عندما سكن الجنوب بيتنا...وغادرنا إلى الأبد

عندما سكن الجنوب بيتنا...وغادرنا إلى الأبد

مدونة

السبت 24 يناير 20266 دقائق للقراءة

تعرّفت إلى بلدتي ميس الجبل، وهي بلدة من بلدات الجنوب اللبناني في منطقة الشريط الحدودي بين لبنان وفلسطين المحتلة، بعد التحرير عام 2000، حالي كحال الكثيرين من أبناء المنطقة الحدودية الذين أُبعدوا قسراً عنها، بدءاً من الاعتداءات التي شنّتها عصابات الاحتلال منذ العام 1948 إلى عام 1967، إلى عامي 1973 و1978، والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وعندما جرى التحرير الأول عام 1985، بقيت بلدات وقرى الشريط تحت سطوة الاحتلال، وبقيت النسبة الأكبر من أهاليها مبعدين عنها.

جدتي وميس الجبل

وأنا من الذين عاشوا وترعرعوا بعيداً من بلدتهم ومن الجنوب بشكل عام، فتربّيت ونشأت في جبل لبنان ولا أزال، إلا أن الجنوب عاش معي في المنزل، فأخذت منه الحنين إلى بلدة لم أرها، وفكرة التمسك بتراب لم ألمسه، والتفكير الدائم بجنوبيتي وبمسقط رأسي، وكان الجنوب هذا هو جدّتي.

أذكر جيداً في أيار/ مايو من عام 2000، عندما عدت من المدرسة، وضعت شنطتي ونزلت لأرى جدّتي، قالت لي أمي: "جدّتك ليست هنا، ذهبت إلى الجنوب، وميس الجبل تحررت اليوم"

فجدّتي لأبي من اللواتي أُبعدن عن ديارهن أيضاً، فأتت باكراً إلى بيروت منذ العام 1967، ومنها إلى الجبل حيث استقرت فيه مع أسرتها، وعندما أبصرتُ النور رأيتها معي في المنزل، حيث ترعرعت في كنفها إلى جانب أمي وأبي، ورافقتني بكل تفاصيل ومراحل حياتي، وكان لها دورٌ كبير في بناء شخصيتي.

جدّتي التي لم تغيّرها سنوات البعد الطويلة عن الجنوب، كانت اللكنة الجنوبية هويتها، وكان الجنوب حاضراً على لسانها، وكانت ميس حديثها الدائم، فتحدثني عن طفولتها وذكرياتها مع أخواتها، حتى صرت أرسم بلدتي في مخيلتي كما حدّثتني عنها جدّتي.

كانت جدّتي تمتحنني بين الحين والآخر، وتسألني السؤال المعهود: من أي بلدة أنت؟ فيستحيل أن أذكر اسم بلدة غير ميس الجبل، حتى من باب المناكفة، لأنني كنت سأدخل معها في معركة خاسرة، أقصى عقوبتها أن "إذهب ونم عند أهلك، ليس لك مكان في بيتي"، وأنا الذي بقيت في منزلها مع إخوتي، وُلدنا ونشأنا فيه حتى شبابنا.

أذكر جيداً في 24 أيار/ مايو من عام 2000، عندما عدت من المدرسة، وضعت شنطتي ونزلت لأرى جدّتي، قالت لي أمي: "جدّتك ليست هنا، ذهبت إلى الجنوب، فالجنوب تحرر وميس تحررت، ذهبت إلى هناك اليوم".

تحرير الجنوب؟

لم أدرك ما معنى "تحرر الجنوب" في ذلك الحين، وأنا ابن ثماني سنوات، لكن كل الذي أعرفه أن جدّتي فارقتني لأول مرة في حياتي، ذهبت إلى أحب البقاع إلى قلبها، ميس الجبل، بعد فراق مرير وطويل، لم تنتظر بضعة أيام قليلة حتى تتهيّأ ظروف العودة، فكانت من بين أوائل الواصلين، فشعرت بشيء من الغيرة، كيف فضّلت جدّتي الجنوب علينا؟

في مطلع عام 2021، حصل ما كنت أظن أنه يحصل لكل الناس إلا جدّتي، توفيت بيننا، وأول ما تبادر إلى ذهني أننا سنعمل بوصيتها وندفنها في أحب مكان إلى قلبها، في ميس الجبل.

وفي اليوم التالي اصطحبنا أبي إلى بلدتنا للمرة الأولى في حياتنا، وهناك اجتمعت بجدّتي، كانت تزيل آثار السنين الطويلة عن منزلها القديم، ولم أنسَ ضحكتها وفرحتها، وكيف زغردت عندما رأتنا، وكيف عانقتنا وقبّلتنا كأنها لم ترنا منذ عقد من الزمن، فهذه ميس عادت لأهلها، وهذه جدّتي التي خافت أن تموت بعيدةً منها عادت إليها.

ومنذ التحرير بدأنا نتعرّف إلى بلدتنا، وأصبحنا نتردد إليها برفقة جدّتي، وبدأنا نتعرّف إلى منطقة الشريط الحدودي المحرر، ونشأت بيني وبين الجنوب علاقةً خاصةً، فلم أشعر بغربة فيه، ليس لأني ابن هذه الأرض، بل لأن الجنوب كان يسكن معي، فكبرنا سويّةً في المنزل نفسه، في جبل لبنان.

لم أنصدم باللهجة ولا ببعض المصطلحات الجنوبية التي تختلف عن لهجات ومصطلحات باقي المناطق اللبنانية، فقد كنت على درايةٍ عاليةٍ بها بفضل جدّتي، وكنت أتحدث مع جدّتي بذات اللهجة حيث كنت أستسيغها، ليس لأنها جميلة، بل لأن بسمةً كانت ترتسم على وجه جدّتي عندما أحدّثها بالجنوبية، وكذلك عندما كنت أردّد أمثالها الشعبية التي اشتهرت بها ونشرتها في محيطها، حيث حفظتها عن ظهر قلبٍ منذ نعومة أظفاري.

وعندما كنت أشتاق إلى بلدتي ميس، كنت أنظر إلى جدّتي، أستمع إلى حديثها، وآكل من طبخها الشهي، وخبزها المصنوع على الصاج، الذي كانت رائحته الطيبة تملأ المنطقة، وكذلك تحضيرها للـ "فراكة الجنوبية"، وهي نوعٌ من أنواع الكبة النيئة التي تشتهر بها منطقة الجنوب.

والموت

في مطلع عام 2021، وفي نهاية شهر كانون الثاني/ يناير، حصل ما كنت أظن أنه يحصل لكل الناس إلا جدّتي، إنه الموت، توفيت جدّتي بيننا، وأول ما تبادر إلى ذهني أننا سنعمل بوصيتها وندفن جثمانها في أحب مكان إلى قلبها، وهي بلدتنا ميس الجبل، وهذا ما حصل، دفنّا جدّتي ودفنّا قلوبنا معها، وعدنا إلى الجبل، وفي كل مرةٍ كنت أشتاق فيها إلى جدّتي قصدت بلدتي وزرت المقبرة، التي لا تبعد سوى أمتارٍ قليلةٍ عن الحدود مع فلسطين المحتلة، وكنت أقف على قبرها وأحدّثها، وأعلم أنها تراني وتسمعني.

عمدت إسرائيل إلى تفجير عشرات المنازل ومنها تلك المحيطة بالمقبرة، وبات من الصعب أن أصل إلى ضريح جدّتي من جديد، وفي المرة الأخيرة لزيارتي بلدتي، وقفت على مسافةٍ بعيدةٍ من المقبرة، سلّمت على جدّتي من بعيد، واعتذرت منها عن عدم استطاعتي الوصول إلى ضريحها

ومع اندلاع أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، اشتعلت المنطقة الحدودية بالقذائف والصواريخ، حيث نزح أهلها عنها، إلى حين إعلان وقف إطلاق النار بين لبنان وكيان الاحتلال في 27 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وطوال هذه المدة لم أزر قبر جدّتي، لكني عدت إليه بعد إعلان وقف إطلاق النار ووقفت عنده وأطلت الوقوف، بكيت كثيراً وحمدت الله أنه لم يزل موجوداً، حيث إن جرافات الاحتلال عمدت إلى تجريف مساحاتٍ كبيرة من مقابر البلدة، في هتك فاضح لحرمة الموتى.

ومع استمرار الخرق الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار، عمد إلى تفجير عشرات المنازل في البلدة، ومنها تلك المحيطة بالمقبرة، وأصبحت المقبرة تحت عين الاحتلال، وبات من الصعب أن أصل إلى ضريح جدّتي من جديد، ففي المرة الأخيرة لزيارتي بلدتي، وقفت على مسافةٍ بعيدةٍ من المقبرة، سلّمت على جدّتي من بعيد، واعتذرت منها عن عدم استطاعتي الوصول إلى ضريحها، وقلت في نفسي: "ستعذرني جدّتي وستصفح عني، ككل مرةٍ كنت أشاغب فيها عندما كنت طفلاً".

أيا جدّتي، كنت إذا اشتقت إلى بلدتي وإلى الجنوب نظرت إلى وجهك، واليوم ماذا أصنع بعد رحيلك؟ وكنت إذا اشتقت إليك زرتك عند ضريحك، فماذا أصنع اليوم؟ أنا، يا جدّتي، بتّ أعيش غربتين، غربةً على فقدك، وغربةً بالابتعاد القسري عن بلدتي التي سُوّيت بالأرض، لكنك، يا جدّتي، تعلمين جيداً أننا نحن الجنوبيين كالطيور المهاجرة، قدرنا أن نعيش في هجراتٍ مستمرةٍ، إلا أن الطيور تعود إلى موائلها مهما طال سفرها، ونحن كذلك، سنعود، يا جدّتي، إلى بلداتنا عندما ينتهي موسم هجراتنا إلى الأبد، أو عندما نموت لنُزرع في تراب جنوبنا، فننبت من جديد.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image