رحلات إبداعية مثيرة برفقة المتنبي في العصر الحديث

رحلات إبداعية مثيرة برفقة المتنبي في العصر الحديث

ثقافة نحن والتاريخ

السبت 24 يناير 20267 دقائق للقراءة

يرفض أبو الطيب المتنبي (303-354 هـ/915-965 م)، الشاعر العربي الأبرز، أن يُحبس في خانة التراث الجامد أو يُقرأ بوصفه صفحة من الماضي. تجربته الشعرية حيّة، متدفقة، ومفتوحة على احتمالات لا تنتهي، يطير بها عبر الأزمنة والأمكنة، ويظل حاضراً بقوة في لحظتنا الراهنة، بقصائده التي ما تزال تتفاعل معنا، وبشخصيته الجريئة وحياته الملهمة التي تشبه مغامرة مفتوحة.

لا يغيب المتنبي عن مشهد المبدعين والمثقفين العرب اليوم؛ ظله حاضر، وصوته مألوف، كأنه واحد منهم. يرافقهم في تجاربهم وأسئلتهم وقلقهم الكتابي، ويقف إلى جانبهم وهم يحدقون في الواقع العربي المثقل بالأزمات والانكسارات. يشاركهم سخرية مُرّة تضحك وتوجع في آن، لا تقل حدة ولا مفارقة عن حكايته الشهيرة والمخزية في بلاط كافور الإخشيدي.

مساءلة الذات والعالم

لا يتعاطى الشعراء العرب مع المتنبي بوصفه شاعراً ماضويّاً عظيماً يتأثرون به كما يتأثرون بغيره من فحول الشعراء، وإنما قد يستحضرونه كلية في تجاربهم، ليرى بعيونهم ويروا بعينيه تفاصيل المشاهد اليومية المعاصرة، خالطين رؤاهم برؤيته، ومازجين فلسفاتهم بحكمته، ذلك أن قلقهم هو قلقه نفسه، ومأزقهم هو مأزقه، وطموحهم هو طموحه، وتمزقهم هو تمزقه وشتاته ومصرعه بيد قاتله.

وحده المتنبي، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، بإمكانه أن يُسائل ذواتنا المتآكلة وعالمنا المنهار، فالأسئلة التي طرحها قديماً لا تختلف عن تساؤلاتنا المفتوحة على الجرح والألم في زمن الانكسارات والإخفاقات واليقين الزائف.

يظل المتنبي رفيق المبدعين العرب، شريكهم في أسئلتهم وقلقهم، وحاضراً في تأملهم للواقع العربي بأزماته وانكساراته وكأنما يشاركهم سخرية مُرّة تضحك وتوجع في آن

من أدونيس إلى محمود درويش، ومن نزار قباني إلى أمل دنقل، وصولاً إلى يوسف رخا، يتبارى الشعراء العرب في منادمة المتنبي على قارعة الطريق، فهو الشاعر الذي لا يغيب، الشاعر الذاكرة، وهو الأنا المركزية التي تتحمل التناقضات اللانهائية، وتتأرجح من ذروة الأمل إلى قاع الخيبة، والتي تتجدد بانقساماتها المتتالية ولا تتبدد، وهو جوهر القوة الشعرية بالمعنى الأخصب والأعمق والأشمل من سلطة اللغة وبلاغتها الشكلية.

يحضر المتنبي كشاعر وكإنسان، وكشخصية درامية ورمزية، في تجارب عدد غير هيّن من شعراء العصر الحديث؛ ذلك أن العصور تتشابه، والأحداث تتكرر، وقابلية الحوار مع المتنبي لا تنتهي، لاسيما أن شخصيته باذخة ومركّبة، وحياته معقّدة، وأغلبية نصوصه حمّالة أوجه بما تتضمنه من إحالات وطبقات تأويلية بحسب فطنة قارئها، وبقدر وعيه وثقافته.

أدونيس والإنتاجية الجديدة

يتماهى الشاعر السوري أدونيس مع المتنبي في دلالات الرفض، رفض الحاضر والقائم والسائد، وفي نشدان التغيير، والحلم بالمستحيل. في عمله الإبداعي "الكتاب… أمس-المكان-الآن"، يكاد أدونيس يرى ذاته في مرآة المتنبي، ويترصد المتنبي في مرآة ذاته. يتحول التناص والتقاطع بينهما إلى إعادة قراءة وتجديد، ويستلهم أدونيس من المتنبي مجالاته الشعرية وعلى رأسها الفلسفة والوجود، ليؤسس حداثته الخاصة، معيداً تشكيل القصيدة العصرية، ومضيئاً كينونة الإنسان وقضايا المجتمع.

أدونيس

يتفاعل أدونيس مع المتنبي بوصفه نموذجاً للجرأة والقلق والتوتر الوجودي، ورمزاً للإنتاجية الشعرية الجديدة والمغايرة في عصره، وبالتالي فإنه لا يقلده بطبيعة الحال، ولا يتحدث بلسانه، وإنما يستلهمه باطنيّاً في دفع النصوص إلى مرحلة مختلفة في الشعر العربي المعاصر.

هو يفكك النموذج ولا يسعى إلى تمجيده، يلفظ ثباته ويستخدمه في ممارسة تحولاته؛ يستدعي ظلاله الذهنية، كشاعر يطمح إلى أن يصير أكبر من عصره وأبقى من تاريخه. في "هذا هو اسمي"، يقول أدونيس: "هذه ناري/لم تبق آية، دميَ الآيةُ/هذا بدْئي/دخلتُ إلى حوضكِ/أرضٌ تدور حولي"، وكأنما هو مشحون بضمير المتنبي الصارخ: "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صممُ".

كلاهما شاعر يتغنى بالنبوءة، وبالبطولة الفردية، وكلاهما غارق في الأرق والتمزق، فأدونيس صاحب قصيدة "التيه" هو انعكاس للمتنبي القائل: "أرقٌ على أرق ومثلي يأرَقُ/وجوىً يزيد وعبرة تترقرقُ".

درويش ودنقل والمقاومة

أما الشاعر الفلسطيني محمود درويش، فكأنه والمتنبي صنوان، في لحظة محددة، يكثفها درويش في قصيدته "رحلة المتنبي إلى مصر". تلك هي لحظة خيبة أمل المتنبي في كافور الإخشيدي، العبد الحبشي الذي اعتلى عرش الحُكم في مصر، ولحظة خيبة أمل محمود درويش في الزعامات العربية كلها، التي هي صور مكررة من كافور.

محمود درويش

يتقاسم درويش مع المتنبي انسداد الأفق، ووأد الأحلام، وضبابية المستقبل. يقول درويش مستحضراً روح المتنبي: "أمشي سريعاً في بلاد تسرقُ الأسماءَ مني/ قد جئتُ من حلبٍ، وإني لا أعود إلى العراق/ سقط الشمالُ فلا ألاقي غير هذا الدرب يسبيني إلى نفسي... ومصر/ كم اندفعتُ إلى الصهيل، فلم أجدْ فَرَساً وفرساناً، وأسلمني الرحيلُ إلى الرحيل/.../ للنيل عاداتٌ، وإني راحلُ/ هل غادرَ الشعراءُ مصرَ؟ ولن يعودوا؟/ إن أرضَ الله ضيقة، وأضيق من مضائقها الصعودُ، على بساط الرمل/هل من أجل هذا القبر نامتْ مصرُ في الوادي، كأنّ القبر سيّدها؟".

ومثلما يتخذ درويش من المتنبي رمزاً للتحدي والصمود والمقاومة، إزاء هذا الضياع في حضرة الحكّام الذين صنعوا مرارة الواقع وبؤسه، فإن الشاعر المصري أمل دنقل، الملقّب بشاعر الرفض، يجد لدى المتنبي ضالته في تحدي السلطة. ومن ثم، يصير المتنبي قناعاً لدنقل، ويغدو دنقل امتداداً للمتنبي، وتلتحم صرخاتهما معاً تنديداً بالظلم والقهر والمهانة والاستبداد، ويعلو هتافهما معاً انتصاراً للكرامة الإنسانية.

أمل دنقل

وفي أعقاب الهزيمة العربية المدوية عام 1967، يكتب أمل دنقل قصيدته "من مذكرات المتنبي في مصر"، فاضحاً إحساس الشاعرين معاً بالضياع والاغتراب والصراع الداخلي، ومازجاً بين الألم والحزن والسخرية، فالمتنبي الذي يقول: "وكم ذا بمصر من المضحكات.. ولكنه ضحك كالبكا"، هو نفسه أمل دنقل الذي يقول متهكماً على الأحوال المحيطة من حوله: "تسألني جاريتي، أن أكتري للبيت حرّاسا/فقد طغى اللصوص في مصر، بلا رادع/فقلت: هذا سيفي القاطع/ضعيه خلف الباب.. متراسا!/ما حاجتي للسيف مشهورا/ ما دمتُ قد جاورتُ كافورا/ عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ؟/ بما مضى؟ أم لأرضي فيك تهويدُ؟!".

نزار قباني ومفاتيح التحرر

ولا يجد الشاعر السوري نزار قباني في الزمن الذي يسمّيه "زمن اللا-حوار" صديقاً يحتويه أقرب من المتنبي، فهو وحده الذي يفهمه ويشاركه مشاعره حين يصير الحب بلاستيكيّاً، وتمّحي زرقة الماء، وتغيب عن كل لغات الدنيا الجملُ المفيدة.

تجربة المتنبي الشعرية حيّة ومتدفقة، مفتوحة على الأزمنة والأمكنة، وحاضرة بقوة في لحظتنا الراهنة. فمثلاً، أدونيس صاحب قصيدة "التيه" هو انعكاس للمتنبي القائل: "أرقٌ على أرق ومثلي يأرَقُ/وجوىً يزيد وعبرة تترقرقُ"

هو زمن الميليشيات المثقفة، بحد قول نزار قباني، والكتابات المفخخة، والنقد المسلح، والأيديولوجيات الكاتمة للصوت، والفتاوى الكاتمة للصوت، وخطف الشاعر بسبب علاقاته المشبوهة مع رامبو، وفيرلين، وبول إيلوار، ورينيه شار، وغيرهم من الشعراء الصليبيين.

نزار قباني

يلجأ نزار قباني إلى المتنبي، ببساطة، ويحتضنه، لأن هذا العالم المجنون قد صار يجهل قيمته، في زمن الإيدز الثقافي، والمسدس الذي لا يقرأ، ولا يكتب. يؤمن نزار بالمتنبي، بقدر إيمانه بذاته، فكلاهما يلهث وراء الجرأة وتخطّي المألوف، وكما راح المتنبي يتحدى أصحاب السلطة بالشعر، فإن نزار عرف طريق النضال السياسي في شعره، ومن قبله سلك درب الدفاع عن قيم التحرر الاجتماعي والعاطفي.

رخا واكتشاف الداء

أما الشاعر المصري يوسف رخا، فإنه يفرد كتاباً كاملاً لتوثيق رحلته العجائبية مع المتنبي، بعنوان "ولكنّ قلبي.. متنبّي الألفية الثالثة"، وهو عمل ينطوي على تجربة موسعة في التماهي مع المتنبي في مواجهة تجليات اللحظة الحالية وتفجراتها العاتية.

يوسف رخا

يرتحل رخا مع المتنبي في رحلة استشفائية، تبدأ باستكشاف الداء والألم على أقل تقدير، ووضع اليد على المواضع الأكثر حساسية في البدن والروح على السواء، "الآن أتعالج بصحبة المتنبي، على الأقل أختبر دائي". يشتبك رخا مع الموروث، ويشتبك المتنبي مع الحاضر الغامض والمستقبل المجهول أيضاً، وكلاها بلا خارطة، وبلا رفاق، وبلا طريق، وكلاهما ينتظر قاتله.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image