هل يدقّ الفساد الإداري المسمار الأخير في نعش ثقة المواطنين بالبرلمان المغربي؟

هل يدقّ الفساد الإداري المسمار الأخير في نعش ثقة المواطنين بالبرلمان المغربي؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

السبت 30 أغسطس 202539 دقيقة للقراءة

في مشهد يختصر وجعاً ممتداً، جلست مي السعدية (اسم مستعار لمواطنة مغربية)، القرفصاء وسط الركام، تتأمّل ما كان يوماً منزلها. انهارت أحلامها كما انهار منزلها في جماعة (بلدية) "أولاد الطيب"، المطلّة على مدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب، تحت وطأة الفساد.

السعدية هي إحدى المتضرّرات من إقدام السلطات المحلية على هدم عشرات المساكن والمحال التجارية في "أولاد الطيب"، بداعي توسيع الطريق المؤدية إلى مطار فاس سايس الدولي في إطار الاستعدادات لكأس العالم لكرة القدم 2030، بحجة أنها مبانٍ عشوائية شُيّدت بطرق غير قانونية على مدار العقدين الماضيين، تحديداً خلال فترة رئاسة البرلماني السابق رشيد الفايق، للجماعة، وهو موجود حالياً خلف قضبان سجن بوركايز، في ضواحي فاس.

لم تكن السعدية وحدها من ذرفت الدموع، فأمين (اسم مستعار أيضاً)، هو الآخر ضحية معاملة مشبوهة كان وراءها البرلماني السابق المسجون، المنتمي إلى حزب "التجمع الوطني للأحرار"، قائد الائتلاف الحكومي الحالي، والمجرّد من عضوية مجلس النواب بقرار المحكمة الدستورية في كانون الثاني/ يناير 2024، لغيابه لمدة سنة عن المؤسسة التشريعية دون عذر مقبول. لم يكتفِ الفايق باستغلال نفوذه، وفق مي السعدية، "بل امتدت يده إلى أراضي المواطنين وممتلكاتهم، مستغلّاً سلطته وتسييره مرفقاً عمومياً".

أما أمين، فيقول إنّ الفايق أوهمه بأنّ عقاره مصنّف ضمن المساحة الخضراء، ليستولي عليه بأبخس الأثمان حيث أجبر الفايق والد أمين على التنازل عن قطعة الأرض، قبل أن يُقدم على تشييد بناية من ثماني شقق وستة محال تجارية، استُغلّت في تشييد متاجر ومقر لمؤسسة بنكية.

أدار الفايق شبكة مصالحه بدهاء، مستغلّاً تدبيره مرفقاً عمومياً تُرصد له ميزانية من المال العام، غير أنّ أوراقه انكشفت وسقطت إمبراطوريته، بعد شكايات تقدّم بها مواطنون إلى النيابة العامة، اتّهموه فيها بابتزازهم وإرغامهم على دفع رشاوى مقابل ربط منازلهم بخدمات الماء والكهرباء، وفق معطيات حصل عليها معدّ التحقيق، فضلاً عن اتهامه بتزعّم عصابة للاستيلاء على الأراضي السلالية، وهي أراضٍ توضع تحت تصرّف جماعة أو قبيلة وتكون غير قابلة للتقادم ولا يجوز حجزها أو بيعها، وذلك في ما يُعرف إعلامياً في المغرب بـ"شبكة مافيا العقار".

يكشف هذا التحقيق متابعة 55 نائباً برلمانياً في الولاية التشريعية الحالية قضائياً أو إدانتهم في جرائم تتعلّق بالفساد وخرق القانون، بما يعزّز التمثّلات السلبية للبرلمان لدى شريحة واسعة من المواطنين، حيث تؤرِّخ الولاية الحالية لواحدة من أسوأ التجارب البرلمانية التي يُخشى أن تدقّ مسمار انعدام الثقة الأخير في نعش البرلمان المغربي

وكشفت موظفة سابقة لدى الفايق، استمعت إليها الشرطة القضائية، أنّ البرلماني السابق "كان يفرض على المنعشين العقاريين والمقاولين وسكان جماعة أولاد الطيب، دفع مبلغ يتراوح بين 10 آلاف و15 ألف درهم (بين 1،100 و1،700 دولار أمريكي تقريباً)، مقابل الحصول على رخصة البناء، وما بين 15 ألفاً و20 ألف درهم (بين 1،700 و2،200 دولار تقريباً)، من أجل الحصول على رخصة السكن".

وخلص البحث القضائي، وفق المعطيات التي حصل عليها معدّ التحقيق، إلى أنّ "الفايق وأخوَيه بسطوا نفوذهم على منطقة أولاد الطيب، واستغلوا الساكنة في إنجاز شواهد إدارية بأسمائهم مقابل مبالغ مالية، بتواطؤ مع مهندسين معماريين ونواب الأراضي السلالية، والسلطة المحلية. كما شيّدوا بنايات وتجزئات سكنيةً من دون سند قانوني". وكشفت التحقيقات أيضاً عن استيلاء والدة الفايق على مركز صحي تعود ملكيته إلى وزارة الصحة، لتقرّر غرفة الجنايات الابتدائية قسم جرائم الأموال في محكمة الاستئناف في فاس، إدانته بالسجن ثماني سنوات سجناً نافذاً في 21 حزيران/ يونيو 2023.

إلى السجن... بعد 27 عاماً في البرلمان

ومن فاس إلى الفقيه بنصالح، المدينة الصغيرة التي تختزن أحياؤها الشعبية وأزقتها القديمة صوراً تصرخ بالإهمال واللامبالاة، وهي مدينة تربّع وزير أسبق على رأس بلديتها لنحو 23 عاماً، هو محمد مبديع، المنتمي إلى حزب الحركة الشعبية (معارضة)، والبرلماني منذ 27 عاماً، والذي جُرّد من عضوية البرلمان بقرار من المحكمة الدستورية في أيار/ مايو 2025، عقب استقالته من عضوية المجلس بعد الزجّ به في السجن ومتابعته في تهم تتعلّق بالفساد الإداري وتبديد المال العام.

على مدى عقدين من الزمن، ظلّ سكان المدينة التي تقع في قلب منطقة غنية بالفوسفات، يتساءلون عن مصير الأموال المرصودة لدعم مسلسل التنمية، وعن ميزانيات ضخمة تُعلن دون أن يطرأ أي تغيير على حال الأحياء الفقيرة التي تعيش خارج زمن محيطها المتغيّر. يقول محمد (اسم مستعار): "كل سنة نسمع عن تخصيص مئات الملايين من الدراهم، لتهيئة الطرقات ولمشاريع التطهير الصحي والإنارة. تُصرف الأموال دون أن نجد لها أثراً في تنمية المدنية... أين تذهب؟ ومن يستفيد منها؟".

هذه الأسئلة وغيرها ظلّت عالقةً إلى أن قرّر القضاء المغربي متابعة مبديع، ووُجّهت إليه تهم بتبديد أموال عمومية، واستغلال النفوذ والارتشاء، والتزوير في وثائق عرفية وتجارية ورسمية، وذلك على إثر شكاية رفعتها ضده الجمعية المغربية لحماية المال العام، لدى النيابة العامة في كانون الثاني/ يناير 2020. استمعت إليه الشرطة القضائية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، قبل أن يعود الملف إلى الواجهة في نهاية نيسان/ أبريل 2023، حين قرّر قاضي التحقيق في محكمة الدار البيضاء الاستئنافية، اعتقال مبديع ووضعه في سجن عكاشة، وكان آنذاك رئيساً للجنة العدل في مجلس النواب.

وفق المعطيات التي حصل عليها معدّ التحقيق، تؤكد تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية وجود اختلالات مالية وقانونية وتدبيرية شابت تسيير بلدية الفقيه بنصالح في عهد رئيسها الموقوف، من بينها دفع البلدية مبلغ ثمانية ملايين درهم (نحو 880 ألف دولار أمريكي) للدراسات المتعلِّقة بتصميم التطهير السائل، دون أن تنجز الأشغال المتعلِّقة بالمشروع، ما يشكّل هدراً للمال العام.

المعطيات ذاتها تشير إلى تحويل مبالغ مالية مهمة إلى الحساب الشخصي لمبديع، من قبل ممثّلي شركات فازت بصفقات عمومية، ودفع رئيس جماعة الفقيه بن صالح سابقاً، بصفته الآمر بالصرف، نحو خمسة ملايين درهم لأعمال لم تُنجز. كما رُصدت عمليات بنكية غير مبرَّرة في الحساب البنكي الشخصي للرئيس الموقوف.

لم يكن البرلمانيان الموقوفان، مبديع والفايق، سوى اثنين من بين 55 نائباً برلمانياً في الولاية التشريعية الحالية (2021-2026)، يكشف هذا التحقيق متابعتهم قضائياً أو إدانتهم في جرائم تتعلّق بالفساد وخرق القانون، بما يعزّز التمثّلات السلبية للبرلمان لدى شريحة واسعة من المواطنين المغاربة، حيث تؤرِّخ الولاية الحالية لواحدة من أسوأ التجارب البرلمانية في البلاد، والتي يُخشى أن تدقّ مسمار انعدام الثقة الأخير في نعش البرلمان المغربي.

يكشف هذا التحقيق أيضاً، عبر تحليل قاعدة البيانات التي أنشأها معدّ التحقيق بالاستناد إلى قرارات المحكمة الدستورية ومحكمة النقض، وأحكام المحاكم الابتدائية والاستئنافية المغربية، أنّ 14% من أعضاء مجلس النواب الحالي، أدينوا أو توبعوا في قضايا اختلاس وتبديد المال العام وسوء التدبير الإداري، ما قد يؤشّر على ضعف آليات الرقابة الحزبية والقانونية، ويثير المخاوف من سعي السلطة التنفيذية إلى تمرير تشريعات تُقيّد دور جمعيات حماية المال العام في رفع شكايات الفساد المالي والإداري، بما يتسبّب في نهاية المطاف في هدر المال العام وفقدان المواطنين الثقة بالمؤسسات.

إدانات ومتابعات غير مسبوقة

لطالما توبع واعتُقل برلمانيون في الولايات التشريعية السابقة في قضايا جنائية مرتبطة بالفساد الإداري والمالي، لكنها المرة الأولى التي تشهد فيها ولاية برلمانية هذا الكم الهائل من المتابعات والأحكام بالسجن في حقّ برلمانيين، وهو ما يكشفه تحليل معدّ التحقيق لوثائق قرارات المحكمة الدستورية ومحكمة النقض والمحاكم الابتدائية والاستئنافية في مختلف المدن المغربية.

"كان على الأحزاب السياسية أن ترفض ترشيح متّهمين بالفساد باسمها في الانتخابات، لكن يبدو أنّ الحصول على مقعد نيابي أولى عندها وأسبق من أيّ قواعد أخلاقية أو سياسية"، يشدّد الحمودي.

من بين 395 نائباً برلمانياً في مجلس النواب، انتُخبوا في اقتراع أيلول/ سبتمبر 2021، تؤكد المعطيات حتى أواخر عام 2024، أنّ 47 برلمانياً (أي 12% تقريباً منهم)، جُرّدوا من عضوية البرلمان بقرارات من المحكمة الدستورية أو أُدينوا في أحكام من المحاكم الابتدائية أو الاستئنافية بسبب الفساد وخرق القانون، بينما لا يزال ثمانية برلمانيين يحاكَمون في مختلف محاكم المملكة، في تهم متعلِّقة بالفساد، ليصل مجموع المدانين أو المتابعين في قضايا الفساد إلى 55 برلمانياً يشكلون نحو 14% من مجموع أعضاء مجلس النواب المغربي خلال الولاية التشريعية الحالية.

المعطيات التحليلية ذاتها تؤكد أنّ النواب المدانين في ملفات فساد بأحكام قضائية ينتمون إلى مختلف الفرق البرلمانية، سواء في الأغلبية أو المعارضة، باستثناء المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، التي لم تُسجَّل في صفوفها أيّ إدانة أو متابعة بالفساد لأيّ من أعضائها. كما لم تُسجَّل أي إدانة أو متابعة في صفوف البرلمانيين غير المنتسبين إلى أيّ فريق برلماني من بداية الدورة التشريعية وحتى نهاية 2024. 

النسبة الأكبر من المدانين أو المتابعين بالفساد وخرق القانون تنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الائتلاف الحكومي، بنحو 25% من مجموع المدانين أو المتابعين، ويأتي في المرتبة الثانية نواب الفريق الاستقلالي بنحو 22%، ثم نواب الأصالة والمعاصرة بنسبة 18%، وكل من الفريقين ينتمي إلى الأغلبية الحكومية.

وفي المرتبة الرابعة نواب الفريق الاشتراكي بنحو 13%، ثم نواب الفريق الدستوري بـ9%، ونواب الفريق الحركي بالنسبة نفسها، وأخيراً نواب التقدّم والاشتراكية بنسبة 4% تقريباً من مجموع المدانين والمتابعين.

وتكشف الوثائق التي اطّلعنا عليها، أنّ نحو خُمس أعضاء ثلاث فرق برلمانية أدينوا أو توبِعوا في اتهامات بالفساد وخرق القانون خلال الولاية التشريعية الحالية، والفرق هي على التوالي: الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي (22%)، ثم الفريق الاشتراكي (20%)، يليهما الفريق الحركي (19%)، وبلغت نسبة المدانين والمتابعين بالفساد وخرق القانون في الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية 15%، يليهم فريق التجمع الوطني للأحرار، بنسبة 14%، ثم فريق الأصالة والمعاصرة بنسبة 11%، وأخيراً فريق التقدم والاشتراكية بنسبة 8%.


رسمياً، اعتُقل نحو 10 نواب برلمانيين في قضايا ترتبط بالفساد واختلاس المال العام، منهم من تم تجريده من العضوية في المؤسسة التشريعية ولا يزال خلف القضبان، ومنهم من غادر أسوار السجن وعاد إلى قبّة البرلمان، ممثّلاً للأمة، بينما لا يُستبعد أن يُعتقل نواب آخرون بعد أن تصبح الأحكام الصادرة في حقهم نهائيةً وواجبة النفاذ.

وبلغ عدد البرلمانيين الذين تم تجريدهم بقرارات من المحكمة الدستورية من العضوية على خلفية اتهامات بالفساد وخرق القانون، 27 نائباً (من بينهم 13 بسبب الإدانة القضائية)، بالإضافة إلى أربعة نواب متابعين أو مدانين أيضاً في اتهامات مشابهة جرّدوا من المقعد النيابي لأسباب تتعلّق بالتغيّب سنة دون عذر أو بمبادرة النائب إلى تقديم استقالته كي لا يخسر حزبه المقعد البرلماني وفي إحدى الحالات بسبب "عدم الأهلية". في غضون ذلك، يُنتظر أن تصل ملفات 24 نائباً آخرين إلى المحكمة الدستورية قصد التجريد من العضوية في البرلمان بناءً على معطيات تتعلّق بالغياب مدة سنة أو الاتهامات والأحكام الجنائية التي لا تزال تنظر فيها محاكم ابتدائية أو استئنافية.

ويرى أستاذ القانون الدستوري في جامعة الحسن الأول بسطات، عبد الحفيظ اليونسي، أنّ إدانة 47 برلمانياً في ملفات فساد، "تؤشِّر على حالة مرضية للحياة السياسية والمؤسساتية في المغرب"، مشيراً إلى أنه "من حيث النوع، تتعلّق القضية بأحكام ومتابعات قضائية تخصّ ممثلي الأمة في البرلمان، المؤسسة التي من المفروض أن تعبّر عن إرادة الأمة، وهي سلطة لها أهمية محورية في منح الشرعية العقلانية للأنظمة السياسية".

كما يؤكد اليونسي، لرصيف22، أنّه "من حيث الكم، يطرح العدد الكبير من الإدانات القضائية للبرلمانيين بتهم الفساد، تساؤلات حول النظام الانتخابي عموماً في المغرب، والذي يسمح بإفراز هذا النوع من النخب التي تسيء إلى التراكم البطيء للديمقراطية في بلادنا".


في السياق نفسه، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيدي محمد بن عبد الله، إسماعيل الحمودي، إنّ "هناك أسباباً متعددةً لزيادة المتابعات القضائية في ملفات الفساد في حقّ ممثّلي الأمة، منها تفعيل دستور 2011 الذي حصر حصانة البرلمانيين في ما يتعلّق بحرية الرأي والتعبير، وأصبح بالإمكان ملاحقتهم في مختلف التهم الجنائية، ومنها الفساد المالي أو الاتّجار بالمخدرات".

يتحدّث الحمودي أيضاً، إلى رصيف22، عن "رغبة السلطات في تعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة، خصوصاً أنّ الانتخابات التشريعية والجماعية لسنة 2021 أتاحت للعديد من الأعيان ورجال المال والأعمال السيطرة على تلك المؤسسات، ويبدو أنّ السلطات وظّفتهم في إلحاق الهزيمة الانتخابية بحزب العدالة والتنمية، بالنظر إلى إمكاناتهم المالية وشبكاتهم الاجتماعية".

ويفسّر المحلل السياسي ارتفاع متابعات البرلمانيين بالفساد أيضاً بـ"الصراع السياسي بين القوى المتنفذة ومراكز القرار في الدولة، إذ يُلاحظ حتى الآن أنّ ضحايا حملة مكافحة الفساد تستهدف رؤساء الجماعات الترابية، لكنها لم تَطَل رجال السلطة من الولاة والعمال، علماً أنّ مركز القوة والسلطة على الصعيد الترابي، في يد الولاة والعمال وليس في يد رؤساء الجماعات الترابية".

ويُعدّ العامل والوالي من رجال السلطة في النظام الإداري المغربي، يعيّنهما العاهل المغربي لتمثيله في الإقليم (المحافظة)، أو الجهة (تضمّ أقاليم عدة)، ويخضعان لسلطة وزارة الداخلية، ويسهران باسم الحكومة على تأمين تطبيق القانون وتنفيذ النصوص التنظيمية ومقرراتها وممارسة الرقابة الإدارية.

والجماعات الترابية في المغرب هي مؤسسات محلية منتخبة (بلديات على مستوى الأقاليم)، يسيّر شؤونها مجلس منتخب عن طريق الاقتراع، وتتمتّع بسلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها داخل مجالها الجغرافي، وتتحصّل على موارد مالية ذاتية وموارد مالية مرصودة لها من قبل الدولة.

فساد مدبّري المرفق العام

لا يقتصر الأمر على الفساد المرتبط بالمعاملات المالية أو التجارية أو الفساد الجنسي والأخلاقي، بل الوجه الآخر الصادم لفساد النخب البرلمانية يتجلّى في تورّط "ممثّلي الأمة" في قضايا فساد إداري وتبديد المال العام. وبشكلٍ متكرّر، يتساءل مواطنون: كيف لمن أوكلت إليهم مهمة التشريع لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، ومسؤولية مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، أن يهدروا أموال الشعب من موقعهم كمسؤولين عن تدبير مرافق عمومية مثل رؤساء البلديات؟

هذا السؤال يكشف عن حجم التناقض بين الدور المفترض للبرلمانيين كحماة للمال العام، وبين الواقع الذي يُظهر تورّط البعض منهم في إساءة استخدام السلطة لتحقيق مصالح شخصية، في انتهاك صارخ للثقة التي منحهم إياها الناخبون. وتؤكد المعطيات التحليلية لقاعدة البيانات التي أنشأها معدّ التحقيق أنّ 19 نائباً برلمانياً، أي 41% من النواب البرلمانيين الـ47، الذين صدرت في حقهم قرارات قضائية بسبب الفساد وخرق القانون، أدينوا باختلاس أو تبديد المال العام بصفتهم رؤساء جماعات ترابية (البلديات)، يسيّرون مرفقاً عمومياً. 

وتكشف المعطيات، أنّ من بين الـ27 برلمانياً الذين جُرّدوا من مناصبهم بسبب قضايا فساد مختلفة، 33% (تسعة نواب) أدينوا أو توبعوا في تهم تتعلّق باختلاس أو تبديد المال العام خلال تسييرهم للبلديات باعتبارها مرفقاً عاماً (موزّعون بين تسعة رؤساء جماعة ورئيس جماعة بالإنابة)، حيث صدرت في حقهم قرارات عزل من رئاسة البلديات صادرة عن المحاكم الإدارية وأيّدتها محكمة النقض.

"قراءات متعدّدة"

الأرقام الصادمة المرتبطة بمتابعات وإدانات أعضاء مجلس النواب المغربي، وضعناها بين يدي الرئيس السابق للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها (مؤسسة دستورية)، محمد البشير الراشدي، فقال إنّ هناك "قراءات متعددةً" لهذه الأرقام، شارحاً: "محاربة الإفلات من العقاب من بين التوجهات الأساسية في الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي تعزّز المصداقية، وتالياً تخلق ديناميكيةً لمكافحة الفساد بصفة عامة، بما في ذلك الردع وجعل السلوكيات تأخذ في الحسبان أنّ الإفلات من العقاب ليس القاعدة".

ويرى الراشدي، الذي تحدّث إليه معدّ التحقيق قبل أن يغادر منصبه كرئيس للهيئة في آذار/ مارس 2025، أنّ "المقاربة الزجرية، لا يمكن أن تكون الطريقة الوحيدة، بل يجب أن تكون جزءاً من إستراتيجية متكاملة متعدّدة الأبعاد، ركيزتها الأساسية تخليق الحياة السياسية والحياة العامة، ويمرّ هذا أساساً من خلال التحسيس بالدور الجوهري للفاعلين السياسيين كممثلين للمواطنين ومدبرين للشأن المحلي أو المركزي، وهي مسؤولية كبيرة يجب أن تكون مؤطرةً بالعديد من المرجعيات التي يجب أن يلتزم بها الفاعل السياسي على المستوى الأخلاقي".

من السجن إلى البرلمان

الصادم أنّ برلمانياً قضى عاماً كاملاً وستة أيام، خلف جدران السجن، يفكّر ربما في مستقبله السياسي الذي بدا وكأنه انتهى، خاصةً لارتباط ملف متابعته في غرفة جرائم الأموال في محكمة الاستئناف في الدار البيضاء، بملفات فساد ثقيلة، لكنه لم يكن يعلم أنّ القدر يخبّئ له فصلاً جديداً يعيده إلى قبة البرلمان، برغم أنّ التشريع المغربي يجرّد أيّ برلماني من عضوية البرلمان إذا غاب سنةً من دون عذر مقبول، ويحصر النظام الداخلي لمجلس النواب، العذر في شهادة طبية.

القصة بدأت يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حين أوقِف البرلماني عبد العزيز الوادكي، المنتمي إلى حزب الاتحاد الدستوري، وتوبِع رهن الاعتقال في قضايا فساد، قضى عاماً و6 أيام خلف القضبان، ليغادر السجن بعد أن أدين قضائياً بالسجن النافذ (بما قضى)، يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، ولكن من كان يتوقع أن يعود لممارسة مهامه ممثّلاً للأمة؟

البرلماني المذكور، لم يفقد صفته البرلمانية، برغم أنّ القانون التنظيمي لمجلس النواب، في المادة 12 مكرّر منه، ينصّ بوضوح على تجريد أي نائب من عضويته إذا تغيّب عن أشغال المجلس سنةً تشريعيةً كاملةً دون عذر مقبول، إذ بعد 10 أيام على إطلاق سراحه، خطف الأضواء حين حضر نشاطاً رسمياً ترأسه عامل (محافظ) مدينة العرائش بصفته البرلمانية، ودشّن عودته إلى البرلمان بوضع سؤال كتابي حول حرمان سكان إقليمه من الاستفادة من حملة طبية تطوعية، وذلك في 11 كانون الأول/ ديسمبر 2024.

55 نائباً بين الإدانة والمتابعة بجرائم فساد إداري وخرق للقانون، أحدهم قضى عاماً وأزيد في السجن وخرج ليمارس مهام منصبه "ممثّلاً للأمة" دون أن يسأله المجلس أين كان، وآخرون تنتظر المحكمة الدستورية "استقالتهم" في أثناء وجودهم في السجون لتجريدهم من الصفة البرلمانية… رصيف22 يتقصّى "واحدةً من أسوأ التجارب البرلمانية" في تاريخ المغرب

ما زاد من غرابة المشهد أنّ النظام الداخلي لمجلس النواب، ينصّ على أنّ النائب المتغيّب يُطلب منه تقديم أسباب غيابه كتابةً طوال السنة، والتي لن تكون مقبولةً إلا بـ"استفادة النائب المعني من رخصة مرضية"، وهنا تتوالى الأسئلة: هل قام مكتب المجلس بمراسلة النائب بينما كان موقوفاً خلف القضبان ليستفسر عن أسباب غيابه؟ وهل أرسل النائب المدان قضائياً في حكم ابتدائي بينما يقبع خلف القضبان لأكثر من عام، شهادات طبيةً من داخل السجن تُبرّر غيابه؟ وهل لم يعُد المعتقل مريضاً بمجرد مغادرته أسوار السجن ليباشر مهامه البرلمانية بكل حيوية؟ أسئلة تبقى بلا إجابات برسم البرلمان المغربي.

مسؤولية الأحزاب

"بروفايلات" النواب الذين يحظون بشرف تمثيل المواطنين تحت القبة التشريعية، والذين أُدينوا بالفساد أو يُتابَعون قضائياً، لم تُنسَج خيوط غالبيتها بعد وصولهم إلى البرلمان، بل بدأت في أروقة الأحزاب السياسية التي منحتهم التزكية للترشّح للانتخابات التشريعية. هناك، في كواليس السياسة، تُوزَّع التزكيات وتُصنَع "نجوم" انتخابية، برغم أنّ شبهات الفساد تحوم حولهم قبل أن تطأ أقدامهم المؤسسة التشريعية.

ما يؤكد هذه المعطيات، تحليلٌ للبيانات المستقاة من القرارات القضائية، حيث تبيّن أنّ الجرائم المتهم فيها نحو 41 برلمانياً مداناً في قضايا فساد بأحكام قضائية وقعت قبل انتخابهم لعضوية البرلمان في انتخابات 2021. هذه النسبة تمثّل 87% من مجموع المدانين، علماً أنّ جميع حالات الإدانة المرصودة (باستثناء ثلاثة فقط) تمت خلال عامَي 2023 و2024، وأنّ ستة نواب تمت إدانتهم قبل انطلاق الدورة البرلمانية.

الأحزاب ليست مسؤولةً؟

يُثير هذا الواقع التساؤلات حول مسؤولية الأحزاب في دعم شخصيات تحوم حولها شبهات الفساد أو عدم التدقيق بالقدر المطلوب في من تختارهم وتزكيهم لتمثيل المواطنين، ما قد يؤشر، في بعض الأحيان، على تواطؤ جهات حزبية في ترشيح مشتبه في فسادهم. لكن للقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة (صاحب الأغلبية الحكومية)، أحمد التويزي، ورئيس كتلته البرلمانية في مجلس النواب، رأياً آخر.

يقول التويزي، لمعدّ التحقيق، متحدثاً باسم الأحزاب ومحاولاً إبعاد المسؤولية عنها: "هل نحن أكثر ديمقراطيةً من أمريكا؟ الرئيس (الأمريكي دونالد) ترامب يواجه العديد من الدعاوى القضائية في جرائم مختلفة، وشارك في الانتخابات الرئاسية وأصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية".

ثم يستدرك: "ربما يجب الاجتهاد وإبعاد من توجد في حقهم متابعات قضائية تتعلّق بالمال العام، حتى إن لم تصدر أحكام الإدانة في حقهم"، لافتاً إلى أنّ الحديث عن فساد البرلمانيين "يسيء إلى المؤسسات المنتخبة ويؤثّر على صورتها لدى الرأي العام".

ويمضي عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، قائلاً: "نرسّخ في ذهن المواطن أنّ المؤسسة البرلمانية فاسدة، لكننا أمام متابعات برلمانيين يدبّرون الشأن العام بصفتهم رؤساء بلديات، وقد يخطئون في تدبيرهم المالي والإداري للمرفق العام، لكن البرلماني هو صورة للمجتمع المغربي، ولا يمكن أن نتطلّع إلى تحقيق النموذج السويسري".

ويبدو التويزي أكثر ضيقاً من تسليط الأضواء على فساد النخب البرلمانية، مؤكداً أنه "في الصحافة أيضاً هناك الفاسدون والصالحون، وفي كل المهن يوجد فاسدون، ومن غير المعقول التركيز على فساد البرلمانيين، بينما هناك نحو 350 برلمانياً (من أصل 395 عضواً في المجلس)، لا علاقة لهم بالفساد".

"الأمر مقلق"

بعيداً عن رأي الفاعل السياسي، يرى أستاذ القانون الدستوري، اليونسي، أنّ "تدبير الدولة لانتخابات أيلول/ سبتمبر 2021، كان له رهان سياسي محض مرتبط بإغلاق قوس حضور الإسلاميين في الحكومة، وهذا المسعى فرض عليها إعادة النظر في النظام الانتخابي بما يسمح بولوج أصحاب المال والمصالح وبعض المتطلّعين إلى السلطة أيضاً، فكانت النتيجة هذه المحاكمات التي دفعت مؤسسات الدولة إلى تحريك متابعات ضد هؤلاء الفاسدين".

مع ذلك، "الأمر مقلق وسيؤثر سلباً على مستويَين، أولاً على الثقة بالمؤسسات، وأخيراً في عدم فعالية المؤسسات في معالجة قضايا الدولة والمجتمع المصيرية، والنتيجة اعتلال الجسم السياسي للدولة وافتقاد التوازن والفصل بين المؤسسات"، وفق اليونسي.

في الأثناء، يرى المحلل السياسي إسماعيل الحمودي، أننا "أمام مرشحين كانوا قيد المحاكمة بعدما وُجِّهت إليهم تهم بالفساد أمام القضاء، ومع ذلك ترشّحوا للانتخابات وفازوا فيها، ولم يكن ذلك ممكناً من دون حصولهم على تزكية الأحزاب التي ترشحوا باسمها من جهة، وعلى موافقة وزارة الداخلية".

"كان على الأحزاب السياسية أن ترفض ترشيح متّهمين بالفساد باسمها في الانتخابات، لكن يبدو أنّ الحصول على مقعد نيابي أولى عندها وأسبق من أيّ قواعد أخلاقية أو سياسية"، يشدّد الحمودي.

أموال الانتخابات

اللافت للانتباه أنّ 6% من أعضاء مجلس النواب الحالي، خرقوا القانون في الـ60 يوماً الأولى الموالية لانتخابهم "ممثّلين للأمة" في الجهاز التشريعي، وفق ما كشف المجلس الأعلى للحسابات -وهو مؤسسة دستورية مستقلّة مختصة بمراقبة المال العام- في تقريره الصادر في أيار/ مايو 2023 حول انتخابات 2021 التشريعية.

قال المجلس إنّ 24 عضواً من أعضاء مجلس النواب، المنتخبين في اقتراع 8 أيلول/ سبتمبر 2021، لم يقدّموا حسابات حملاتهم الانتخابية المموّلة بالمال العام داخل الأجل القانوني، ما يشكّل خرقاً للمادة 95 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، التي تنصّ على مهلة مدتها 60 يوماً من تاريخ الإعلان عن النتائج.

وينتمي النواب الـ24 إلى سبعة أحزاب/ كتل برلمانية، أغلبية ومعارضة، ثمانية منهم ينتمون إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وستة إلى حزب الاستقلال، وثلاثة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وهي الأحزاب الثلاثة المشكّلة للأغلبية الحكومية، بينما ينتمي النواب السبعة المتبقّون، الذين لم يدلوا بحساباتهم ضمن المهلة القانونية، إلى الفرق النيابية المعارضة (اثنان من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، واثنان من حزب التقدّم والاشتراكية، واثنان من حزب العدالة والتنمية ونائب ينتمي إلى الحزب الاشتراكي الموحد).


المصدر: تقرير المجلس الأعلى للحسابات الصادر في أيار/ مايو 2023.

ويبدو أنّ رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، زينب العدوي، حرصت على تفادي إحراج النواب البرلمانيين وهي تخاطبهم تحت قبّة البرلمان، في 15 كانون الثاني/ يناير 2025، في أثناء تقديم التقرير السنوي للمجلس لعام 2023/ 2024، حين أعلنت عن إحالة قوائم تضم 474 مرشحاً تخلّفوا عن إيداع حسابات حملاتهم الانتخابية لدى المجلس، إلى وزير الداخلية لاتخاذ الإجراءات القانونية المتعلِّقة بالتصريح بعدم أهليّتهم للترشح للانتخابات التشريعية العامة والجزئية ولانتخابات المجالس الجماعية والغرف المهنية طوال مدتين انتدابيتين متتاليتين، وذلك عملاً بالمقتضيات القانونية المتعلِّقة بغرفتَي البرلمان والجماعات الترابية، دون أن تقدّم، العدوي، تفاصيل أكثر عن المعنيين بالعقوبات الزجرية المذكورة، ونسبة المنتخبين منهم سواء في البرلمان أو في الجماعات الترابية.

اختلالات تشريعية 

ولا يقتصر الأمر على الفساد الإداري المرتبط بممارسات غير قانونية للبرلمانيين الذين يدبّرون في الآن عينه، مرافق عموميةً (البلديات)، وإنما يرتبط أيضاً بمسؤولية الإدارة والتقصير في ردع المتورطين في الفساد، وفي عدم تفعيل مختلف الآليات المفترض أن تساهم في محاربة الفساد ومحاسبة المتورطين في هدر المال العام.

يقول التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات لعام 2023/ 2024، إنّ اختصاص تلقّي وتتبّع ومراقبة التصريح الإجباري بالممتلكات، يساهم في "تخليق المرفق العمومي، حمايةً للمال العام وتكريساً للنزاهة ومبادئ الشفافية والمساءلة لدى المدبّرين العموميين"، مؤكداً أنّ المنظومة القانونية المؤطرة للتصريح الإجباري بالممتلكات، تعتريها نقائص، ويجب الارتقاء بها إلى نظام أكثر فعاليةً في الإسهام في الوقاية من الفساد ومكافحته.

وكشف التقرير نفسه أنّه "تم توجيه مذكرة استعجالية للحكومة مطلع شهر تموز/ يوليو 2024، تتمحوّر حول سبل تطوير المنظومة القانونية المؤطرة للتصريح الإجباري بالممتلكات، بغية تجاوز النقائص التي تعتريها والارتقاء بها إلى نظام أكثر فعاليةً في الإسهام في الوقاية من الفساد ومكافحته"، ودعت المذكرة إلى "وضع نظام عقوبات ملائم ومتدرج بشأن الاختلالات أو المخالفات المتعلِّقة بالتصريح بالممتلكات".

ويبدو أنّ نظام العقوبات الحالي لم يحقّق النتائج المرجوة من آلية يُفترض أن تساهم في مكافحة الفساد، إذ كشف مجلس الحسابات، في تقريره السنوي لعام 2021، عن أنّ 71 برلمانياً في الولاية السابقة (2016-2021)، لم يقدّموا تصريحاً بممتلكاتهم بعد نهاية الولاية، بما يشكّل نحو 18% من أعضاء المجلس، بينما لم يقدّم ثلاثة برلمانيين في الولاية التشريعية الحالية، تصريحات بممتلكاتهم داخل الأجل القانوني المحدد في 90 يوماً الموالية لتاريخ افتتاح البرلمان، دون الإعلان عن مصير متابعة المخالفين.

وبحسب ما يُظهر البحث في أرشيف قرارات المحكمة الدستورية، لم يسبق للمحكمة الدستورية أن جرّدت برلماني من منصبه لعدم التصريح بممتلكاته، وفق ما تنصّ عليه مقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب، المتعلِّقة بالتصريح بالممتلكات، والتي تعود إلى عام 2008، دون أن يطالها أي تغيير، برغم أنّ دستور عام 2011، نص لأول مرة في المادة 185 على وجوب التصريح بالممتلكات للمنتخبين ومن يمارسون مسؤوليةً عموميةً، "طبقاً للكيفيات التي يحدّدها القانون"، وهو القانون الذي لم يرَ النور بعد نحو 14 عاماً على إقرار الدستور.

الراشدي: "إغلاق الباب أمام المجتمع المدني للقيام بهذا الواجب المتمثل في التبليغ عن شبهات الفساد، غير مطابق مع التزامات المغرب الدولية".

وذلك على الرغم من تأكيد المجلس الأعلى للحسابات، في تقرير 2023/ 2024، على "الحاجة إلى إعداد نظام قانوني موحد وشامل لمختلف فئات الملزَمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات، وملاءمته مع مقتضيات دستور 2011".

وتُعدّ آلية التصريح بالممتلكات، "إحدى الأدوات الرئيسية للوقاية من الفساد، وقد أظهرت التقييمات أنّ النظام الحالي يعاني من نواقص عدة"، وفق تصريح الرئيس السابق للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، الراشدي، لمعدّ التحقيق.

ويضيف الراشدي: "لذلك، قدّمت الهيئة توصيات لتطوير هذا النظام ليكون أكثر فعاليةً، بدءاً من اعتماد نظام معلوماتي متطور يستفيد من الابتكار التكنولوجي".

وتعليقاً على عدم تصريح 71 برلمانياً، عن ممتلكاتهم بعد نهاية الولاية السابقة، وعدم تقديم ثلاثة نواب في الولاية الحالية تصريحاتهم عن ممتلكاتهم داخل الأجل القانوني، يعقّب الراشدي: "يجب إرساء قواعد دولة القانون. فحين ينصّ القانون على مقتضيات زجرية، يجب أن تُنفّذ، والمطالبون بالتصريح بممتلكاتهم عليهم احترام المقتضيات القانونية". ويدعو الراشدي إلى الذهاب "أبعد من ذلك"، وفق تعبيره، قائلاً: "حتى لو حدث التصريح عن الممتلكات، فليست هناك الفعالية الكافية، وهذا يعني أنه يجب أن نذهب أبعد من ذلك، ونقرّ إصلاحاً جوهرياً للمنظومة لتكون ذات فعالية، ويصبح ضمان الالتزام بالمقتضيات أكثر قوةً".

انتقادات للحكومة

وبينما تتصاعد أصوات الغضب من ارتفاع قضايا الفساد المالي والإداري في صفوف البرلمانيين، تُوجّه أصابع الاتهام إلى الحكومة الحالية في ما يخصّ دورها في مكافحة الفساد، ليس فقط من قِبل هيئات المجتمع المدني، بل أيضاً من قِبل هيئة رسمية، أوكل إليها الفصل 167 من الدستور، مهمة "المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبّع تنفيذ سياسات محاربة الفساد"، و"المساهمة في تخليق الحياة العامة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة".

سجلت هيئة النزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، خلال تقديم تقريرها السنوي لعام 2023، "ضعف تفاعل الجهات المعنية مع توصيات الهيئة الواردة في تقاريرها السنوية"، مشيرةً إلى "تجاوب نسبي مع منظور الهيئة بخصوص بعض المواضيع المهيكلة".

وأوضحت الهيئة أنّ "مرسوم تشرين الأول/ أكتوبر 2017، بشأن اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، ينصّ في مادته الرابعة على اجتماع اللجنة مرتين في السنة على الأقل، بينما لم تجتمع اللجنة إلا مرتين في 8 سنوات، لتخلص الهيئة إلى أنّ "الفساد يكلّف المغرب سنوياً من 3.5 إلى 6% من ناتجه الداخلي الخام، أي ما يمثّل 50 مليار درهم (نحو 5.6 مليارات دولار)".

وكانت حكومة سعد الدين العثماني (2017-2021)، قد أخرجت مرسوم تأسيس اللجنة عام 2017، وعقد رئيسها اجتماعَين للّجنة، في عامي 2018 و2019، بينما لم يعقد رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، أيّ اجتماع للّجنة حتى الآن، بالرغم من مطالبة الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة بذلك.

ولم يتأخر ردّ الحكومة على اتّهامها بالتقصير في محاربة الفساد من طرف مؤسسة دستورية. فبعد يومين من ندوة الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة لتقديم تقريرها السنوي، عبّر المتحدّث الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى بايتاس، عن "الاندهاش لعدم الانتباه إلى الإجراءات التي تقوم بها الحكومة في مجال محاربة الفساد".

وقال بايتاس، في ندوته الصحافية الأسبوعية بتاريخ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2024: "لا يجب لأيّ أحد أن يعتقد أنه يحارب الفساد أكثر من أيّ طرف آخر، هذه معركة نساهم فيها جميعاً على قدر المساواة، السلطة التنفيذية والمؤسسات الأخرى الدستورية التي تشتغل على هذا الموضوع، وطبعاً الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها".

ودعا المتحدث الهيئة الدستورية، إلى ممارسة اختصاصاتها في مكافحة الفساد، متسائلاً: "ألا تتضمّن اختصاصات هذه المؤسسة تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة العامة؟ أيّ مجهود قامت به لممارسة اختصاصاتها الدستورية؟"، مردفاً: "من يعرف الفساد وملفاته يجب أن يذهب إلى القضاء لأنه المسؤول الوحيد عن زجر ومحاسبة من يقوم بالفساد، ومحاربة الفساد هو انشغال كبير لدى الحكومة منذ تنصيبها".

تفاعلاً مع الانتقادات الموجهة إلى الحكومة، يرى أستاذ العلوم السياسية، الحمودي، أنّ "الفساد يُعدّ ظاهرةً بنيويةً في المغرب، إلا أنّ جهود الحكومة الحالية تبدو أقلّ من أي جهود سابقة"، مشيراً إلى أنه في سنة 2016، "وضعت حكومة عبد الإله بنكيران، إستراتيجيةً وطنيةً لمكافحة الفساد، تماشياً مع مستجدّات دستور 2011، بهدف توطيد النزاهة والحد من الفساد في أفق سنة 2025. لكن النتائج خلال السنوات الماضية تبدو سلبيةً، إذ سجّل مؤشر مدركات الفساد العالمي، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، تراجع مرتبة المغرب من 73 ضمن 180 دولةً سنة 2018، إلى 97 عام 2023"، ويعني ذلك وفق الحمودي، "تفشّي وتزايد ظاهرة الفساد وضعف الجهود الحكومية الرامية إلى محاربته". 

جدير بالذكر أنّ المغرب واصل التراجع إلى المرتبة 99 على المؤشر في عام 2024.

حماة المال العام… مستهدفون؟

الانتقادات الموجهة إلى الحكومة الحالية، تطال أيضاً سعيها إلى إغلاق بابٍ ظلّ مفتوحاً أمام جمعيات حماية المال العام، لتقديم شكايات ضد المشتبه في تورطهم في قضايا فساد إداري واختلاس وتبديد المال العام، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً.

ويسحب مشروع قانون المسطرة الجنائية الذي أحالته الحكومة إلى البرلمان يوم 9 كانون الثاني/ يناير 2025، البساط من تحت المجتمع المدني، ويمنح اختصاص تقديم الشكايات المتعلِّقة بجرائم اختلاس المال العام، للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض وفق شروط.

وتنصّ المادة الثالثة من المشروع، على أنه "لا يمكن إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في شأن الجرائم الماسّة بالمال العام، إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة، بناءً على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات".

ويمكن لرئيس النيابة العامة أيضاً، إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في شأن قضايا الفساد، "بناءً على طلب مشفوع بتقرير من المفتشية العامة للمالية أو المفتشية العامة للإدارة الترابية أو المفتشيات العامة للوزارات أو من الإدارات المعنية، أو بناءً على إحالة من الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أو كل هيئة يمنحها القانون صراحةً ذلك".

"الجهات التي يزعجها مسار الإصلاحات في بلادنا، ومسار مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة، تبحث عن كل الأدوات لعرقلة أيّ تحوّل يمكن أن يؤدي إلى تنامي الوعي المجتمعي بالتصدّي للفساد والرشوة والريع والإفلات من العقاب".

أقوى المواقف الرافضة للتوجه الحكومي الجديد المعبّر عنه في مشروع قانون المسطرة الجنائية، صدر عن الهيئة الوطنية للنزاهة ومكافحة الرشوة إذ يوضح رئيسها السابق، الراشدي، لمعدّ التحقيق، أنّ "المغرب ملتزم دولياً بضمان مشاركة المجتمع المدني في الوقاية من الفساد ومكافحته بجميع الأبعاد المتاحة، بما في ذلك إمكانية التبليغ. وعليه، فإنّ المغرب مطالَب باحترام هذه الالتزامات وتنزيلها على الوجه الأمثل".

ويرى الراشدي أنّ "إغلاق الباب أمام المجتمع المدني للقيام بهذا الواجب، المتمثل في التبليغ عن شبهات الفساد، غير مطابق مع التزامات المغرب الدولية"، مستدركاً: "لكننا ضد التبليغات الكيدية والمزايدات السياسية، والتضييق على الجمعيات ليس إجابةً عن الانزلاقات المحتملة، بل يجب أن ينص القانون على أنه إذا ثبت تبليغ كيدي أو ابتزاز، تُرتَّب المتابعات في إطار دولة القانون، دون حرمان أي طرف من المساهمة في ورش مكافحة الفساد".

في السياق ذاته، يقول المحامي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، لمعدّ التحقيق، إنّ "مشروع قانون المسطرة الجنائية لم يمنع -في نصّه- فقط الجمعيات من تقديم الشكايات إلى الجهات القضائية، بل يفرض قيوداً على النيابة العامة، التي أصبحت غير قادرة على تحريك الأبحاث إلا بناءً على ما توصلت إليه من تقارير من المجلس الأعلى للحسابات أو المفتشية العامة للمالية أو وزارة الداخلية أو إدارات أخرى، ما يفيد باستهداف كل الأدوات التي من شأنها المساهمة في مكافحة الفساد".

ويوضح الغلوسي أنّ "الجهات التي يزعجها مسار الإصلاحات في بلادنا، ومسار مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة، تبحث عن كل الأدوات لعرقلة أيّ تحوّل يمكن أن يؤدي إلى تنامي الوعي المجتمعي بالتصدّي للفساد والرشوة والريع والإفلات من العقاب"، عادّاً أنّ المادة الثالثة من مشروع القانون المذكور، "تشكّل انتكاسةً دستوريةً وقانونيةً، وتعكس تغوّلاً للتوجه المستفيد من تضارب المصالح وزواج السلطة بالمال، بالإضافة إلى انزعاج بعض الأحزاب السياسية التي تستعين ببعض ذوي الذمم المتّسخة لكسب بعض المقاعد في البرلمان".

جدير بالذكر أنّ مجلس المستشارين صادق على مشروع القانون في جلسة 8 تموز/ يوليو 2025. كما صادق عليه مجلس النواب بالأغلبية في جلسة 22 تموز/ يوليو 2025 بصفة نهائية، في ما وصفتها وزارة العدل المغربية بأنها "خطوة تشريعية بارزة تؤسس لمرحلة جديدة في تحديث المنظومة القانونية الوطنية وتعزيز ضمانات العدالة الجنائية".

الثقة تتهاوى

لا تتوقّف كلفة ارتفاع متابعات وإدانات البرلمانيين بالفساد وتبذير المال العام عند حدود هدر المال العام فحسب، بل تتعدّاه لتحفر عميقاًَ في جدار الثقة المتصدّع بالأساس بين المواطنين ومؤسسات الدولة. كل إنفاق بلا مساءلة أو اختلاس دون محاسبة، يضيف لبنةً جديدةً في جدار العزلة الذي يفصل المواطنين عمّن يُفترض أنهم يمثّلون صوتهم.

وكشف "مؤشر الثقة في المؤسسات"، الذي يقيس ثقة المغاربة بالمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عن أنّ "المواطنين يفقدون تدريجياً الثقة بالمؤسسات المنتخبة بكل أنواعها، وفي الوقت نفسه تتراجع ثقتهم بالحكومة الحالية".

وفق المؤشر الذي يصدره المعهد المغربي لتحليل السياسات، وهو مؤسسة غير حكومية، لوحظت في عام 2023، "العودة إلى الوضعية التي كانت سائدةً قبل جائحة عام 2020، حيث كانت الثقة بالمؤسسات السياسية منخفضةً بشكل ملحوظ".

وتراجعت ثقة المغاربة بالحكومة الحالية من نسبة ثقة بلغت 69% في عام 2022، إلى 43% في عام 2023، كما انخفضت الثقة بالأحزاب السياسية من 52% سنة 2022، إلى 33% في عام 2023، وعلى النحو ذاته، تراجعت الثقة بالبرلمان من 50% عام 2022، إلى 42% في عام 2023، وفق المؤشر.

ويعتقد أستاذ القانون الدستوري، اليونسي، أنّ "الثقة بالمؤسسات عنصر حيوي لضمان استقرار الدولة. ففي الأزمات التي تعرفها الدول، سواء كانت اقتصاديةً أو اجتماعيةً أو سياسيةً، أو ربما سياديةً مرتبطةً بوجود واستمرار الدولة نفسها، يظهر عنصر الثقة الذي يمنح الساسة مجالاً لحل المشكلات بدل اللجوء إلى القوة أو الردع لضمان الاستقرار".

التخوّف من فقدان الثقة، دفع محمد أوجار، وزير العدل الأسبق والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى التعبير عن موقف نادر لقيادي حزبي ووزير سابق ينتمي إلى الحزب الذي يقود الأغلبية الحكومية، حين قال خلال استضافته في كانون الثاني/ يناير 2025، في برنامج "نقطة إلى السطر"، الذي تبثّه القناة المغربية الرسمية الأولى، إنه "يجب أن نقطع مع ما أفرزته هذه التجربة"، في إشارة إلى تجربة تدبير الشأن العام في الولاية التشريعية الحالية.

ومن موقعه كحقوقي وسياسي ومواطن أيضاً، وفق تعبيره، قال أوجار: "كفى من بعض الشخصيات الفاسدة التي راكمت ثروات خارج القانون وجاءت للنسق السياسي، سواء في حزب التجمع الوطني للأحرار أو في أحزاب أخرى. أشعر بألم شديد -كحقوقي وكسياسي- وأنا أشاهد المتابعة القضائية لهذا العدد من البرلمانيين والرؤساء (يقصد رؤساء الجماعات)، ما خلق صورةً سيئةً للرأي العام (عن مؤسساتنا)"، ليخلص إلى القول: "بلادنا ليست بلاد اللصوص والفاسدين".

وشدّد أوجار على أنه "لم يحدث في تاريخ المغرب أن كان هذا عدد المتابعات، أن كان هذا العدد من الافتحاصات (التحقيقات)...".

أيّ دور لمدوّنة الأخلاقيات؟

جرس إنذار مستمرّ ظلّ يقرعه الملك محمد السادس، تحت قبّة البرلمان، حين خصص حيّزاً مهماً من خطبه على امتداد 26 سنةً من الحكم، للتوجيهات المتعلِّقة بالأخلاقيات البرلمانية وتخليق الحياة السياسية، شملتها الدعوة في تشرين الأول/ أكتوبر 2012، إلى "الانكباب على بلورة مدوّنة أخلاقية ذات بعد قانوني"، ليتفاعل مجلس النواب مع ذلك بإقرار مدوّنة السلوك والأخلاقيات البرلمانية، في النظام الداخلي لسنة 2013، إلا أنّ ذلك لم يرضِ الملك محمد السادس، ليدعو، في افتتاح البرلمان في الجمعة الثانية من تشرين الأول/ أكتوبر 2014، إلى "ميثاق حقيقي لأخلاقيات العمل السياسي، دون الاقتصار على بعض المواد، في النظام الداخلي".

بعد 10 سنوات من ذلك، عاد الملك بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس البرلمان، ليثير موضوع مدوّنة الأخلاقيات البرلمانية، ويدعو لاحقاً في 17 كانون الثاني/ يناير 2024، إلى "تخليق الحياة البرلمانية من خلال إقرار مدوّنة للأخلاقيات تكون ذات طابع قانوني ملزم".

مباشرةً بعد الدعوة الملكية الجديدة، سارع مكتب مجلس النواب والفرق والمجموعة النيابية، إلى إقرار مدوّنة جديدة للأخلاقيات، وصفها رئيس المجلس، رشيد الطالبي العلمي، بأنها "من أرقى مدوّنات الأخلاق والسلوك المعتمدة في البرلمانات الوطنية"، مشدداً في جلسة عامة للمجلس في 6 شباط/ فبراير 2024، لاختتام الدورة التشريعية، على أنّ المدوّنة الجديدة ترمي إلى "إعطاء القدوة في السلوك والممارسة السياسية وأداء الواجب بالحضور المنتج الإيجابي".

بعد أشهر من النقاش، أقرّ مجلس النواب مدوّنةً للأخلاقيات البرلمانية، مع دخول النظام الداخلي الجديد حيّز التنفيذ في الأسبوع الأول من آب/ أغسطس 2024، وسط تطلعات كبيرة إلى حسن تطبيق مقتضياتها، تجنّباً لاضطرار الملك إلى الدعوة مجدداً لإقرار مدوّنة أخرى للسلوك والأخلاقيات ملزمة قانونياً.

وبرغم التطلعات الكبيرة المعلّقة على مدوّنة الأخلاقيات البرلمانية الحالية، يرى أستاذ القانون الدستوري، اليونسي، أنها "خطوة إيجابية نحو تخليق العمل البرلماني، لكنها وحدها غير كافية في ظل اعتلال الحياة الحزبية ووجود أعطاب في الأدوات الحزبية التي أفرزت النخب البرلمانية الحالية"، مضيفاً أنّ "الأحزاب تبحث عن البروفايل القادر على ضمان المقعد البرلماني، دون الاهتمام بمساره، أو مصدر ثروته، أو ترقّيه داخل البنية الحزبية".

"الفساد يُعدّ ظاهرةً بنيويةً في المغرب، إلا أنّ جهود الحكومة الحالية تبدو أقلّ من أي جهود سابقة"... عوضاً عن التعاون مع "حماة المال العام" في البلاد، سعت حكومة عزيز أخنوش الحالية إلى تحجيم إمكانية تقديم شكايات ضد المشتبه في تورطهم في قضايا فساد إداري واختلاس وتبديد المال العام. كيف؟ ولماذا؟ 

من جهته، يشير الرئيس السابق للهيئة الوطنية للنزاهة ومكافحة الرشوة، الراشدي، إلى أنّ ارتفاع المتابعات القضائية للبرلمانيين في قضايا الفساد يمثّل "إشارةً إيجابيةً على وجود جهود لمكافحة الإفلات من العقاب، إلا أنّ ذلك غير كافٍ"، مؤكداً أنّ "الاكتفاء بهذه الإجراءات لن يحقق النتائج المرجوة، ولن يعيد الثقة اللازمة لتعبئة جميع مكونات المجتمع في ورش مكافحة الفساد المعقّد، الذي يستلزم التكامل بين مختلف الأدوار والمسؤوليات، ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون المسؤولية جماعيةً بشكل يذيب المحاسبة، وإنما ضمن إطار تكاملي مفصلي يحدد أدوار الجميع بدقّة".

رئيس مجلس النواب يكتفي بـ"الجانب الإيجابي"

ردّاً على المعطيات الواردة في التحقيق، يقول رئيس مجلس النواب المغربي، رشيد الطالبي العلمي، لرصيف22، "أتعامل مع النواب والنائبات الذين أفرزتهم صناديق الاقتراع، وأنا غير مسؤول عن منح التزكيات من طرف الأحزاب للمرشحين لعضوية البرلمان".

ثم عاد العلمي مشدّداً: "أنا لا أتحكم في الأحزاب السياسية، ورأيي لن يغيّر شيئاً، لا علم لي بخلفيات الأحزاب السياسية"، متسائلاً: لماذا لا يُنظر إلى زيادة متابعات النواب البرلمانيين في تهم فساد "من الجانب الإيجابي" على أنها تعكس "أنّ الدول وقفت وقفة رجل واحد لمحاربة الفساد"؟.

"لا رأي لي ولن أعطي أي رأي، لأن أي شخص حين يصبح نائباً برلمانياً فهو نائب برلماني، مع احترام قرينة البراءة التي ينص عليها الدستور وكل متهم بريء إلى أن تثبت إدانته، لا يمكن أن أعطي رأياً في ملفات ينظر فيها القضاء، ثم المتابعون يتابعون في قضايا لا علاقة لها بالعمل البرلماني"، يختم.

*أُنتج هذا التحقيق بدعم من منظمة Civil Rights Defenders.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

من 12 سنة لهلّق، ما سايرنا ولا سلطة، ولا سوق، ولا تراند.

نحنا منحازين… للناس، للحقيقة، وللتغيير.

وبظلّ كل الحاصل من حولنا، ما فينا نكمّل بلا شراكة واعية.


Website by WhiteBeard
Popup Image