيد على 700 مهاجر من جنسيات مختلفة، ثم غرق على الحدود اليونانية في 14 حزيران/ يونيو 2023، ولم ينجُ منه سوى 104 فقط من جنسيات متنوعة.
بعد حادثة غرق المركب، هرب سليمان من محل إقامته في محافظة الشرقية، واختبأ في "فيلا" بحي العجمي بالإسكندرية. أثناء ذلك، صدرت تعليمات من "أبو سلطان" إلى سليمان بتدوير جزء مما لديه من الأموال المرتبطة بالرحلة الأخيرة لمركب المتوكل، في شراء عقارات في الحي نفسه الذي يختبأ به.
بعد ضبطه والتحقيق معه، اعترف سليمان أمام النيابة المصرية بشراء وحدتين سكنيتين لصالح "أبو سلطان" في حي العجمي بالإسكندرية، بتاريخ 23 حزيران/ يونيو، أي بعد ثمانية أيام فقط من حادثة غرق مركب المتوكل، مشيراً إلى أن "أبو سلطان" طلب منه شراءها وكتابتها مؤقتاً باسم سليمان.
تقول مذكرة صادرة عن إدارة مكافحة غسل الأموال بوزارة الداخلية المصرية، إن عمليات شراء العقارات، واحدة من عمليات غسل أموال أخرى مُنظمة قامت بها شبكة أبو سلطان؛ بهدف إخفاء وتمويه طبيعة (تلك الأموال)، وقطع الصلة بينها وبين مصدرها غير المشروع، عبر تحويل الانتباه عن المصدر الحقيقي للأموال.
المحامي مصطفى كامل الترعي، الذي يترافع بين مصر والإمارات في قضايا غسل الأموال، يقول لنا إن أنماط "غسل الأموال" متعددة، لكن يجب أن تسبقها جريمة يترتب عليها قيام مُرتكب الجريمة بقطع الصلة بينه وبين تلك الأموال غير المشروعة. مشيراً إلى أنه في حالة الاتجار بالبشر، يتم في المرحلة الأولى توجيه اتهام بارتكاب هذه الجريمة، ثم في المرحلة الثانية، يتم توجيه اتهام بغسل الأموال المُحَصَّلة من هذا النشاط. وأوضح أن أنماط غسل الأموال لا تتعلق بحجمها ولكن بالنشاط ذاته، فأي أموال، حتى لو مبلغ ضئيل، مُحصَّلة من نشاط إجرامي، ويقوم المتهم بإدخالها في نشاط تجاري لقطع الصلة بينه وبينها؛ فهذا النشاط يُصنف على أنه تبيض أو غسل أموال.
أبو سلطان "الأصلي"

بعد غرق مركب المتوكل، فُقد أثر كامل حميدة وجميع رفاقه الصبية من قريته نفسها. تقول لنا والدة كامل حميدة: "لما المركب غرقت مسكتش، وقعدت أدور على رقم أبو سلطان الخاص، وجبته من ناس كانوا متعاملين معاه، واتصلت بيه شخصياً بعد الحادثة ورد علي بنفسه، وقلتله أنا عاوزه أعرف ابني اللي كان على المركب عايش ولا لا. قالي هو بخير (مغرقش) وقال بالأمارة اسم ابني بالكامل اللي مكتوب عنده".
ربما لم تعلم والدة كامل حميدة أن شخصية "أبو سلطان" الغامضة تختفي خلف أسماء متنوعة على فيسبوك، وخلف أرقام هواتف ليبية مختلفة وغير محدودة. يكفي أن الأرقام التي أدلى بها سماسرة "أبو سلطان" إلى السلطات المصرية، كانت تزيد على أربعة أرقام هواتف ليبية متنوعة.
وعلى موقع فيسبوك نفسه، تنتشر أرقام هواتف لا حصر لها منسوبة لـ"أبو سلطان". حصلنا على رقم هاتف "ثريا"، التابع لـ"أبو سلطان"، وحاولنا الاتصال به، لكنّنا لم نتلقَّ رداً حتى موعد نشر التحقيق.
عيد عبد السلام، الذي هاجر اثنان من أبنائه إلى ليبيا عبر الطريق نفسه، قال لنا إن "أبو سلطان" شخص مجهول يستخدم الإنترنت لإقناع الأطفال بالسفر، وعندما يقول أحد إن "أبو سلطان" كذاب، تنشر صفحات على فيسبوك، فيديوهات للشباب أنفسهم المهاجرين بعد وصولهم؛ وهو الأمر الذي يُطمئن الأهالي. ويُضيف عيد أنه في المرحلة اللاحقة يُهددهم المهربون "في ليبيا" بأولادهم المحتجزين لديهم: إما دفع الأموال المطلوبة أو قتلهم.
ظلت هوية "أبو سلطان" غامضة للمهاجرين، مختفياً خلف اسم مستعار لا يعرف حقيقته سوى عدد محدود من المهربين القريبين منه في الشرق الليبي. هذا الغموض والانتشار على صفحات السوشيال ميديا، فتح الباب أمام سماسرة آخرين لانتحال صفة "أبو سلطان" نفسه، لضم أكبر عدد من المهاجرين.
وانتشرت على فيسبوك صفحات وتدوينات تحمل اسم "أبو سلطان الأصلي"، و"أبو سلطان واحد بس"، و"محمد محمد أبو سلطان" وغيرها من الصفحات. ظهرت أسطورة "أبو سلطان" في الانتشار بين راغبي الهجرة عبر فيديوهات يقومون ببثها على صفحات متعددة، تتعلق بمراكب هجرة غير نظامية نجحت في الوصول إلى وجهتها لأوروبا، وفيديوهات أخرى من راغبي الهجرة تمدح ما يُقدمه من خدمات لإيصالهم إلى بر الأمان في أوروبا.
كان تاجر الخضروات "إبراهيم سليمان" يُدير بنفسه إحدى صفحات "أبو سلطان" الشهيرة على فيسبوك، والتي كانت تحمل اسم "محمد محمد"، وتنشر تدوينات عن رحلات الهجرة موقع عليها باسم "أبو سلطان"، فيما كان متعارف عليه بين المهاجرين أن "محمد محمد" هو نفسه الحساب الشخصي لـ"أبو سلطان".
بعد يومين من حادثة غرق "كامل حميدة" على مركب "المتوكل"، نشر حساب "محمد محمد" تدوينة على فيسبوك يُبرر فيها موقفه، قائلاً إنه لا يتحمل نتيجة غرق المركب، وإن جميع الصبية سافروا بعد موافقة أسرهم، ولا يُسمح لهم بالسفر إلا بعد موافقة الأب على ذلك، ومن ثم فإن الأسرة هي من تتحمل مسؤولية الابن. على التدوينة نفسها، رد حساب يحمل اسم "أبو كريم"، قائلاً له: "أنت كذاب، أنا ابني مخطوف ومسافر بالإكراه من مناديبك المصريين اللي بيستقطبوا أطفال قُصر ويصورولهم أوروبا جنة، وبعد ما يعملوا لهم غسل مخ ويستدرجوهم يطلبوا فدية، وتواصلت معاهم جميعاً رفضوا يرجعوه وأخدوا منه التليفون".
اتصلنا بالحساب الذي يحمل اسم "أبو كريم"، وقال لنا إن ابنه "كريم إبراهيم"، 16 عاماً، سافر من دون علمهم إلى ليبيا عبر شبكة "أبو سلطان" في مصر، مشيراً إلى أن "أبو سلطان" هو "أكبر مهرب في ليبيا، ويستقطب الأطفال القُصر عبر ذراعه الأيمن في ليبيا (سليمان) من محافظة الشرقية".
بعد القبض على "إبراهيم سليمان"، اختفت "صفحة محمد محمد" من موقع فيسبوك. وفي 14 أيار/ مايو 2024، انعقدت محكمة استئناف طنطا وقضت بالمؤبد غيابياً وبغرامة خمسة ملايين جنيه على "م. س. الكحاشي"، الشهير بـ"أبو سلطان"، بتهمة قيادة وتشكيل شبكة إجرامية من المهربين في مصر، وغسل الأموال واستغلال أطفال لارتكاب الجريمة، كما قضت في الاتهامات نفسها بالسجن خمس سنوات، وغرامة مليون جنيه ضد تاجر الخضروات إبراهيم سليمان، وتاجر البيض محمد السطوحي*، و23 مصرياً آخر من شبكة "أبو سلطان".
وفي ليبيا، وعلى الرغم من صدور هذا الحكم، لا تزال شبكة "أبو سلطان" تعمل بين ليبيا ومصر.
لا يزال "أبو سلطان" طليقاً، فيما يستمر وسطاؤه وسماسرته في العمل بين مصر وليبيا. أحد مصادرنا في ليبيا يصف لنا "أبو سلطان" بأنه لا يزال "عرّاب الهجرة" في طبرق
الشبكة مستمرة
بعد قرابة شهرين من فقدان "كامل حميدة" وغرق مركب المتوكل، أهدى أبو سلطان لابنة أخيه مجسم سيارة "دفع رباعي". قادتنا صفحة محل هدايا، على فيسبوك، إلى هذا المنشور الذي شاركه شقيق "أبو سلطان" (آ. س. الكحاشي).

بتوسيع البحث العكسي عن "آ. س. الكحاشي" وصلنا إلى فيديو نُشر على صفحة تُسمى "عقارات طبرق"، حُذف بعدها بوقت قصير، ويظهر فيه "آ. س. الكحاشي" بنفسه على رأس مركب هجرة غير نظامية يُشرف عليه قبل إبحاره. يقول لنا مصدرنا المحلي من طبرق، إن هذا المركب قد أبحر من طبرق في نيسان/أبريل 2025، تحت إدارة "م. س. الكحاشي" وإشراف شقيقه.
يمتلك شقيق "أبو سلطان"، وفقاً لما أعلنه بنفسه على صفحته الشخصية على فيسبوك وتيك توك، معرضاً للسيارات؛ لكنّه في الوقت نفسه ينشر فيديوهات له مرتدياً الزي العسكري للقوات الخاصة للجيش الليبي في طبرق. يظهر في أحد هذه الفيديوهات داخل معسكر تابع للجيش الليبي في طبرق، بجوار أخيه "أبو سلطان" وبين قيادات من الجيش الليبي، من بينهم "ن. ب. ج". كما يُلاحظ أن ثلاثة من هذه الفيديوهات، التي نشرها شقيق أبو سلطان (أ. س. الكحاشي)، كانت لعمليات يُشارك فيها رسمياً في "مكافحة" الهجرة غير النظامية. بينما يتزامن أحدها مع تاريخ تقريبي للفيديو السابق، الذي يظهر فيه بزي مدني على رأس مركب هجرة غير نظامية، يُشرف على إبحاره سراً من ليبيا.
وفي نيسان/ أبريل 2025، عادت صفحة "محمد ابوسلطان للسفر الي إيطاليا" على فيسبوك إلى التفاعل مجدداً. كانت التحقيقات القضائية المصرية قد أثبتت أن "إبراهيم سليمان" كان يُدير هذه الصفحة لصالح "أبو سلطان" تحت اسم "محمد محمد"، وأنها واحدة من بين صفحاته على فيسبوك لاستقطاب المهاجرين. نشرت الصفحة نفسها مجدداً هذا العام (2025) أكثر من منشور، من بينها منشور أعلن نجاح وصول رحلة تابعة لهم في 8 حزيران/ يونيو 2025، ثم فيديو آخر نُشر بعد خمسة أيام لرحلة هجرة غير نظامية، يبدو من الفيديو أنها نجحت أيضاً في الوصول إلى أوروبا.
نشر آدمن الصفحة رقم هاتف مصرياً على الفيديو، بهدف تواصل راغبي الهجرة معه. وضعنا الهاتف على أكثر من برنامج الكشف عن الأسماء المُسجلة لأرقام الهواتف "ترو كولر"، وظهر أنه مكتوب باسم "محمد أبو سلطان". وعلى برنامج آخر، أظهر أيضاً الاسم نفسه "محمد أبو سلطان". وفي برنامج ثالث أكثر دقة، إذ يُظهر الأسماء المُسجلة باسم هذا الرقم منذ بدء تشغيله، وجدنا أسماء عديدة باسم مالك هذا الهاتف، من بينها "أبو سلطان" و"مندوب ليبيا لإيطاليا" و"محمد سلطان مهرب".

وفي 24 تموز/ يوليو 2025، أبحر مركب آخر تابع لشبكة "أبو سلطان" من شرق طبرق، لكنّه غرق قبل الخروج من المياه الليبية. بعد غرق المركب، نشرت صحيفة مصرية منشوراً على صفحتها حول عدد الضحايا المصريين على المركب. في ذلك المنشور، لاحظنا تعليق شقيق "أبو سلطان" عليه، متقدماً بنعي لأسر المفقودين، وداعياً لهم بالرحمة، وختم تعليقه: "ربي قادر على كل شيء".
محمد إبراهيم، أحد المهاجرين المصريين الذي سافر عبر شبكة "أبو سلطان" إلى أوروبا، نجح في الوصول إلى اليونان، وفي انتظار الحصول على قرار اللجوء. أكد لنا أن اثنين من "معارفه" من محافظة الشرقية، كانا على هذا المركب وهاجرا عبر شبكة "أبو سلطان" إلى ليبيا، لكنّهما غرقا مع آخرين (81 مهاجراً منهم 79 مصرياً) قبل خروج مركبهم من الحدود الليبية. يُضيف محمد إبراهيم أن شبكة "أبو سلطان" لا تزال تعمل في مصر، على الرغم من القبض على كثير من أفرادها. تأتي أهمية حديث محمد، من كونه متابعاً لنشاط شبكة "أبو سلطان"؛ بسبب طلب الكثير من معارفه وأقاربه وأصدقائه السفر عبر الطريق نفسها التي تمكن من خلالها العبور إلى أوروبا.
الحلم

رغم مرور عامين على غرق مركب المتوكل، التي كان على متنها كامل حميدة ورفاقه، وإعلان اليونان رسمياً "ترجيح" غرق جميع المهاجرين، ما عدا 104 مهاجرين، فإن الاتصال المزعوم بين "أبو سلطان" وأمل شحاتة والدة كامل حميدة لا يزال يُعلقها بالأمل في الوصول إلى ابنها على قيد الحياة.
في 17 حزيران/ يونيو 2025، قابلنا أمل شحاته بمنزلها في مشتول السوق بمحافظة الشرقية، وقالت إن كامل لايزال على قيد الحياة، ودليلها مكالمة "أبو سلطان" لها، وتأكيده بأنه من الناجين. لكنّ طيفاً آخر يؤكد لـ"أمل" ذلك، تقول: "أنا حلمت بابني ثلاث مرات، كان يجيلي يقولي يا ماما أنا موجود وجاي. ربنا هيجيبهولي بالسلامة. (بس) أنا مش عاوزه حد يمشي في نفس الطريق، لأنه لسه في ناس كتير بتمشي مفيش حاجه وقفت، و(المهربين) اتقبض عليهم شوية بس رجعوا تاني يشتغلوا".
في اليوم التالي، 18 حزيران/ يونيو، ذهبنا إلى برج مغيزل بمركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، التي أُدين فيها أربعة سماسرة من شبكة "أبو سلطان" بالانضمام إلى شبكة إجرامية لتهريب البشر وغسل الأموال. قابلنا أحد صيادي القرية، التي كانت تُعدّ إحدى بؤر "أبو سلطان" لتوزيع التعليمات إلى بقية أفراد الشبكة، وقال لنا إن الشبكة لا تزال تعمل بين ليبيا ومصر، وحتى أمس فقط قام أحد "المناديب" باصطحاب نحو 15 صبياً لا تزيد أعمارهم على 14 سنة في "ميكروباص" واحد إلى ليبيا؛ تمهيداً لسفرهم إلى أوروبا.

الصورة الأوسع لمشهد زيادة تدفقات الهجرة غير النظامية من شرق ليبيا، تُعطينا دليلاً إضافياً على استمرار شبكات التهريب في العمل بوتيرة أكبر من الأعوام السابقة. حتى 16 تموز/ يوليو 2025، وصل نحو 33 ألفاً و116 مهاجراً إلى إيطاليا عبر البحر، بزيادة قدرها 8.4% عن العام الماضي 2024؛ من بين هؤلاء 29 ألفاً و610 مهاجرين انطلقوا من السواحل الليبية، بزيادة بلغت 66.6%، مقارنة بالفترة نفسها عام 2024.
وفي تموز/ يوليو 2025، استمر عدد المهاجرين الوافدين إلى اليونان من شرق ليبيا في الارتفاع، بزيادة قدرها 174% منذ بداية عام 2025، مقارنة بعام 2024. هذه الطريق من شرق ليبيا، جعلت فرونتكس (Frontex) تؤكد في تقاريرها أن ممراً جديداً بين ليبيا وجزيرة كريت اليونانية، يحظى بالحصة الأكبر من حركة مرور الهجرة غير النظامية من شرق البحر المتوسط، خلال النصف الأول من عام 2025.
في هذا السياق، يقول الدكتور أيمن زهري، الباحث في سياسات الهجرة، وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، إن شبكات التهريب مستمرة لأنها جريمة عابرة للحدود، وهي جزء من شبكة عالمية، مثل تجارة المخدرات، تقودها عصابات دولية وشبكات تحكمها "مافيا" تستغل هذه التجارة المُربحة.
ويُضيف زهري، الذي يُشارك في عضوية لجنة حكومية لمكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر في مصر، أن الإشكالية أيضاً تكمن في أن شبكات التهريب لديها اتصالات مباشرة في القرى مع المهاجرين، وأحياناً يكون هؤلاء الوسطاء والسماسرة من عائلات الضحايا "المستقبلية"، ويصورون لهم الأمر على أنه بسيط وغير ضار تماماً، ما يساعد على استمرار الجريمة.
حتى نشر التحقيق، لا يزال "أبو سلطان" طليقاً، فيما يستمر وسطاؤه وسماسرته في العمل بين مصر وليبيا. أحد مصادرنا في ليبيا يصف لنا "أبو سلطان" بأنه لا يزال "عرّاب الهجرة" في طبرق.

* اسم مستعار، وتحتفظ أريج بالبيانات الكاملة لجميع أسماء المهربين التي وردت في التحقيق.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



