"نزحنا مرتين خلال عام"... لبنانيون عالقون في رحلة البحث عن مأوى

حياة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 9 مارس 20268 دقائق للقراءة

تهجير جديد عاشه أهالي الجنوب والضاحية الجنوبية منذ بداية آذار/ مارس 2026 بحثاً عن مكان آمن بعيداً من الحرب، مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان. تهجيرٌ تلو تهجير لشعب لم يتجاوز بعد ما عاناه من تشرّد ودمار منازل وأرزاق وفقدان أحبّاء.

لساعاتٍ طويلة سار الناس بحثاً عن مكان آمن ولكن أبواباً كثيرة صُدت في وجوههم، مما أعاد رحلة البحث من جديد عن سقف يؤويهم إلى الصفر في كل مرة.

التهجير أقسى من المرة الماضية

حين يغادر الإنسان بيته لا يترك حجارة فحسب، بل يترك أرضه وذكرياته وحياة كاملة بنى عليها أحلاماً.

تمتدّ تداعيات الحرب إلى التعليم والطبابة والحق في الحياة والكرامة الإنسانية، ويشير التقرير اليومي الصادر عن وحدة إدارة مخاطر الكوارث في السراي الكبير إلى وصول العدد الإجمالي للنازحين في مراكز الإيواء إلى 117228 شخصاً. أما عن العدد الاجمالي لمراكز الإيواء فهو 538 مركزاً موزعة على عدة مناطق في لبنان.

خلف هذه الأرقام التي تتغير كل يوم، يروي الناس ظروف نزوحهم وما يعيشونه في ظل هذه الحرب.

تقول فاطمة شهاب لرصيف22: "عمري سبعون عاماً وهذا التهجير الثاني من قريتي البازورية خلال سنة وثلاثة أشهر. في الحرب السابقة قُصف بيتي واستشهد زوجي ودُمّر مصدر رزقنا. ومنذ وقف إطلاق النار، وأنا أحاول أن أرمّم البيت وأعيد بناء حياتنا. بالكاد لملمنا ما تبقى لنا، ثم اضطررنا إلى النزوح مرة أخرى. أشعر وكأنني عدت إلى نقطة الصفر، وأخاف أن أعود فأجد نفسي أمام الدمار نفسه مرة أخرى، من دون أن أجد من يقف إلى جانبي أو يحمي عائلتي".

"عمري سبعون عاماً وهذا التهجير الثاني من قريتي البازورية خلال سنة وثلاثة أشهر. في الحرب السابقة قُصف بيتي واستشهد زوجي ودُمّر مصدر رزقنا. ومنذ وقف إطلاق النار، وأنا أحاول أن أرمّم البيت وأعيد بناء حياتنا. بالكاد لملمنا ما تبقى لنا، ثم اضطررنا إلى النزوح مرة أخرى"

وتكمل: "هذه المرة، غادرنا قرابة الساعة الرابعة والنصف فجراً عندما اشتد القصف. استيقظنا على صوت الضرب وأيقظنا أولادنا وخرجنا بسرعة. استغرقت رحلتنا أكثر من عشر ساعات على الطريق وسط التعب والازدحام، ومعنا أطفال صغار. حاولنا التوجه إلى صيدا، لكننا واجهنا صعوبة كبيرة في إيجاد مكان يؤوينا. كثيرون رفضوا فتح بيوتهم حتى مقابل الإيجار، ومن تجاوب معنا طلب أرقام إيجار خيالية، وهذا كان مؤلماً، لأننا في قريتنا كنا نفتح بيوتنا للنازحين من دون مقابل".

أما عن ظروف العيش فتخبر: "نعيش اليوم نحو ثلاثين شخصاً من العائلة في مكان واحد في بيروت، بينهم عدد كبير من الأطفال، وأصبح تأمين أبسط الاحتياجات صعباً جداً، حتى الخبز نحتاج منه إلى كميات كبيرة يومياً بسبب عددنا".

وتختم حديثها بالقول: "النزوح في هذا العمر عبء ثقيل. أنا في السبعين من عمري، وكان من المفترض أن أكون قد استقررت بعد سنوات طويلة من التعب والعمل، لكنني اليوم أحمل همّ عائلتي. الجيل الأكبر ما زال يحمل العبء الأكبر من القلق والمسؤولية، بينما الشباب أنفسهم يعيشون ضغوطاً كبيرة"، مشيرة إلى أنها جلّ ما تطلبه هو توفير مأوى للنازحين، وأن تتوافر الطبابة للجميع والمساعدة الأساسية للعيش بكرامة.

الحمل في ظل النزوح

تتفاوت صعوبة النزوح بين كبار السن والنساء الحوامل خصوصاً في ظل عدم توافر الاحتياجات الخاصة، كما تخبر ياسمين درويش التي تهجرت من قرية كفرا في الجنوب اللبناني.

وتقول ياسمين لرصيف22: "أنا حامل في شهري الخامس ولدي طفل صغير، كان نزوحنا مليئاً بالخوف والارتباك، استيقظنا منتصف الليل وخرجنا مع العائلة من ضمنهم خمسة أطفال. وصلنا إلى مدرسة رمل الظريف في بيروت حيث يعيش أربعون شخصاً في غرفة واحدة، في ظروف صعبة، ننام على الأرض دون أغطية أو فراش".

"نطالب الدولة بأن تقف إلى جانب الناس، واذا لا يريدون مساعدتنا فلماذا أحضرونا إلى المدارس؟"

عن وضع النزوح في رمضان، تضيف ياسمين: "الوضع صعب جداً، فنحن صائمون واشترينا بعض الطعام من التعاونية للإفطار، وبالصدفة رأيناهم يوزعون الوجبات وخيرونا إذا كنا نريد أن نأخذ منها. حتى بالنسبة إلى طفلي لم يقدم لنا أحد أي مساعدة، فطفلي يشرب حليباً اصطناعياً وتكلفة العبوة عشرة دولارات، يحتاجها كل يومين. أما بالنسبة إلى الفحوصات، فأتت مندوبة وسجلت أسماؤنا لم نعرف السبب، ولم يسأل أحد عن النساء الحوامل ننام على الأرض في هذا البرد. جلبوا عشر فرشات ووزعوها ولم نحصل على شيء منها".

وتكمل: "الحرب في حد ذاتها مخيفة، نحن نستطيع النوم في الخارج لكن الأطفال لا يحتملون هذا القهر، ما يهمني هو طفلي وأخاف من انقطاع الحليب. الوضع صعب خاصة لمن ليس لديهم ضمان اجتماعي. وبالنسبة إلى عمل زوجي فهو وعائلته لحّامين تركوا رزقهم ومزرعتهم ونزحوا".

هذا وتطالب الدولة اللبنانية بالتدخل لمساعدة النازحين: "نطالب الدولة بأن تقف إلى جانب الناس، واذا لا يريدون مساعدتنا فلماذا أحضرونا إلى المدارس؟ لم يسأل عنا أحد حتى الآن".

شهادة فاطمة وياسمين تعكسان الحاجة الملحة لتدّخل وزارة الشؤون الإجتماعية ووزارة الصحة لتأمين الحاجيات الأساسية والرعاية الطبية للنازحين.

وفي التقرير الذي أصدرته وزارة الصحة بتاريخ 3 آذار/ مارس، أوضحت بأن الخدمات الاستشفائية تقدم لكل اللبنانيين سواء النازحين أم المضيفين غير المضمونين بنسبة 100% وذلك خلال فترة الحرب في المستشفيات الحكومية، وشمل الإعلان قرار إضافي يشير إلى أنه سيُصار إلى إضافة عدد من المستشفيات الخاصة إلى هذه التغطية، تبعاً للإمكانات المتاحة، وبحسب المناطق وانتشار النازحين في لبنان.

أما بالنسبة إلى وزارة المهجرين، فقد دعت النازحين على موقعها لتسجيل بياناتهم الشخصية ومكان وجودهم بشكل شخصي وذلك لضمان وصول المساعدات الاجتماعية إليهم.

وفي ظل ما يعيشه النازحون اليوم يبقى واقعهم بعيداً من التصريحات الرسمية، ما يطرح تساؤلات حول حجم الأزمة والخدمات التي تستطيع الوزارتان تقديمها خلال هذه الأزمة.

مدارس غير مجهزة للنزوح

"نزحتُ مع أهلي وأطفالي إلى مدرسة قصر الثقافة الحديثة في بيروت"، هذا ما تقوله زينب علاء الدين، التي نزحت من منطقة صريفا.

وعن الظروف الحالية، تقول لرصيف22: "الوضع هنا صعب. نحن هنا منذ ستة أيام تقريباً، لكننا بقينا أربعة أيام بلا أغطية أو فرش. في الليل يوزعون وجبات إفطار، وفي الساعة الحادية عشرة تقريباً يوزعون مناقيش للسحور. هناك فاعلو خير يحاولون تقديم ما يستطيعون، كما جاءت إحدى الجمعيات التابعة للشؤون الاجتماعية وسجلت أسماءنا، لكننا لم نحصل على أي مساعدة حتى الآن. اضطررنا إلى شراء الفرش والأغطية بأنفسنا".

تتحدث زينب عن مشكلة المراحيض والاستحمام: "إذا أراد أحد أن يستحم فعليه أن يتدبر الأمر بنفسه، لأن المكان غير مجهز للاستحمام، وهناك ازدحام كبير. لدي طفلان صغيران، ومعنا أمي وهي سيدة مسنة عمرها ثمانية وثمانون عاماً وهذا يجعل الوضع أصعب. الحمامات قليلة جداً فهناك حمام واحد فقط في الطابق العلوي، بينما نضطر غالباً إلى استخدام الحمام الموجود في الأسفل، وفي هذا البرد يصبح الأمر صعباً جداً".

وعن الفرق ما بين هذا النزوح والذي قبله، تقول: "هذا النزوح أصعب بكثير من النزوح الذي عشته في الحرب الماضية. تضرر منزلي وأصبحت مهجرة منذ ذلك الوقت، وسكنت في مكان مؤقت"، مشيرة إلى أنه لم يتم تسجيل بيتها ضمن البيوت المهدمة: "لذلك لا يمكنني ترميمه ولا استئجار منزل آخر بسهولة".

وتكمل: "الوضع المادي صعب جداً، زوجي يعمل كل يوم بيومه، وبعد الحرب السابقة بقي فترة طويلة بلا عمل. الآن لا يوجد عمل، ومعنا أطفال يحتاجون إلى مصاريف. أطفالي يعانون من الحساسية والربو، وقد جلبت لهم بعض الأدوية، لكنهم يحتاجون إلى أجهزة بخار وأدوية إضافية. إذا مرض أحدهم هنا سأضطر إلى شراء الدواء، وكل شيء يحتاج إلى مال، وحتى لو كان معك مبلغ بسيط فإنه لا يكفي لشراء شيء".

وتختم حديثها: "حتى الآن لم يأتِ أحد من وزارة الصحة أو أي فريق طبي ليسأل عن أوضاعنا الصحية. كل ما نحتاجه اليوم هو الدعم لنتمكن من الاستمرار في هذه الظروف، سواء من ناحية المال أو الحاجات الأساسية مثل الملابس والأدوية".

"اختبرت طفلتي النزوح مرتين"

ما تختبره زينب مع عائلتها هو واقعٌ متكرر في المدارس، مما يضع النازحون أمام واقع قاسٍ لا يمكن الاستمرار به.

تقول زهراء حمادة لرصيف22: "اختبرت طفلتي النزوح مرتين وعمرها عامين، أصبحت تخاف من الأصوات العالية وعندما تسمع صوت القذائف تلتصق بي وتقول لي (ماما تعي)".

وتخبر: "نزحت مع أهلي وزوجي من منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية إلى ثانوية فخر الدين في بيروت، نحن الآن سبعة أشخاص في غرفة واحدة".

"اختبرت طفلتي النزوح مرتين وعمرها عامين، أصبحت تخاف من الأصوات العالية وعندما تسمع صوت القذائف تلتصق بي وتقول لي (ماما تعي)"

رغم أن ظروف هذا النزوح تبدو من ناحية التنظيم أفضل قليلاً من السابق، فإن الحرب الحالية أصعب بكثير، وفق ما تقول: "زوجي يعمل موظفاً لكن راتبه قليل جداً، وحتى في الأيام العادية كنا بالكاد نستطيع تدبير أمورنا بين إيجار المنزل والمصاريف، ولم يكن يبقى معنا أكثر من خمسين دولاراً في نهاية الشهر. أنا لا أعمل، وكل هذه الظروف تجعل النزوح أصعب بكثير نتيجة المصاريف والاحتياجات".

هذا وتعرب حمادة عن قلقها مما يخبئه المستقبل: "اليوم، أكثر ما يخيفني هو مستقبل ابنتي. أفكر دائماً ماذا سيحدث لها في المستقبل، وما الحياة التي ستعيشها. منذ سنوات ونحن نعيش في حروب وظروف صعبة، والوضع المادي يزداد سوءاً، ولا نعرف كيف سيكون الغد".




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image