الإنسان أم الاسمنت

الإنسان أم الاسمنت...من سيكون حجر الأساس في "غزّة الجديدة"؟

الإنسان أم الاسمنت

رأي نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 28 يناير 20267 دقائق للقراءة

غزة، التي خرجت من حرب لم تترك فيها جداراً إلا وارتجف، تحتاج أن تُعيد ترتيب أولوياتها لتضع الإنسان في مركز المعادلة. فالإنسان هو حجر الأساس في كل بناء، هذا أن أردنا له أن يدوم، فليس بالإسمنت وحده تقام المدن، إنما بالعقل الذي يُنظم والضمير الذي يصون.

حين يصبح الإنسان هو الغاية وليس الوسيلة، تتغير بنية القرار، وتتحول السياسة من إدارة للأزمات إلى صناعة للحياة. فالخروج من الرماد يبدأ من استعادة القدرة على الشعور بالحياة. المجتمع الذي عاش طويلاً في دائرة الخوف يفقد حسه بالأمان، وحين يفقد الأمان يتراجع إلى حدود الغريزة.

استعادة الثقة بالزمن وبالكرامة

لعل الخطوة الأولى هي استعادة الثقة بالزمن، فالإنسان الذي يثق بأن الغد ممكن يبدأ في بنائه. ولا يعني الأمن الإنساني هنا الحماية من القصف فقط، بل الطمأنينة التي تُعيد للوعي اتزانه، لذا فكل مشروع يعيد بناء غزة دون أن يأخذ في اعتباره إعادة بناء الإنسان فيها هو مشروع ناقص، مهما بلغ من الدقة ومن التخطيط.

يعرف أهل غزة أكثر من سواهم أن الإنسان الذي ينجو من الموت لا يعيش بالضرورة، ليس هذا هو تعريف النجاة، فيحمل في ذاكرته أثر الخوف يحرم من التطلع للأمام، بهذا المعنى فالحياة هي القدرة على الحلم، والنجاة هي غريزة البقاء. والمدينة التي تكتفي ببقاء أجساد أبنائها دون إعادة بناء أحلامهم تُشيّد جدراناً بلا نوافذ. لذلك يسبق الإعمار الإنساني الإعمار المادي، لأن الروح المقهورة لا تُبدع، والعقل المثقل بالذكرى لا يُخطط. إن أول خطوة في طريق النهضة هي أن يستعيد الإنسان إحساسه بالكرامة، لأن الكرامة هي الطاقة التي تُحرك الوعي وتحوّل الألم إلى عمل منتج وليس إلى انتظار سلبي.

من قال إن الصحة النفسية رفاهية؟

يجوز أن نصف أولوية الصحة النفسية بأنها أمن وطني، ولا سيما في مرحلة ما بعد الحرب، لأن المجتمع الذي لا يُداوي جروحه النفسية يُعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل. لذلك فإن برامج العلاج الجماعي، ودعم الأسر المفجوعة، وتدريب الكوادر المحلية على الرعاية النفسية، ليست تفاصيل إنسانية بل ركيزة في إعادة بناء القدرة على الفعل.

يعرف أهل غزة أكثر من سواهم أن الإنسان الذي ينجو من الموت لا يعيش بالضرورة، ليس هذا هو تعريف النجاة، فيحمل في ذاكرته أثر الخوف يحرم من التطلع للأمام، بهذا المعنى فالحياة هي القدرة على الحلم، والنجاة هي غريزة البقاء

الإنسان الذي يُصغي إلى ألمه يُصبح قادراً على فهم غيره، والمجتمع الذي يُواجه جرحه بدل دفنه يُحوّله إلى خبرة تحميه من التكرار. فالصحة الجسدية لا تقل أهمية، لأنها الضمان المادي لاستمرار الحياة. فالبنية الصحية في غزة يجب أن تُبنى على مبدأ الكفاية والعدالة، بدل أن تُبنى على المساعدات المؤقتة. المستشفى الذي يُدار بالكفاءة يُنقذ أرواحاً أكثر من مستشفى جديد يُبنى بلا نظام.

لذلك فإن الاستثمار في التعليم الطبي المحلي، وتدريب الأطباء والممرضين، وتحديث منظومة الإسعاف والرعاية الأولية، هو استثمار في الحياة قبل أن يكون خدمة صحية. فالمجتمع الذي يمتلك أطباءه يمتلك سيادته الصحية، والسيادة الصحية شرط لكل استقلال حقيقي.

الإنسان الذي يستعيد عافيته يحتاج إلى معنى، لأن الجسد المعافى بلا هدف يعود إلى الانطفاء. التعليم هو الممر الذي يعيد بناء المعنى، لأنه يُعلم الإنسان كيف يرى نفسه فاعلاً بدل أن يبقى متلقياً. في غزة، التعليم لم يعد مسألة صفوف وكتب، بل مسألة بقاء ووعي. المناهج يجب أن تتحول من الحفظ إلى التفكير، لأن التفكير هو الفعل الوحيد الذي لا يمكن قصفه. والطالب الذي يتعلم كيف يسأل هو مشروع مواطن قادر على بناء دولة في المستقبل. فالتعليم هنا ليس أداة للترقي الاجتماعي فحسب، إنه وسيلة لحماية الوعي من التكلس.

أشكال العدالة المتوقعة

المعرفة التي لا تُترجم إلى إنتاج تتحول إلى عبء. لذلك فإن تشغيل الشباب ليس إحساناً اجتماعياً بل إعادة توزيع للكرامة. كل وظيفة تُمنح بعدل تُعيد بناء الثقة بالنظام، وكل مشروع صغير يُمنح فرصة للنجاح يُعمّق الشعور بالانتماء. يمكن القول بأن الاقتصاد الذي يُدار بالإنصاف يُنتج ولاءً أصدق من أي خطاب سياسي، لأن الناس لا يطلبون سوى العدالة في الفرص. و"السيادة الاقتصادية" تبدأ من تمكين اليد العاملة، واليد التي تُنتج لا تُستدرج إلى العنف.

علينا أن نفكر ملياً تعريف معنى السلطة بما يضع الإنسان في مرتبة أعلى، وألا نعيد تجارب الحكم الذي يعتبر المواطن وسيلة لبقاء النظام.

الثقافة في هذا السياق هي الذاكرة الحية التي تُبقي المعنى في الزمن. المجتمعات التي تفقد ثقافتها تفقد قدرتها على التمييز بين ما يجب أن يُستعاد وما يجب أن يُتجاوز. الثقافة التي تُربي على الجمال تُرمم الداخل كما يرمم الفن الجدار. فالقصيدة التي تُقال بصدق تُعيد للإنسان توازنه، والمسرح الذي يُواجه الخوف بالسخرية يُعلّم الناس كيف يضحكون وهم واقفون. إن إعادة إحياء الحياة الثقافية في غزة ليست ترفاً بل ضرورة، لأنها تُعيد الإنسان إلى إنسانيته بعد أن حاول الخراب تحويله إلى رقم في تقرير.

هنا، علينا أن نفكر ملياً تعريف معنى السلطة بما يضع الإنسان في مرتبة أعلى، وألا نعيد تجارب الحكم الذي يعتبر المواطن وسيلة لبقاء النظام، هذا النوع من الحكم يفقد شرعيته أما الحكم الذي يجعل الإنسان غايته فيكتسب شرعيته من رضاه. العدالة الإدارية، والشفافية في القرار، وتوزيع الموارد وفق الكفاءة، هي مظاهر احترام الإنسان وليست بنوداً بيروقراطية. وحين يشعر الفرد أن الدولة تُعامله بإنصاف، يُصبح جزءاً من حمايتها بدل أن يكون عبئاً عليها. بهذا المعنى، تُصبح الإدارة الإنسانية وجهاً آخر للسياسة الواعية، والسياسة الواعية هي التي تُدير القلوب قبل الملفات.

غزة من النجاة إلى الحياة

التحول من النجاة إلى الحياة يعني أن يُدرك الإنسان أن الخوف لم يعد هو المحرك الوحيد، بل الأمل. الأمل هنا ليس حلماً غامضاً، الأمل خطة واعية تُبنى على إدراك دقيق للواقع. حين تُفتح المدارس، وتُضاء الشوارع، وتُدار الخدمات بعدالة، يُولد الأمل في التفاصيل الصغيرة التي تُشكّل معنى الحياة اليومية. والمجتمع الذي يُعيد تنظيم يومه يُعيد تنظيم مصيره، لأن الوعي بالوقت هو أول مظاهر استعادة الكرامة.

خروج غزة من الرماد يبدأ من هذا الإدراك البسيط والعميق معاً: أن الإنسان هو القضية قبل أن تكون القضية حوله. فالمدن التي تنجو دون أن تُعيد بناء إنسانها تظل تُكرر أزماتها، أما المدن التي تبدأ من الداخل فتكتب تاريخها بوعي جديد

الإنسان الذي يتعلم كيف يُدير ذاته يُصبح نموذجاً لإدارة المجتمع بأكمله. فكل خطوة نحو النظام في الحياة الفردية تُعيد إنتاج النظام في الحياة العامة. والمدينة التي تُربي أبناءها على احترام الوقت والقانون تُقيم نظاماً أخلاقياً أعمق من أي دستور. فالمواطنة تبدأ حين يشعر الإنسان أن احترامه للنظام احترام لنفسه، وأن العدالة التي يراها في يومه دليل على أن المستقبل ممكن.

خروج غزة من الرماد يبدأ من هذا الإدراك البسيط والعميق معاً: أن الإنسان هو القضية قبل أن تكون القضية حوله. فالمدن التي تنجو دون أن تُعيد بناء إنسانها تظل تُكرر أزماتها، أما المدن التي تبدأ من الداخل فتكتب تاريخها بوعي جديد. إن الحياة حين تُصبح فعلاً إرادياً تُحوّل الرماد إلى تربة للخصب. وغزة، إن أعادت بناء الإنسان في داخلها، تكون قد وضعت حجر الأساس لنهضتها القادمة، لأن كل ما بعدها سيكون تفصيلاً في قصة الوعي الذي اختار أن يعيش ولم يختر أن ينجو فقط.





رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image