في نهاية مقالي "فلسطيني على الطريق... اليسار الإسرائيلي يتبنى الصهيونية الناعمة"، قلت إن المواقف الحاسمة تؤكد صهيونية اليسار الإسرائيلي، وإن الاختبار الإنساني الحقيقي لليهودي الرافض للصهيونية أن ينهي علاقاته بالكيان المحتل. والبعض اختار إنقاذ ضميره بالمغادرة، وبكشفِ تزييف الحقائق، وتفكيك رواية إسرائيل، كما فعل آفي شلايم الذي لا يزال يكتب ويتكلم، ويقول الكثير في كتاب "من بغداد إلى أكسفورد... آفي شلايم وتفكيك الرواية الإسرائيلية" لمؤلفته الشاعرة العراقية الدكتورة أمل الجبوري.

وحين تتكلم أصوات الضمير يجب الإنصات. ولن يستطيع صهيوني، أو متصهْين أيّاً كانت ديانته، أن يشهر في وجه شلايم سيف الإرهاب العلماني الغربي المسمى "معاداة السامية".
هذا كتابٌ ضدُّ الجميع: ضد عنصرية إسرائيل ووجودها ككيان عسكري احتلالي؛ ضدُّ نفاق أنظمة أوروأمريكية تدعم العدوان وتمارس ازدواجية بمساواة الضحية والجلاد
في نهاية المقال أشرتُ إلى وقفة متأنية مع هذا "الكتاب الشجاع". هذا أوجز وصف لشلايم، وللمؤلفة أمل الجبوري، الأستاذة في قسم دراسة الأديان والفلسفة في جامعة لندن، وللناشر، دار لندن للطباعة والنشر وغولدن بوك للنشر في العاصمة البريطانية. هذا كتابٌ ضدُّ الجميع: ضد عنصرية إسرائيل ووجودها ككيان عسكري احتلالي؛ ضدُّ نفاق أنظمة أوروأمريكية تدعم العدوان وتمارس ازدواجية بمساواة الضحية والجلاد؛ ضدُّ انحطاط عربي يجسده تطبيع محميات أمريكية لا تربطها حدود بفلسطين؛ ضدُّ الرواية الصهيونية المزوّرة لتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي؛ ضدُّ الجهل العربي بمعرفة العدو.

أبدأ بالنقطة الأخيرة؛ المعرفة المنقوصة ثغرة تشوِّش الوعي العربي، في حين يتسلل العدو المتسلِّح بدراسات في الإسلام والثقافة العربية، في مراكز بحثية يزيد عددها على معاهد الدراسات الإسرائيلية في الدول العربية كافة. الفرق شاسع، لافت للنظر بين الطرفين، كما يرى شلايم. فإسرائيل تُدرِّس اللغة العربية بجميع مستوياتها، لا سيما في الجامعات بمستوى عالٍ. وفي مجال الدراسات عن العالم العربي لديها مراكز بحثية متخصصة، وخبراء في الإسلام، وفي تاريخ الشرق الأوسط، وفي شؤون كل بلد عربي على حدة. حجم المعرفة الإسرائيلية بالعالم العربي مهول.
وبحكم الطبيعة العسكرية لإسرائيل، فإن هذه المراكز في خدمة السياسات؛ مركز "ديان" للدراسات الشرق أوسطية في جامعة تل أبيب، وغيره من المراكز، ذات روابط وثيقة بالمؤسسة العسكرية. ومعظم دارسي اللغة العربية، والدراسات الشرق أوسطية عموماً، يتعلّمون "لغة العدو لأغراض نفعية"، للعمل لاحقاً في جهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، أو في الموساد.
وعلى الضفة الأخرى، في العالم العربي هناك جهل عميق بإسرائيل، على المستوى الرسمي. المعرفة العربية عموماً بالشأن الإسرائيلي "ضئيلة جدّاً... هذا يُعدَّ انتقاصاً من قدرة العرب على التعامل مع إسرائيل من موقع المعرفة الحقيقية". ويذكِّر شلايم بأن إدوارد سعيد انتقد امتناع العرب عن دراسة إسرائيل، بدعوى أنها "دولة عدوة. فهناك إحجام عاطفي، لكنه يحمل نتائج معرفية كارثية، إذ يبقى العرب في حالة جهل تجاه خصم يمتلك معرفة واسعة عنهم".
أما التطبيع، فنتائجه كارثية. يلزم الأنظمة بتعديل المناهج الدراسية، وربما الدساتير، ويؤسس وعياً بديلًا مزوّراً يمنع انتقاد إسرائيل وما تمثله من خطورة، وقد يؤدي إلى حذف أحاديث وآيات قرآنية من مناهج التعليم. التطبيع بدأته مصر منذ زيارة أنور السادات للقدس عام 1977، وتوقيع ما سُمي "معاهدة السلام" بين مصر وإسرائيل عام 1979.
ويقفز شلايم إلى عام 2020، ففيه وقعت أربع دول عربية، الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، اتفاقيات سلام مع إسرائيل حملت اسم اتفاقيات أبراهام، واعتبرتها إسرائيل اختراقاً حقيقيّاً للعالم العربي. ليست اتفاقيات سلام حقيقية بين الشعوب. فهي تظل عملية سياسية، و"صفقات بين أنظمة استبدادية عربية ودولة فصل عنصري. وقد تمت برعاية الإمبريالية الأمريكية، وتحديداً إدارة دونالد ترامب، التي رأت أن من مصلحتها تعزيز القبول الإقليمي لإسرائيل وزيادة نفوذها في المنطقة". ولم تدفع إسرائيل، في هذه الاتفاقيات، أي ثمن. لقد حققت طموح (رئيس الوزراء الإسرائيلي المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية) بنيامين نتنياهو إلى السلام مع الدول العربية، "من دون تقديم أي تنازل للفلسطينيين".
يرى شلايم أن من أسباب هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أن أغنى دولة عربية وهي السعودية أوشكت، تحت ضغط أمريكي، أن توقع اتفاق سلام مع إسرائيل. لو حدث "لقُضي نهائيّاً على آمال الفلسطينيين في قيام دولة مستقلة... لانتهت إمكانية تحقيق دولة فلسطينية". كان الهجوم إعلاناً فلسطينيّاً صريحاً يقول: "نحن لم ننتهِ، ولا يمكن تجاهلنا، لدينا إرادة، ولن نقبل شروطاً تُملى علينا من إسرائيل أو الولايات المتحدة. لن نقبل تطبيعاً سعوديّاً مع إسرائيل يُقصينا، وسنواصل مقاومتنا الوطنية من أجل الحرية والاستقلال. هذه هي الرسالة السياسية من وراء الهجوم". ولا يتوقع شلايم إلغاء السعودية السلام مع إسرائيل.
بإيضاح وباختصار، يقول شلايم إن العرب ليسوا متشددين، يريدون التطبيع وفق شروط معقولة جدّاً تنهي الاحتلال. لكن إسرائيل تتعنت، منذ عام 1967؛ اختارت الاحتلال على حساب السلام، واستغلت ما يُسمى عملية السلام "لتغطية المشروع الاستعماري الصهيوني العدواني في الأراضي المحتلة. لقد كانت عملية السلام عملية بلا سلام، واستُخدمت لتسويغ السياسات الإسرائيلية، مثل توسيع المستوطنات في الضفة الغربية. واليوم، أعيد إحياء فكرة الدولة الفلسطينية، بعدما كادت إسرائيل تقضي عليها، فلم يكن أحد يتحدث مؤخراً عن حل الدولتين حتى اندلاع الحرب في غزة". ومن نتائج هذه الحرب عودة فكرة حل الدولتين إلى طاولة النقاش.
شلايم اليهودي العربي اختبر النكبة من جانبها الآخر، ورأى عنصرية إسرائيل على أهله العراقيين بعد ترحيلهم القسري إلى إسرائيل، وانحاز إلى ضميره، وقرر أن يروي المسكوت عنه في تاريخ الصراع، وصولًا إلى الحرب على غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ويعتبره إبادة جماعية. فالإبادة تُعرَّف على أساس توفُّر عنصرين: النية، والممارسة الفعلية لتدمير جماعة عرقية.
هنا "نجد النية الجلية" في تصريحات رسمية، من الرئيس إلى رئيس الوزراء، تتضمن "دعوات لإبادة شعب بأكمله"، حتى إن وزيراً دعا إلى إلقاء قنبلة نووية على غزة، ويريد غيره محو غزة من الخريطة. وعلى صعيد الممارسة، فالجيش الإسرائيلي يقتل المدنيين، وقد دمر أكثر من ثلثي المساكن في غزة.
كيف نضع إسرائيل في سياق تطور حركة الاستعمار في التاريخ؟ يجيب شلايم بأن الاستعمار الاستيطاني أشدّ أشكال الإمبريالية وأكثرها وحشية، "وقد مارسه المشروع الصهيوني منذ قرن، وبلغ في غزة ذروته الوحشية القصوى. منطق الاستعمار الاستيطاني ينطلق من القضاء على السكان الأصليين".
ومنذ عام 1948، انتهجت إسرائيل سياسة "التطهير العرقي". والنكبة ليست حدثاً وقع عام 1948، لكنها عملية مستمرة، "وبلغت مستوى جديداً من التطرف في غزة... أدرك الآن أن الاستعمار الاستيطاني لا ينتهي حتى يصل إلى مرحلة الذبح الجماعي، وهو ما نشهده حاليّاً". وليس العدوان نزاعاً بين حماس وإسرائيل، فالأخيرة دولة استعمارية استيطانية مدعومة من الإمبريالية الأمريكية. ويسمح الدعم الأمريكي لإسرائيل بالإفلات من العقاب، والإفلات من جريمة الإبادة الجماعية.
بعد العدوان الأخير على غزة، رأى شلايم أن من واجبه مشاركة معرفته مع الجمهور العام، وليس مع الأكاديميين فقط. أجرى مقابلات، وشارك في البودكاست، وكتب بلغة مبسطة يسهل فهمها. ضمن هذا التبسيط يذكِّر بأن إسرائيل منذ انسحابها من غزة، عام 2005، لم تكفَّ عن شن الهجمات.
"الرصاص المصبوب" أول عملية عسكرية واسعة النطاق نهاية عام 2008 بداية 2009. والهجوم الأخير على غزة هو العملية العسكرية الإسرائيلية الثامنة. توالت الهجمات في أعوام 2012، و2014، و2021، و2022، و2023. وهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر يفوق "جميع ما سبقه من حيث التدمير والوحشية والقسوة والفتك. عدد الضحايا يفوق مجموع ضحايا الحملات الإسرائيلية السبع السابقة مجتمعة". فضلاً عن ارتكاب "إبادة ثقافية باستهدافها جميع الجامعات، و295 مدرسة ومسجداً. إذاً، ما نشهده هو إبادة جماعية وإبادة ثقافية في آن".
لا يستهدف العدوان على غزة تدمير حماس. هذا هدف معلن، يسوِّغ رغبة إسرائيل في تدمير القطاع، وتحويل غزة إلى منطقة غير صالحة للحياة، وتفريغ القطاع من سكانه. والتهجير القسري للمدنيين جريمة حرب. يؤكد شلايم أن إسرائيل "ترتكب هذه الجريمة"، وأن قادتها يتحدثون عن "نكبة ثانية".
نكبة 1948 حوَّلت ثلاثة أرباع مليون فلسطيني إلى لاجئين، وشُطبت فلسطين من على الخريطة. والتهديد بنكبة جديدة، تفوق سابقتها من حيث عدد المتضررين، يعني "أننا نمرُّ بواحدة من أحلك الفترات في تاريخ المنطقة"، بدعم أمريكا التي يصفها بمحامي الشيطان، إذ استخدمت الفيتو 46 مرة، لإسقاط قرارات لا ترضي إسرائيل.
اجتهادات شلايم، وأمثاله من المؤرخين الجدد، أكبر من مجرد إعادة كتابة التاريخ؛ إنها سلوك شجاع يستعيد كرامة اللغة

باطلاع شلايم الواسع على أرشيفات الدولة الصهيونية ودراسته للوثائق، أسس موقفه المناهض للرواية الصهيونية. وأعاد قراءة أوراق القضية، منذ أعلنت بريطانيا دعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بوعد بلفور عام 1917. كانت نسبة اليهود 10% من السكان، والفلسطينيون 90%.
وعلى الرغم من ذلك، منحت بريطانيا للفلسطينيين حقوقاً مدنية ودينية فقط، في حين منحت الأقلية اليهودية حقوقاً قومية، "ولإضافة الإهانة إلى الجرح"، وصف وعد بلفور 90% من السكان، وهم المواطنون الفلسطينيون، بأنهم "المجتمعات غير اليهودية في فلسطين"، باعتبارهم بلا أهمية. أما اليهود وحدهم فيستحقون الذكر.
يتفاءل شلايم بتغيُّر الرأي العام العالمي تدريجياً ضد إسرائيل. هذا التحول شهد تسارعاً كبيراً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع ما تبثُّه الشاشات من الفظائع الإسرائيلية. ومالت الكفّة لصالح الرواية الفلسطينية على حساب الرواية الإسرائيلية. بل إن عدداً متزايداً من اليهود الأمريكيين، وخصوصاً الجيل الشاب، ينأى عن إسرائيل، ويطالب بإنهاء الاحتلال وحل الدولتين.
أما المؤلفة أمل الجبوري، لأنها شاعرة ومترجمة، فتتوقف أمام الخطاب الإسرائيلي الذي تراه سكِّيناً تمزِّق الآخر. في حين يسعى شلايم إلى جعل اللغة وسيلة للتواصل، وتحويلها إلى جسر، وممرٍّ للعدالة، تعبر من خلاله الرواية الفلسطينية إلى الضفة الأخرى، وتخترق الرواية الإسرائيلية.
اجتهادات شلايم، وأمثاله من المؤرخين الجدد، أكبر من مجرد إعادة كتابة التاريخ؛ إنها سلوك شجاع يستعيد كرامة اللغة.

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
