"لا نريد أن نموت ببطء"… حين يصبح الهواء في غزة محمّلاً بالقمامة

حياة نحن والبيئة

الأربعاء 14 يناير 20268 دقائق للقراءة

في منتصف مدينة فقدت جميع مقومات الحياة وانهار بنيانها وتكوينها الاجتماعي بفعل الحرب، لم تعد القمامة مسألة خدمات عامة بل تحوّلت إلى سؤال وجودي: كيف يمكن لغزة أن تستمر وهي تعيش داخل نفاياتها؟ وكيف يصبح السوق، المكان الذي كان يُنتج الحياة، مستودعاً لما تبقى منها؟

بعدما سيطر الاحتلال الإسرائيلي على المناطق الشرقية من القطاع وأُغلق الطريق إلى مكب القمامة الوحيد "جحر الديك" شرق غزة، بلغ ارتفاع النفايات عشرة أمتار، تُحرق يومياً ويتصاعد دخانها في الهواء، محمّلاً بما لا يُرى من ميكروبات وأوبئة، لكن الأخطر من الدخان هو الاعتياد الذي يجعل المأساة أكبر بكثير.

"لا نريد أن نموت ببطء"

يقف محمد العامودي (49 عاماً) كل صباح أمام محله المقابل مباشرة لسوق فراس.

يعمل العامودي في المحل منذ طفولته، كان السوق فيها مساحة حركة، ضجيج، تبادل. اليوم، يقف أمام كومة نفايات تتغيّر أشكالها لكنها لا تختفي.

كيف يمكن لغزة أن تستمر وهي تعيش داخل نفاياتها؟ وكيف يصبح السوق، المكان الذي كان يُنتج الحياة، مستودعاً لما تبقى منها؟


يقول محمد الذي يعمل في بيع الحلوى والهريسة الغزية، إن يومه لا يمر طبيعياً، ويبذل جهداً كبيراً في محاولة تحمّل الرائحة: "أفتح باب محلي وأنا حزين مقهور، لكن ليس باليد حيلة".

علامات الإرهاق تبدو واضحة على وجهه، وهو يقول لرصيف22: "تخيل أن يكون مصدر رزقك في عمق كل هذه القمامة، أنا أشعر أني أتنفس قمامة".

يحاول الناس في غزة مداواة جراحهم ونكباتهم بعد انسحاب قوات الاحتلال من الجزء الغربي من غزة.

وبالرغم من استمرار القصف تحت غطاء اتفاقية وقف إطلاق نار، إلا أن معاناة الناس تقريباً لم تتغير، فسوق العمل لا يزال منهاراً، والفقر ينخر في أجساد الغزيين كل لحظة.

فوق كل ذلك تزيد تراكمات القمامة العبء على كاهل محمد: "فقدت خلال الحرب منزلي ومنزل أهلي وأعيش الآن في خيمة بائسة، والآن بسبب القمامة أفقد مصدر رزقي الوحيد، وكأن كل شيء في هذا المكان ضدك".

يكمل: "الزبائن قلّوا، لا أحد يستطيع الوقوف أمام هذا المكب الموبوء، المكان نفسه صار طارداً".

يتحدث محمد عن خسارة لا تُقاس بالأرقام فقط. إنها خسارة في الشعور بالجدوى: "أشعر أنني أعمل داخل مكب قمامة، لا داخل سوق". يخشى على صحته، على صدره الذي صار يحترق مع كل حرق للنفايات، وعلى العاملين معه الذين لا يملكون خياراً آخر".

حين يُسأل إن كان يشعر بأنه مجبر على التعايش مع هذا الواقع، لا يجيب مباشرة، بل يبتسم ابتسامة قصيرة، ويقول: "بداخلي كلام كثير، لكن يكفي ألا يكون لديك بديل".

يحمّل محمد الاحتلال مسؤولية ذلك، ولا يتهم بلدية غزة، ولكنه أيضاً لا يبرئها. لغته حذرة، لكنها مشبعة بإحساس الخسارة: "الاحتلال سبب كل مآسينا، لكن على بلدية غزة أن تجد حلاً سريعاً"، مؤكداً أن رسالته ليست احتجاجاً بل صرخة مكتومة: "نحن نطالب بحياة أفضل، ولا نريد أن نموت ببطء".


لم يعد البيت آمناً

إذا كان محمد يرى القمامة من زاوية الرزق المهدد، فإن محمود الرمادي (58 سنة) يراها من زاوية الأب الذي يشعر أن أبناءه يمرون يومياً عبر منطقة معادية. منزله يبعد خمسين متراً فقط عن المكب.

يقول محمود إنه لا يستطيع تغيير منزله الذي نجا من المحرقة: "هذا هو بيتي الذي ورثته عن أبي، الآن حرمت من تنفس هواء نقي صحي أنا وعائلتي".

ثم يضيف لرصيف22: "من المستحيل أن تتعايش مع رائحة تحمل الموت في كل لحظة".

بسبب القمامة المحترقة، تعرّض لأزمة تنفسية شديدة وكاد أن يفقده، ويخبر بأن لحظة الإسعاف المرعبة لا تزال حاضرة في ذاكرته.

يتحدث محمود عن شعور بالذنب لا يفارقه: "أشعر أنني أحجز أولادي إلى منطقة ملوثة ولا أستطيع حمايتهم".

"فقدت خلال الحرب منزلي ومنزل أهلي وأعيش الآن في خيمة بائسة، والآن بسبب القمامة أفقد مصدر رزقي الوحيد، وكأن كل شيء في هذا المكان ضدك"

يكمل: "من المفترض أن يكون البيت هو الأكثر أماناً، لكنه صار المكان الأكثر خطراً على صحة أولادي".

هذا الإحساس، أكثر من المرض نفسه، هو ما ينهكه إذ تغيّرت حياتهم اليومية: نوافذ مغلقة، خروج محسوب، قلق دائم من الحرق الليلي للنفايات.

ما يخشاه محمود ليس المرض الآني فقط، بل المستقبل: "ماذا عن المرحلة القادمة؟" يسأل. "ماذا عن أشياء لا تظهر الآن؟". المستقبل، في نظره، صار مساحة غامضة، ملوّثة مثل الهواء.

حين يُسأل عن المسؤولية، لا يتردد إذ يحمل الاحتلال المسؤولية الأساسية: "لو لم يُغلق المكب، لما كنا هنا".

سؤال محمود الأكثر إلحاحاً ليس سياسياً، بل إنسانياً: "كيف ينجو بأبنائه في مدينة لا تملك حتى مكاناً لقمامتها؟".

ذاكرةٌ تُحرق

ما بين الأب وصاحب المحل، يبدو أن الخطر واحد، لكن زاوية النظر تختلف. القمامة، هنا، لا تهاجم الجميع بالطريقة نفسها. لكل شخص خسارته الخاصة. لكن ثمة خسارة أخرى، أكثر تجريداً، تتعلق بالذاكرة، وهذا ما تحمله شهادة خديجة السك.

مرت خديجة (67 سنة) من سوق فراس ولم تستطع أن تكمل طريقها. بكت ليس لأنها رأت نفايات، بل لأنها لم ترَ السوق كما تتذكره والذي كان جزءاً من حياتها اليومية.

تخاف السك من التعود، إذ تعتبر أن المرض مخيف، لكن الأخطر هو أن يعتاد الناس هذا المنظر وأن يصبح طبيعياً، وفق ما تقول لرصيف22: "لا أعرف كيف يمر الناس أمام هذا المكب دون بكاء على حالنا؟" معتبرة أن حياة الناس في خطر، ليس فقط بسبب الجراثيم، بل بسبب انكسار الإحساس بالحد الأدنى من الكرامة.

تحمّل الاحتلال المسؤولية بوضوح: "علينا أن نلعن السياسة والحروب التي دمرت كل شيء جميل في حياتنا، والآن صحتنا أصبحت في خطر".

تقر خديجة بأن حياة الغزيين لطالما كانت سيئة ومحاطة بالمشاكل، لكنها تستدرك بالقول: "كهذه الحياة المشبعة بالقمامة لم أر".

تلوم السيدة المجتمع الدولي الذي يشاهد أهل غزة ينهارون دون تدخل، موجهة رسالتها للمسؤولين: "على الجميع التدخل لوقف بطش الاحتلال بحقنا، وإنقاذنا من التعايش مع واقع يشبه القمامة تماماً".


عجز عن إيجاد حل

في المقابل، يكشف أحد العاملين في وحدة الصحة والبيئة في البلدية، والذي فضّل عدم ذكر اسمه خشية التعرض للمساءلة، أن الاحتلال الإسرائيلي هو المتسبب الرئيسي في بقاء المكب داخل سوق فراس، وسط مدينة غزة.

ويوضح المصدر أن بلدية غزة، منذ بدء الحرب، مُنعت من تنفيذ مهامها الاعتيادية في إدارة النفايات، ولم يعد مسموحاً لها بالتحرك أو نقل القمامة إلا ضمن تنسيقات محدودة تتم غالباً عبر منظمات دولية، من بينها منظمة العمل ضد الجوع (ACF).

ويضيف: "المسار الطبيعي لعمل البلدية كان يعتمد على نقل النفايات إلى مكب جحر الديك، إلا أن الاحتلال يمنع الوصول إليه بشكل كامل منذ بداية الحرب".

ويشير المصدر إلى أن البلدية حاولت في فترات سابقة تجميع النفايات في منطقة محطة الخزندار شمال غرب مدينة غزة، إلا أن الاحتلال يمنع نقل القمامة إلى هذا الموقع، مما أدى إلى إغلاق جميع البدائل المتاحة عملياً أمام البلدية: "لم يبقَ أمام البلدية سوى تجميع النفايات في سوق فراس، رغم إدراكها لحساسية الموقع وخطورته الصحية والبيئية".

ويبيّن المصدر أن بلدية غزة تُجري تواصلاً مستمراً مع المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة العمل ضد الجوع، في محاولة للضغط من أجل السماح بنقل النفايات وتفريغها خارج مركز المدينة، إلا أن هذه الجهود لم تُثمر حتى الآن.

ووفق المصدر، يبدو أن استمرار منع نقل القمامة يبقي الأزمة قائمة ويُراكم النفايات في قلب المدينة، دون وجود أفق واضح لحل قريب.

"من المستحيل أن تتعايش مع رائحة تحمل الموت في كل لحظة"

سوق فراس، بما يحمله من رمزية، صار شاهداً على هذا التحلل. تحويله إلى مكب ليس قراراً إدارياً فحسب، بل حدثاً نفسياً وثقافياً. إنه إعلان غير مكتوب بأن الأولويات تغيّرت، وأن البقاء صار أهم من المعنى.

في نهاية المطاف، إلى متى يمكن لمدينة أن تعيش في حالة طوارئ دائمة؟ إلى متى يمكن اعتبار هذا الوضع مؤقتاً بينما آثاره تتراكم في الأجساد والذاكرة؟ كيف تتحول القمامة إلى لغة أخرى للحرب، وكيف يُدفع الناس، من دون اختيار، إلى التعايش مع ما كان ينبغي أن يكون غير محتمل؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

وراء كل تقرير في رصيف22، أيام من العمل: من التفكير والتحرير إلى التحقق والإنتاج البصري.

نحن نراهن على النوع، والصدق، والانحياز إلى الحقيقة والناس.

وحتى يستمرّ هذا العمل، نحتاج إلى من يؤمن بأنّ الجودة والحرية تستحقان الاستثمار.

Website by WhiteBeard
Popup Image