في نقطة قريبة من الخط الأصفر الذي توجد خلفه القوات الإسرائيلية، وتحديداً في بلدة القرارة الواقعة في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يقضي المزارع أسامة الفجم يومه في أرضه الزراعية برفقة إخوانه وأبنائه منذ أن قرر العودة إليها وزراعتها مجدداً بمحاصيل الخضار المتنوعة، بعد وقف إطلاق النار الذي جرى الاتفاق عليه في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
"أفظع منظر أشاهده في حياتي"
يحاول أسامة الفجم بما توافر من إمكانيات بسيطة العمل على تهيئة أرضه للزراعة مجدداً، بعدما تعرضت للدمار والتجريف على أيدي القوات الإسرائيلية أكثر من مرة خلال حرب الإبادة.
يقول لرصيف22: "كانت أرضي تبلغ مساحتها أكثر من 14 دونماً ورثناها أنا وأخوتي عن والدي وجدي ومعها مهنة الزراعة وحب الأرض والتعلق بها"، مضيفاً: "مع بدء الحرب الإسرائيلية قبل عامين وفي أيامها الأولى تم قصف المنطقة المحيطة بعدد من الصواريخ ما أدى إلى تدمير المحاصيل التي كنا نزرعها".
"كل تعب السنوات في الأرض راح في لمحة بصر وتحولت من أرض عامرة مليئة بالمقومات للزراعة إلى أرض قاحلة تحتاج إلى عمل من الصفر لتعود مجدداً"
ولم يتمكن الفجم بسبب صعوبة الأوضاع الميدانية خلال حرب الإبادة من الوصول لأرضه واستصلاحها لإعادة زراعتها، وظلت متروكة حتى جرى وقف إطلاق النار وعاد إليها برفقة عائلته.
ويصف المشهد حينما انسحبت القوات الإسرائيلية من محيط أرضه وعاد لتفقدها بالقول: "أفظع منظر أشاهده في حياتي، كل تعب السنوات في الأرض راح في لمحة بصر وتحولت من أرض عامرة مليئة بالمقومات للزراعة إلى أرض قاحلة تحتاج إلى عمل من الصفر لتعود مجدداً"، موضحاً أنه بعد أيام من الشعور بالقهر على الأرض قرر أن يعود ليعيد لها الحياة من جديد.
ويضيف أنهم عادوا للأرض وبدأوا العمل على حرثها واستصلاح بعض المعدات الزراعية التي سلمت من الخراب وذلك من أدوات بدائية جداً للزراعة واستبدلوا العلب البلاستيكية التي كانت تستعمل لإنتاج الأشتال بعلب المعلبات الفارغة، واستعملوا خراطيم مياه مستعملة للري الذي أصبح يدوياً بعد أن كان أتوماتيكياً قبل الحرب.
ووفق تقرير صدر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو"، فإن حرب الإبادة أدت إلى تدهور خطير في البنية التحتية الزراعية في غزة.
وأشار التقرير إلى أنه تضرر أكثر من 80% من المساحات المزروعة بفعل العمليات العسكرية، وأصبح 77.8% منها غير متاح الوصول إليها من المزارعين بسبب وقوعها ضمن مناطق السيطرة الإسرائيلية.
ميراث الآباء والأجداد
يعمل في الأرض الزراعية إلى جانب المزارع الفجم إخوانه وأبناؤه، وفق ما يقول أسامة: "الزراعة هي مهنتنا أباً عن جد والعمل فيها تراث وتقليد للعائلة هكذا تربينا وهكذا أربي أبنائي وبناتي".
ونجح الفجم في استصلاح مساحة محدودة من الأرض الزراعية بإمكانات بسيطة ومتواضعة وجهزها لزراعة أول محصول بعد اتفاق وقف إطلاق النار، ويروي أنهم زرعوا الملفوف وأصناف خضار أخرى لكونه يعتبر من أكثر الأكلات التي يتناولها أهالي غزة في فصل الشتاء ويقبلون عليها.
ويتابع أن استصلاح الأرض كان مكلفاً جداً، مع علمه المسبق بأن الربح من المحصول قد لا يغطي المصاريف التي تحملها.
ويعمل الفجم ومن معه في ظل ظروف أمنية صعبة للغاية حيث يطلق الاحتلال الرصاص والقذائف صوبهم باستمرار، مما يؤدي إلى بث الرعب والخوف في قلوبهم معظم الأيام.
ويختم حديثه بالقول: "ذلك كله يهون أمام هدف إعادة الحياة للأرض وإحياء تاريخ وتراث الآباء والأجداد في الحفاظ عليها".
حب الأرض
برفقة زوجها وأبنائها، تعمل الفلسطينية إيمان فدعوس في أرض زراعية في منطقة العطاطرة غربي بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة.
تقول لرصيف22: "عدنا قبل نحو شهرين وسكنا في خيامنا فوق أرضنا"، مضيفةً أنهم بعد فترة من الاستقرار في الأرض، قرروا البدء بالعمل على تجهيزها لموسم زراعي جديد.
وتملك عائلة إيمان فدعوس أرضاً بمساحة 9 دونمات كانوا يزرعونها قبل حرب الإبادة بمحصول الفراولة الذي تشتهر بإنتاجه بلدة بيت لاهيا ويمتاز بالجودة العالية، مما يجعله من المنتجات الفلسطينية التي كانت تصدر للخارج وتنافس بالأسواق العالمية.
تقول إيمان:"منذ بداية حياتي وأنا أعمل بالزراعة في الأرض. كنت أساعد والدي وبعد زواجي صرت شريكة زوجي في العمل بالأرض وكنا نقضي كل وقتنا فيها ومع ذلك نشأ ارتباط وثيق بها".
وربّت فدعوس أبناءها وبناتها التسعة على حب الأرض والتعلق بها، وكانت تصحبهم للعمل بها منذ أن كانوا صغاراً، ولذلك شبّوا على حب الأرض والتعلق بها، وكلهم ساروا على درب آبائهم وأجدادهم وأصبحوا من المزارعين البارعين الذين كانوا قبل الحرب يتنافسون على العمل بالأرض: "الأبناء جميعاً شاركوا في استصلاح الأرض منذ العودة إليها وزرعوها في نهاية العام الماضي بمحاصيل متنوعة مثل السبانخ والملفوف والبطاطا والبصل"، موضحةً أن "هذا التنوع يعود لعدم وجود بذور زراعية أو أشتال في قطاع غزة لأن إسرائيل دمرت كل المشاتل تقريباً وتمنع استيراد هذه الأصناف حتى هذه اللحظة".
"الزراعة هي مهنتنا أباً عن جد والعمل فيها تراث وتقليد للعائلة هكذا تربينا وهكذا أربي أبنائي وبناتي"
وتضيف: "توفير إمكانيات الاستصلاح لم يكن سهلاً أبداً في ظل الإغلاق الإسرائيلي ومنع إدخال الأدوات الزراعية وارتفاع أسعار خراطيم مياه الري والأسمدة والوقود الذي يستخدم لتشغيل مركبات الحراثة وآبار المياه".
ووفق كلامها، فإن المحصول الذي زُرع هذا الموسم هو بسيط ولا يكفي لتوزيعه على الأسواق كما كان الأمر قبل الإبادة، لذلك يعتمدون عليه في سد حاجتهم ويبيعون بعضاً منه للجيران والأقارب الذين يبحثون عن المنتج البلدي ذي الجودة المميزة.
وتبدي أملها في أن يكون الحال في المواسم الزراعية القادمة أفضل، ويتمكنوا من العودة لزراعة الأرض بمحصول الفراولة لكونه الأهم بالنسبة لهم والأفضل من الناحية المادية إضافة لارتباطه بتاريخ العائلة وتراثها وبلدة بيت لاهيا بشكل عام.
تدمير كامل لقطاع الزراعة
في حديثه مع رصيف22، يقول المهندس علاء العطار، رئيس بلدية بيت لاهيا: "إن البلدة كانت تعتبر السلة الغذائية الأولى لقطاع غزة وتشتهر بإنتاج عدد كبير من المحاصيل المميزة قبل حرب الإبادة التي دمرت كل شيء".
ويضيف: "قبل الحرب كانت تزرع 25 ألف دونم بأصناف مختلفة، أما حالياً فإن عدد الدونمات محدود جداً وتمت العودة إليها بفضل إصرار من بعض المزارعين على العودة للعمل في أراضيهم رغم الخطر وعدم توافر الإمكانات لديهم".
ويذكر العطار أن الاحتلال دمر كل مقومات العملية الزراعية في البلدة وأنحاء قطاع غزة من آبار وشبكات ري وحمامات زراعية وأسمدة ومبيدات ومركبات وغيرها.
"مقاومة من أجل البقاء"
عاد المزارع محمد معروف (49 عاماً) إلى أرضه الزراعية ببلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة قبل نحو شهرين بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.
يقضي معروف ساعات نهاره بحراثة الأرض وتجهيزها لموسم زراعي جديد، بعد عامين من حرب الإبادة لم يتمكن فيها من زراعتها بسبب خطورة الأوضاع الأمنية.
يكشف معروف لرصيف22 أنه مع بدء الهدنة، عاد إلى أرضه ومنزله الذي يقع قربها وشاهد الدمار الهائل الذي حلّ بالمكان، لكنه منذ اللحظة الأولى قرر العودة وإنهاء حالة النزوح التي يعيشها هو وعائلته وبدأ بإزالة الركام ونصب خيمته وخيمة ابنه المتزوج فوق أرضه وبعدها بدأ بعملية الاستصلاح وتجهيز الأرض مجدداً.
ويضيف أنه ينوي زراعة الأرض في الأيام القليلة القادمة بالنباتات الورقية مثل البقدونس والجرجير والفجل، تحضيراً لشهر رمضان حيث يقبل عليها الناس بشكل كبير، مبيناً أن عملية استصلاح الأرض لم تكن سهلة والإمكانيات غير متوافرة، والأسعار مضاعفة لكل شيء.
وبحسب معروف، فإن أمر استصلاح الأرض بالنسبة إليه رغم كل الصعوبات يعتبر من الأمور الهامة جداً لأنه عاش خلال عامي الحرب والنزوح حالة من الغربة والضياع والتشتت بعيداً من أرضه ومن المهنة التي شبّ عليها.
هذا ويوضح أن قراره كان مبيتاً قبل بدء وقف إطلاق النار هو العودة للأرض وزراعتها مجدداً مهما كان الثمن والصعوبات لأن ذلك ليس عملاً فحسب بالنسبة إليه بل هي مقاومة من أجل البقاء والحفاظ على الهوية في وجه ما تتعرض له من محاولات طمس.
تدمير معظم الأراضي الزراعية
قبل حرب الإبادة، كانت مساحة الأراضي الزراعية بغزة تبلغ 178 ألف دونم، وبفعل الاحتلال خرج 90 في المئة منها عن الخدمة، بسبب عمليات القصف والتجريف أو الاحتلال والسيطرة الأمنية بدعوى وقوعها خلف الخط الأصفر، بحسب ما يكشف الناطق باسم وزارة الزراعة في غزة محمد عودة.
"منذ بداية حياتي وأنا أعمل بالزراعة في الأرض. كنت أساعد والدي وبعد زواجي صرت شريكة زوجي في العمل بالأرض وكنا نقضي كل وقتنا فيها ومع ذلك نشأ ارتباط وثيق بها"
ويوضح عودة، لرصيف22، أن الاحتلال بفعل الخط الأصفر التهم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية بغزة وأصبحت نحو 50 في المئة من الأراضي تقع خلفه ولا يستطيع المزارعون الوصول إليها من أجل استصلاحها والعمل بها.
ويلفت إلى أن المساحة الصالحة للزراعة بغزة حالياً تقدر بمئات الدونمات فقط، وما تنتجه هذه المساحة محدود جداً، بسبب عدم، وجود الإمكانيات والبذور والشتول.
وفي ختام حديثه، يذكر عودة أن التحديات التي تواجه المزارعين الذين لا يزالون يعملون في غزة بظل الظروف الحالية صعبة للغاية، ولا يمكن التغلب عليها بسهولة والسبب في وجودها جميعها هو الاحتلال وسياسة الحصار والإقفال التي يتبعها.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
